مجلس الدولة - أرشيفية
أصدرت المحكمة الإدارية للمالية وملحقاتها، بمجلس الدولة، في سابقة قضائية، حكمًا بإلغاء قرار فصل أحد العاملين بالهيئة القومية لسكك حديد مصر، والذي صدر على خلفية الاشتباه في تعاطيه المواد المخدرة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وفي مقدمتها إعادته إلى عمله وصرف كامل مستحقاته المالية عن الفترة من تاريخ فصله وحتى تاريخ عودته للعمل.
ملحوظة:
ويحمل هذا الحكم بين طياته العديد من المبادئ القانونية المهمة والدقيقة التي تستحق التوقف أمامها، خاصة فيما يتعلق بضوابط إنهاء خدمة العامل، وحجية الأدلة والإجراءات المتخذة في مواجهته، ومدى كفاية مجرد الاشتباه أو الإجراءات غير المستوفاة قانونًا لاتخاذ قرار بهذه الخطورة، فضلًا عن الآثار المترتبة على إلغاء القرار الإداري.
ولا تقتصر أهمية الحكم على أطراف النزاع فحسب، وإنما تمتد إلى العديد من العاملين والجهات الإدارية، وإلى المهتمين والمتخصصين في قضاء مجلس الدولة والقانون الإداري، وننشر نص الحكم كاملًا، مرفقًا به صحيفة الدعوى، حتى يتسنى للمتخصصين والمهتمين الاطلاع على وقائع الدعوى وأسباب الحكم والمبادئ التي أرستها المحكمة.
صدر الحكم في الدعوى رقم 481 لسنة 73 قضائية، لصالح المحامى بالنقض غلاب الحطاب، برئاسة المستشار شريف مصطفى المصرى، وعضوية المستشارين محمود سالم، وأحمد مسعد أبو المجد، ومفوض الدولة أحمد طه، وأمانة سر محمد أحمد.
الوقائع.. فصل عامل عن العمل للاشتباه في تعاطيه المخدرات
أقام المدعى دعواه بموجب صحيفة أودعت ابتداء قلم كتاب المحكمة بتاريخ 18 فبراير 2026، طلب في ختامها الحكم بقبولها شكلاً، ثانياً: وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار الصادر بإنهاء خدمة المدعي رقم 7948 المؤرخ 16 ديسمبر 2025، وما يترتب على ذلك من آثار، اخصها إعادته الى عمله وأداء كافة حقوقه المالية من تاريخ إيقافه عن العمل وحتى عودته الى عمله، ثالثا وفى الموضوع بإلغاء القرار الصادر بإنهاء خدمة المدعي رقم 1448 المؤرخ 16 ديسمبر 2025، وما يترتب على ذلك من آثار، اخصها إعادته الى عمله وأداء كافة حقوقه المالية من تاريخ إيقافه عن العمل وحتى عودته الى عمله، مع الزام المعلن اليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وذكر المدعي شرحًا لدعواه أنه من العاملين بالجهة الإدارية المدعي عليها، وقد فوجئ بصدور القرار المدون فيه رقم 7448 لسنة 2025 بإنهاء خدمته لثبوت تعاطيه المواد المخدرة بتاريخ 16 ديسمبر 2025، ناعياً على القرار المطعون فيه صدوره بالمخالفة للقانون، الأمر الذي حدا به إلى التظلم من القرار ثم إقامة دعواه الماثلة، واختتم عريضة الدعوى بطلباته آنفة البيان.
وقد جرى نظر الشق العاجل أمام المحكمة على النحو الثابت بمحضر الجلسات، وبجلسة 16 مارس 2026 قررت المحكمة إحالة الدعوى لهيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني فيها، وحدد جلسة 4 مايو 2026 لنظرها أمام المحكمة، وقد جري تحضير الدعوي بهيئة مفوضي الدولة وأعدت تقريراً مسبباً بالرأي القانوني فيها.
الموظف يطعن على القرار أمام القضاء الإدارى
وتدوولت الدعوي بالجلسات أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضرها، وحيث شمل ملف الدعوى كافة المستندات والمذكرات المقدمة فيها والتي طلعتها المحكمة، وقد قررت المحكمة إصدار الحكم في الدعوى بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه ومنطوقة عند النطق به.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وتأسيساً على ما تقدم، ووفقاً للثابت من الأوراق أن المدعي كان من العاملين بالهيئة القومية لسكك حديد مصر، وكان يشغل وظيفة فني إشارات على الدرجة الثالثة الفنية، وبتاريخ 16 ديسمبر 2025 صدر القرار المطعون فيه رقم 7446 من رئيس مجلس إدارة الهيئة متضمناً إنهاء خدمته اعتباراً من 10 نوفمبر 2025، وذلك لثبوت تعاطيه للمواد المخدرة (إيجابي حشيش) طبقاً للقانون رقم 73 لسنة 2021 في شأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها ولائحته التنفيذية، فأقام دعواه الماثلة بغية الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من إنهاء خدمته لثبوت تعاطيه المواد المخدرة اعتباراً من 10 نوفمبر 2025، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها إعادته إلى عمله بالهيئة المدعى عليها.
المشرع في القانون رقم 73 لسنة 2021
وبحسب "المحكمة": ولما كان الثابت أيضاً أنه بتاريخ 10 نوفمبر 2025 قامت شركة المركز الطبي لسكك حديد مصر، بتوقيع الكشف الطبي على المدعى بغرض الكشف عن تعاطيه للمواد المخدرة من عدمه، حيث تبين إيجابية عينة البول المأخوذة عن المدعي المخدر الحشيش، وذلك من خلال التحليل الاستدلالي إيجابي الذي تم بمعرفة شركة المركز الطبي لسكك حديد مصر، ثم إجراء التحليل التأكيدي للعينة المأخوذة عنه بمعرفة الإدارة المركزية للمعامل بوزارة الصحة - إدارة المخدرات؛ حيث تم تحريز العينة وإرسالها إلى تلك الإدارة لعمل التحليل التأكيدي، وقد أسفر التحليل التأكيدي عن إيجابية تعاطي المدعي لمادة الحشيش المخدرة، وبتاريخ 16 ديسمبر 2025 صدر القرار المطعون فيه رقم "7448" متضمناً إنهاء خدمة المدعي لثبوت تعاطيه المواد المخدرة "حشيش".
شروط إجراء تحليل المخدرات
وتضيف "المحكمة": وحيث إن المشرع في القانون رقم 73 لسنة 2021 المشار إليه اشترط لشغل الوظائف في الجهات المنصوص عليها في المادة الثانية منه، أو للاستمرار في شغل هذه الوظائف، ثبوت عدم تعاطي المخدرات، وذلك من خلال تحليل فجائي يُجرى لكافة العاملين بالجهاز الإداري للدولة بمعرفة الجهات الحكومية المتخصصة المنوط بها إجراء التحاليل، كما أوجب المشرع في المادة الرابعة من القانون سالف الذكر إنهاء خدمة العامل في إحدى الجهات المخاطبة بأحكامه حال ثبوت تعاطيه المخدرات دون مقتضى طبي، وذلك بتأكيد إيجابية العينة المأخوذة عنه، وجعل إنهاء الخدمة حال بقوة القانون، وهو الأمر ذاته الذي رددته المادة (15) من اللائحة التنفيذية، بيد أن ذلك القانون المشار إليه ولائحته التنفيذية - ونظراً لخطورة الجزاء المترتب على ثبوت تعاطي العامل للمواد المخدرة، إذ لم يجعل من ذلك الأمر مجرد مخالفة تأديبية للعامل تستوجب مؤاخذته تأديبياً عنها، وإنما جعل ذلك الأمر حال ثبوته سبباً موجباً لإنهاء خدمة العامة على نحو ما أسلفنا - فقد أحاط التحليل الذي يُجرى للعامل المخاطب بأحكام هذا القانون بمجموعة من الضمانات.
لما كان ما تقدم، وكان الثابت من الأوراق أن الهيئة المدعى عليها لم تقم بإجراء التحليل للمدعي من خلال إحدى الجهات المختصة والمحددة حصراً بالمادة (الأولى) من اللائحة التنفيذية للقانون، إذ تم أخذ عينة البول عن المدعي بمعرفة شركة المركز الطبي لسكك حديد مصرات على نحو ما أسلفنا، وأجرت التحليل الاستدلالي بواسطة الشركة سالفة الذكر، وذلك بالمخالفة للقانون رقم لسنة 2001 ولائحته التنفيذية، والتي حددت على سبيل الحصر الجهات الحكومية المتخصصة المنوط بها إجراء التحاليل، فضلاً عن أن المادة (6) من اللائحة التنفيذية للقانون لم تستثن الهيئة المدعى عليها مع الجهات المصرح لها بإجراء التحاليل الاستدلالية والتوكيدية من خلال اللجان التي يصدر بتشكيلها قرار من السلطة المختصة بها، إذ حصرت هذا الاستثناء - فقط - في كل من وزارتي الدفاع والداخلية -على نحو ما أسلفنا.
المحكمة تنصف الموظف
ومن ناحية أخرى، لم يثبت من الأوراق أن ثمة محاضر إدارية قد حررت بشأن واقعة أخذ العينة من المدعي وتحليلها، ومن ثم لم يثبت توافر الضمانات المقررة قانوناً لمصلحة المدعي قبل أخذ العينة عنه وإجراء التحليل له، قلم يتبين للمحكمة ماهية اللجنة التي قامت بأخذ العينة وأجرت التحليل للمدعي، وما إذا كان من بين أعضائها الوظائف عينة وإجراء التحليل وفقاً لما أوردته اللائحة التنفيذية في هذا الشأن، ودور تلك اللجنة في توضيح الإجراءات المتعلقة بالتحليل وتوعية المدعي بحقوقه وبيان مسئوليته المترتبة على ذلك، وطلبها منه الإفصاح قبل إجراء التحليل - عن جميع العقاقير التي يتناولها، ثم التأكد من هويته وتدوين اسمه والرقم ثابت، ثم أخذ العينة في المكان المخصص تحت الإشراف المباشر لعضو متخصص في مجال التحاليل من أعضاء اللجنة بما لا يخل بخصوصيته أو يخدش حياءه، وضماناً لمنع اختلاط العينات، ثم تسليمة العينة للجنة لفحصها ظاهرياً للتأكد من عدم التلاعب بها، ومراجعة اسمه عليها في وجوده، ثم فحصها باستخدام كواشف التحليل الاستدلالي للمخدرات، وبعد ذلك في حال ظهور نتيجة التحليل الاستدلالي إيجابية للمواد المخدرة، تحريزها، وإخطار المدعي بالنتيجة، ثم تخييره بين الاحتكام لمصلحة الطب الشرعي - على نفقته - من عدمه، وفي الحالة الأولى إرسال العينة لإجراء التحليل التوكيدي عليها بمعرفة الطب الشرعي، وفي الحالة الثانية إجراء التحليل التوكيدي من خلال إحدى الجهات المختصة وفقاً للقانون.
ولا يغير من ذلك، قيام الهيئة بإجراء التحليل التوكيدي على العيفة المأخوذة عن المدعي بواسطة إحدى الجهات المختصة وفقاً للقانون والمتمثلة في الإدارة المركزية للمعامل بوزارة الصحة - إدارة المخدرات، بحسبانها أهدرت الضمانات المقررة للعامل وفقاً للقانون سالف الذكر ولائحته التنفيذية منذ بداية أخذها العينة عن المدعي، وهي المرحلة الأولى التي يترتب عليها كافة المراحل اللاحقة، الأمر الذي مفاده أن العوار الذي أصاب تلك المرحلة يمتد ليشمل كافة المراحل اللاحقة لأخذ العينة، بما يحول دون تصحيحها.
وترتيباً على ما تقدم، فإن الهيئة المدعى عليها، وإذ إنها لم تراع الإجراءات القانونية المشار إليها سلفاً لدى إجراء التحليل للمدعي، وذلك بدءاً من قيامها بأخذ عينة البول عنه، مروراً بتحليلها استدلالياً، وحتى إصدارها قرار إنهاء خدمته المطعون فيه، ومن ثم تكون الهيئة قد أهدرت الضمانات التي أقرها القانون رقم 73 لسنة 2021 ولائحته التنفيذية للعامل، بخصوص المدعى الأمر الذي يثير الريبة والشك في صحة النتيجة التي انتهى إليها التحليل الاستدلالي والتوكيدي الذي أجرى للعينة المأخوذة عن المدعي، وبالتالي يكون قرار الهيئة المدعى عليها المطعون فيه رقم (7448) قد صدر بالمخالفة لتصحيح حكم القانون، وغير قائم على سببه المبرر له قانوناً، الأمر الذي يتعين معه القضاء بإلغاء القرار المطعون فيه رقم رقم (7448) الصادر بتاريخ 16 ديسمبر 2025 فيما تضمنه من إنهاء خدمة المدعي (7448) اعتباراً من 10 نوفمبر 2025 - الثبوت تعاطيه مادة الحشيش المخدرة، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها إعادته إلى وظيفة التي كان يشغلها قبل صدور القرار المطعون فيه، وهو ما تقضي به المحكمة.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة قبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه رقم (7448) الصادر بتاريخ 12 أبريل 2025 فيما تضمنه من إنهاء خدمة المدعى اعتباراً من 10 نوفمبر 2025، لثبوت تعاطيه للمواد المخدرة مع ما يترتب على ذلك من آثار - وذلك على النحو المبين تفصيلاً بالأسباب، والزمت الجهة الإدارية المصروفات.