التماس اعادة النظر فى أحكام النقض
أثار الحكم الصادر من محكمة النقض برفض الطعنين المقدمين من وزيرة الثقافة، وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية، نقاشًا قانونيًا حول مدى انتهاء الخصومة، وما إذا كان النظام القانوني المصري يجيز أي سبيل استثنائي لمراجعة هذا الحكم بعد أن أصبح نهائيًا وباتًا، ولعل من الأهمية بمكان التفرقة بين احترام حجية الأحكام النهائية، باعتبارها إحدى ضمانات استقرار المراكز القانونية، وبين الاعتقاد الخاطئ بأن الحكم النهائي يغلق جميع الأبواب القانونية على إطلاقها.
فالقانون المصري، شأنه شأن معظم التشريعات المقارنة، يقرر مبدأ نهائية الأحكام، لكنه يجيز – على سبيل الاستثناء – طرقًا محددة للطعن لا يجوز القياس عليها أو التوسع في تفسيرها، فالعديد من الأحكام النهائية والباتة التي تصدرها محكمة النقض باعتبارها المحكمة العليا في مصر وتكون بذلك أخر مراحل التقاضى، والأصل من الناحية القانونية أنه لا سبيل إلى الطعن في أحكام محكمة النقض، فهي الصورة المثلى للأحكام الباتة التي تحوز حجية الشيء المحكوم فيه طبقاً للمادة 454 من قانون الإجراءات الجنائية.

للمتقاضين.. هل يجوز التماس إعادة النظر في حكم صادر من محكمة النقض؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية مدى جواز التماس إعادة النظر في حكم صادر من محكمة النقض من عدمه، وما هو التنظيم القانوني لالتماس إعادة النظر بقانون المرافعات؟ وما هي الحالات التي يجوز فيها طلب التماس إعادة النظر؟ وما هي المبادئ القضائية الحاكمة لالتماس إعادة النظر وفقًا لأحكام محكمة النقض المصرية؟ وهل يعني الحكم النهائي والبات استحالة مراجعته مطلقًا؟ وهل في رأيك ان الالتماس هو المخرج القانوني في هذه القضية؟
في البداية – يقول الخبير القانوني والمحامى بالنقض محمود البدوى - لا بد أن نُجيب علي عدد من الأسئلة ذات الصلة لنفهم جميعًا - ما هو التماس إعادة النظر؟ يُعد (التماس إعادة النظر) طريقاً استثنائياً للطعن في الأحكام الباتة لتصحيح خطأ ناجم عن غش الخصم، أو تزوير أوراق، أو ظهور مستندات جديدة حجبها الخصم. ويُشترط لنجاح هذا الالتماس ألا يكون الطاعن قد تسبب في غيابه، وأن يُقدم الطلب خلال 40 يوماً من تاريخ العلم بسببه .
ما هو التنظيم القانوني لالتماس إعادة النظر بقانون المرافعات؟
وبحسب "البدوى" في تصريح لـ"برلماني": وفقًا للفصل الثالث من قانون المرافعات المصري – المواد من 241 حتى 247، والتماس إعادة النظر وفقًا للقانون: مادة (241): للخصوم أن يلتمسوا إعادة النظر في الأحكام الصادرة بصفة انتهائية في الأحوال الآتية:
1- إذا وقع من الخصم غش كان من شأنه التأثير في الحكم.
2- إذا حصل بعد الحكم إقرار بتزوير الأوراق التي بنى عليها أو قضى بتزويرها.
3- إذا كان الحكم قد بنى على شهادة شاهد قضى بعد صدوره بأنها مزورة.
4- إذا حصل الملتمس بعد صدور الحكم على أوراق قاطعة في الدعوى كان خصمه قد حال دون تقديمها.
5- إذا قضى الحكم بشىء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه.
6- إذا كان منطوق الحكم مناقضاً بعضه لبعض.
7- إذا صدر الحكم على شخص طبيعى أو اعتبارى لم يكن ممثلا تمثيلا صحيحاً في الدعوى وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية.
8- لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوى حجة عليه ولم يكن قد أدخل أو تدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه أو إهماله الجسيم.
مواعيد لالتماس إعادة النظر
ويضيف "البدوى": مادة (242): ميعاد الالتماس أربعون يوماً، ولا يبدأ في الحالات المنصوص عليها في الفقرات الأربع الأولى من المادة السابقة إلا من اليوم الذى ظهر فيه الغش أو الذى أقر فيه بالتزوير فاعله أو حكم بثبوته أو الذى حكم فيه على شاهد الزور أو اليوم الذى ظهرت فيه الورقة المحتجزة، ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة السابعة من اليوم الذى يعلن فيه الحكم إلى من يمثل المحكوم عليه تمثيلا صحيحاً، ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثامنة من اليوم الذى ظهر فيه الغش أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم.
وأوضح الخبير القانوني: مادة (243): يرفع الالتماس أمام المحكمة التي أصدرت الحكم بصحيفة تودع قلم كتابها وفقاً للأوضاع المقررة لرفع الدعوى، ويجب أن تشتمل صحيفته على بيان الحكم الملتمس فيه وتاريخه وأسباب الالتماس وإلا كانت باطلة، ويجب على رافع الالتماس في الحالتين المنصوص عليهما في البندين (7،8) من المادة (241) من هذا القانون أن يودع خزانة المحكمة مبلغ مائتى جنيه على سبيل الكفالة، ولا يقبل قلم الكتاب صحيفة الالتماس إذا لم تصحب بما يثبت هذا الإيداع، ويعفي من إيداع الكفالة من أعفي من أداء الرسوم القضائية، ويجوز أن تكون المحكمة التي تنظر الالتماس مؤلفة من نفس القضاة الذين أصدروا الحكم.

المواد المنظمة لالتماس إعادة النظر
ويؤكد "البدوى": مادة (244): لا يترتب على رفع الالتماس وقف تنفيذ الحكم، ومع ذلك يجوز للمحكمة التي تنظر الالتماس أن تأمر بوقف التنفيذ متى طلب ذلك وكان يخشى من التنفيذ وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه، ويجوز للمحكمة عندما تأمر بوقف التنفيذ أن توجب تقديم كفالة أو تأمر بما تراه كفيلا بصيانة حق المطعون عليه، وتنص المادة (245): تفصل المحكمة أولا في جواز قبول التماس إعادة النظر ثم تحدد جلسة للمرافعة في الموضوع دون حاجة إلى إعلان جديد، على أنه يجوز لها أن تحكم في قبول الالتماس وفي الموضوع بحكم واحد إذا كان الخصوم قد قدموا أمامها طلباتهم في الموضوع، ولا تعيد المحكمة النظر إلا في الطلبات التي تناولها الالتماس.
مادة (246): إذا حكم برفض الالتماس في الحالات المنصوص عليها في الفقرات الست الأولى في المادة 241 يحكم على الملتمس بغرامة لا تقل عن مائة وعشرين جنيها ولا تجاوز أربعمائة جنيه وإذا حكم برفض الالتماس في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين الأخيرتين تقضى المحكمة بمصادرة الكفالة كلها أو بعضها. وفي جميع الأحوال يجوز الحكم بالتعويضات إن كان لها وجه.
مادة (247): الحكم الذى يصدر برفض الالتماس أو الحكم الذى يصدر في موضوع الدعوى بعد قبوله لا يجوز الطعن في أيهما بالالتماس.
ما هي المبادئ القضائية الحاكمة لالتماس إعادة النظر وفقًا لأحكام محكمة النقض المصرية؟
رسخت محكمة النقض المصرية مبادئ حاسمة تنظم هذا الطريق الاستثنائي، ومن أبرزها:
في شرط (الغش المبيح للالتماس):
المبدأ: الغش الذي ينبني عليه الالتماس هو الذي يقع ممن حكم لصالحه، ويكون حالاً وخفياً طيلة نظر الدعوى، بحيث يُعجز الخصم عن كشفه وتقديم دفاعه.
أحكام النقض: أكدت محكمة النقض أن ما كان محل أخذ ورد ومناقشة بين الخصوم أثناء نظر الدعوى لا يجوز الالتماس فيه؛ لأن المحكوم عليه كان في مركز يسمح له بمواجهة الخصم والمراقبة.
في شرط (التزوير):
المبدأ: إذا كان سبب الالتماس هو بناء الحكم على أوراق ثبت تزويرها.
أحكام النقض: وفقاً للطعن رقم 3613 لسنة 82، استقرت المحكمة على أنه لا يقبل الالتماس إلا إذا ثبت التزوير بإقرار صريح من الخصم، أو بحكم جنائي أو مدني باتٍّ صادر بعد الحكم الملتمس فيه.
في ميعاد رفع الالتماس:
المبدأ: ميعاد رفع الالتماس هو 40 يومًا.
أحكام النقض: في حالات (الغش) و(المستندات المحجوبة)، يبدأ سريان هذا الميعاد من اليوم الذي ظهر فيه الغش أو اكتُشف المستند، وليس من تاريخ صدور الحكم.
س: هل يجوز التماس إعادة النظر علي أحكام محكمة النقض؟
أحكام بشأن محكمة النقض ذاتها:
المبدأ: هل يجوز التماس إعادة النظر في حكم صادر من محكمة النقض؟
أحكام النقض: استقرت أحكام النقض على عدم جواز الطعن بالتماس إعادة النظر في الأحكام الموضوعية الصادرة من محكمة النقض ذاتها ، إلا في نطاق ضيق ومحدد جداً (مثل طلب تصحيح الأخطاء المادية)
حدود حجية الأحكام النهائية وإمكانات الالتماس بإعادة النظر بعد حكم محكمة النقض
أولًا: حكم محكمة النقض برفض الطعن وأثره القانوني
وفى سياق أخر – يقول الخبير القانوني والمحامي بالنقض هانى صبري - الأصل أن الحكم الصادر من محكمة النقض برفض الطعن يترتب عليه اكتساب الحكم المطعون فيه قوة الأمر المقضي، ويصبح عنوانًا للحقيقة القانونية فيما فصل فيه بين الخصوم، بما يمنع إعادة طرح ذات النزاع أمام القضاء، وهذا المبدأ يمثل إحدى الدعائم الأساسية لاستقرار المعاملات، فلا يجوز أن تبقى المنازعات مفتوحة إلى غير نهاية، وإلا انهارت حجية الأحكام وفقد القضاء رسالته في تحقيق الأمن القانوني، ومن ثم، فإن رفض الطعن بالنقض لا يعد مجرد تأييد للحكم المطعون فيه، وإنما يضفي عليه نهائية وباتة تمنع العودة إلى مناقشة الأسباب التي سبق عرضها على محكمة الموضوع أو على محكمة النقض.
ثانيًا: التساؤل الذي يطرح نفسه هل يعني الحكم النهائي والبات استحالة مراجعته مطلقًا؟
الإجابة القانونية هي: لا.
ويضيف "صبري" في تصريح لـ"برلماني": فالمشرع المصري وإن كان قد قرر مبدأ نهائية الأحكام، إلا أنه استحدث طريقًا استثنائيًا هو الالتماس بإعادة النظر، غير أنه قصره على حالات محددة على سبيل الحصر، إعلاءً لمبدأ استقرار الأحكام ومنعًا لتحوله إلى وسيلة طعن جديدة، ومن ثم، فإن الالتماس ليس درجة ثالثة من درجات التقاضي، وليس طريقًا لإعادة تقييم الأدلة أو مراجعة ما انتهى إليه تقرير الخبرة أو إعادة مناقشة وقائع الدعوى.
ثالثًا: ماهي حالات الالتماس بإعادة النظر؟
ويؤكد الخبير القانوني: حدد قانون المرافعات المدنية والتجارية حالات الالتماس بإعادة النظر على سبيل الحصر، وذلك وفقاً لنص المادة 241 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تنص على: للخصوم أن يلتمسوا إعادة النظر في الأحكام الصادرة بصفة انتهائية في الأحوال الآتية:
1-إذا وقع من الخصم غش كان من شأنه التأثير في الحكم.
2-إذا حصل بعد الحكم إقرار بتزوير الأوراق التي بُني عليها أو قُضي بتزويرها. 3-إذا كان الحكم قد بُني على شهادة شاهد قُضي بعد صدوره بأنها مزورة. 4-إذا حصل الملتمس بعد صدور الحكم على أوراق قاطعة في الدعوى كان خصمه قد حال دون تقديمها.
5-إذا قضى الحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوا.
6-إذا كان منطوق الحكم مناقضاً بعضه لبعض.
7-إذا صدر الحكم على شخص طبيعي أو اعتباري لم يكن ممثلاً تمثيلاً صحيحاً في الدعوى، وذلك فيما عدا حالة النيابة الاتفاقية.
8-لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوى حجة عليه ولم يكن قد أُدخل أو تدخل فيها بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه أو إهماله الجسيم.
وأوضح "صبري": ونصت المادة 242 من ذات القانون على أن ميعاد الالتماس 40 يوماً، ولا يبدأ في الحالات المنصوص عليها في الفقرات الأربع الأولى من المادة السابقة إلا من اليوم الذي ظهر فيه الغش، أو الذي أقر فيه بالتزوير فاعله، أو حكم بثبوته، أو الذي حكم فيه على شاهد الزور، أو اليوم الذي ظهرت فيه الورقة المحتجزة. ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة السابعة من اليوم، الذي يُعلن فيه الحكم إلى من يمثل المحكوم عليه تمثيلاً صحيحاً. ويبدأ الميعاد في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثامنة من اليوم الذي ظهر فيه الغش أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم، ويستفاد من ذلك أن الالتماس لا يقبل لمجرد الادعاء بخطأ المحكمة في تقدير الوقائع أو تفسير القانون، وإنما يجب أن يستند إلى سبب قانوني محدد نص عليه المشرع.
رابعًا: وماذا عن موقف محكمة النقض من الالتماس؟
استقر قضاء محكمة النقض على أن الالتماس بإعادة النظر طريق طعن استثنائي، لا يجوز التوسع في تفسير أسبابه أو القياس عليها، وأنه لا يصلح وسيلة لإعادة طرح النزاع أو مجادلة المحكمة فيما انتهت إليه من تقدير الأدلة أو ترجيح أقوال الخبراء، كما أكدت المحكمة في العديد من أحكامها أن قوة الأمر المقضي تحول دون إعادة نظر النزاع ذاته، وأن الالتماس لا يهدف إلى تصحيح ما يراه الخصم خطأً في التطبيق أو التقدير، وإنما إلى مواجهة عيوب استثنائية حددها القانون على سبيل الحصر.

خامسًا: التطبيق على القضية محل الحكم
إذا صحت البيانات المتداولة بشأن صدور حكم محكمة النقض برفض الطعنين وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية، فإن الأصل أن الخصومة قد انتهت، وأصبح الحكم واجب التنفيذ ويتمتع بحجية الأمر المقضي، وعليه، فإن مجرد الاختلاف مع ما انتهى إليه تقرير اللجنة الثلاثية أو مع تقدير المحكمة لمسألة الاقتباس أو النقل الحرفي لا يشكل بذاته سببًا قانونيًا يبرر الالتماس بإعادة النظر.
أما إذا ظهرت – بعد صدور الحكم – واقعة جديدة تدخل في إحدى الحالات التي حددها قانون المرافعات، كاكتشاف مستند حاسم كان يتعذر تقديمه قبل الفصل في الدعوى، أو ثبوت تزوير مستند جوهري، أو قيام غش أثر في تكوين عقيدة المحكمة، فإن الأمر يستوجب دراسة مدى انطباق إحدى حالات الالتماس دون افتراض مسبق لتوافرها.

سادسًا: هل في رأيك ان الالتماس هو المخرج القانوني في هذه القضية؟
يُجيب "صبرى": في تقديري من منظور قانوني مجرد، لا يمكن الجزم بذلك، فالقول بأن الالتماس هو المخرج القانوني الوحيد يقتضي أولًا التحقق من توافر إحدى الحالات التي نص عليها القانون، لأن المحكمة تقضي بعدم قبول الالتماس إذا بني على أسباب تخرج عن تلك الحالات، وبالتالي، فإن أي فريق دفاع يتجه إلى هذا الطريق ينبغي أن يسبق ذلك بفحص دقيق لكامل ملف الدعوى، وتقارير الخبرة، والمستندات، ومحاضر الجلسات، للتحقق مما إذا كانت هناك واقعة قانونية جديدة تبرر الالتماس، لا مجرد إعادة عرض أوجه الدفاع السابقة.
وفى الأخير يؤكد "صبرى": نرى إن احترام الأحكام النهائية لا يتعارض مع كفالة المشرع لطرق الطعن الاستثنائية، وإنما يقوم على تحقيق التوازن بين استقرار المراكز القانونية وضمان العدالة، ومن ثم، فإن الحكم الصادر من محكمة النقض يمثل – من حيث الأصل – نهاية الخصومة واكتساب الحكم لحجية الأمر المقضي، ولا يفتح باب الالتماس إلا إذا قامت إحدى الحالات المحددة حصرًا في قانون المرافعات – وعليه - فإن الدفاع القانوني الرصين بعد صدور هذا الحكم لا ينبغي أن يبنى على افتراض وجود طريق طعن جديد، وإنما على بحث موضوعي ودقيق في مدى توافر الأسباب الاستثنائية التي أجازها القانون، فإن وجدت كان الالتماس حقًا مشروعًا، وإن لم توجد بقي الحكم النهائي والباب واجب الاحترام والتنفيذ، اتساقًا مع مبدأ سيادة القانون واستقرار الأحكام القضائية.

هل يجوز التماس إعادة النظر في حكم صادر من النقض؟ 1







