محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "أ" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يرسخ الحماية القانونية للمتعاقدين ويحسم النزاع حول تكييف "استمارات الحجز"، قضت فيه بمبدأ قانوني بالغ الأهمية يتعلق بـ"تكييف العقود والبيع التام"، قالت فيه: "1-العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
2- استمارة الحجز تؤكد اكتمال أركان عقد البيع.
3-البنود التنظيمية لا تنفي قيام العقد".
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 2583 لسنة 94 القضائية، برئاسة المستشار رمضان السيد عثمان، وعضوية المستشارين أحمد سيد يوسف، وإيهاب عمر، ومعتز محمود صابر، وشادي رضا القاضي، وبحضور كل من رئيس النيابة أحمد سمير شطا، وأمانة سر وائل عبد الهادي.

تفاصيل النزاع والوقائع
تخلص الواقعة في قيام أحد المواطنين بحجز وحدة سكنية بموجب محرر معنون بـ "استمارة حجز وحدة" من إحدى شركات التطوير العقاري الكبرى، وسدد كامل الثمن بموجب شيكات بنكية مقبولة الصرف، إلا أن الشركة رفضت تحرير عقد بيع ابتدائي له، واعتبرت أن "استمارة الحجز" لا تعدو أن تكون وعوداً بالبيع وثبوتاً للحق في حبس المبالغ المسددة كعربون، مستندة إلى بند في الاستمارة يشترط التوقيع على عقد البيع الابتدائي خلال 30 يوماً.
نزاع قضائى بين مشترى ومطور عقارى لتحرير عقد بيع الوحدة
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن الطاعن أقام على الشركة المطعون ضدها الدعوى رقم 5233 لسنة 2022 مدني محكمة جنوب القاهرة الابتدائية بطلب الحكم بإلزامها بتحرير عقد بيع له للوحدة محل التداعي المبينة بالصحيفة والتسليم، وقال بيانا لذلك: إنه بموجب استمارة حجز في 28 مارس 2017 اتفق مع الشركة المطعون ضدها على شراء الوحدة محل التداعي لقاء ثمن مقداره ثلاثة ملايين وستمائة واثنان وخمسون ألفا وثمانمائة وثمانية وثمانون جنيها إضافة إلى دفعة صيانة بمبلغ مائتين وخمسة عشر ألفا واثنين وثلاثين جنيها، وإذ قام بسداد كامل الثمن بموجب شيكات بنكية أودعت لدى الشركة المطعون ضدها، إلا أن الأخيرة رفضت تحرير عقد بيع له رغم إنذارها، ومن ثم أقام الدعوى.

"استمارة حجز".. كلمة السر في النزاع
وفى تلك الأثناء - وجهت الشركة المطعون ضدها قبل الطاعن طلبا عارضًا باعتبار استمارة الحجز سند الدعوى مفسوخة مع أحقيتها في حبس المبالغ المسددة تحت حساب دفعة حجز الوحدة محل التداعي، ثم حكمت المحكمة بتاريخ 19 فبراير 2023 بالطلبات في الدعوى الأصلية، وبرفض الدعوى الفرعية، بحكم استأنفته المطعون ضدها بالاستئناف رقم 10866 لسنة 140 ق القاهرة، قضت المحكمة بتاريخ 28 نوفمبر 2023 بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددًا برفض الدعوى الأصلية وفي موضوع الدعوى الفرعية بالطلبات، ثم طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة مشورة - حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.
المطور العقارى يتقدم بطلب عارض باعتبار استمارة الحجز مفسوخة
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم، حيث ذكرت إن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون وتأويله والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق ؛ إذ قضى باعتبار استمارة الحجز المؤرخة 28 مارس 2017 مفسوخة مع أحقية الشركة المطعون ضدها في حبس المبالغ المسددة كدفعة حجز فقط استنادًا إلى أن استمارة الحجز موضوع الدعوى لا تعد بيعًا تاما إنما بيع بالعربون طبقا لنص المادة 103 من القانون المدني عدل عنه الطاعن بعدم توقيعه على عقد البيع الابتدائي خلال 30 يوما من تاريخ توقيعه على هذه الاستمارة طبقا لما تم النص عليه بها، في حين أنها قد حوت بنودها جميع المسائل الجوهرية اللازمة لقيام عقد البيع من حيث تحديد العين المبيعة والثمن وتعد إيجابًا من الشركة المطعون ضدها صادفه قبول من الطاعن بإتمام العقد قبل انقضاء مدة الثلاثين يوما بتحريره شيكات بنكية بإجمالي ثمن وحدة التداعي وإيداعها لدى الشركة المطعون ضدها وصرف الأخيرة لقيمة إحدى هذه الشيكات، فتكون ملزمة لطرفيها وترتب كل الآثار التي يرتبها البيع البات، مما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه.

محكمة أول درجة تقضى بالطلبات وترفض الدعوى الفرعية
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وحيث إن هذا النعي سديد؛ ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن النص في المادة 95 من التقنين المدني على أنه: "إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها، اعتبر العقد قد تم، وإذا قام خلاف على المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها، فإن المحكمة تقضي فيها طبقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة"، وفى المادة 418 منه أن: "البيع عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقا ماليا آخر في مقابل ثمن نقدي".
وبحسب "المحكمة": يدل على أن المشرع قد أقام من اتفاق الطرفين على المسائل الجوهرية في العقد دون أن يعلقا إتمامه على الاتفاق على مسائل أخرى قرينة بسيطة على اعتبار العقد تامًا، وكان المقصود بالمسائل الجوهرية في عقد البيع اتجاه إرادة طرفيه إلى البيع والشراء واتفاقها على المبيع والثمن بوضعها أركان البيع الأساسية التي ينعقد بتوافرها؛ لأن القانون قد تكفل بتنظيم شروط وأحكام البيع الأخرى بقواعد مكملة واجبة التطبيق في حال عدم الاتفاق على مخالفتها.

المطور العقارى يستأنف الحكم لإلغاءه
وتضيف "المحكمة": وكان مؤدى نص المادة 150 من التقنين المدني أن الأساس في تفسير وتكييف العقد هو الكشف عن الإرادة المشتركة لعاقديه لا الإرادة الفردية لكل منهما، دون اعتداد بالألفاظ التي صيغ بها والتكييف الذي أسبغه الطرفان عليه متى كان مخالفا لحقيقة التعاقد ولا يجوز الوقوف عند بند بعينه أو عبارات بذاتها بل يجب النظر في مجموع بنود العقد باعتبارهما متضامنين جميعا في الإفصاح عن المعنى الذي أراده المتعاقدان واتجه إليه قصدهما، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي من شرف التعامل والأمانة والثقة بين المتعاقدين.
لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق – وخاصة المحرر المعنون بعبارة "استمارة حجز وحدة" والجدول المرفق بها وبالنظر في مجموع بنودها - أن هذه الاستمارة قد تضمنت بيعًا باتا وليس مشروع بيع أو وعدًا بالبيع أو بيعًا بالعربون إذ تعين فيها أطراف العقد والعين المبيعة تعيينا نافيًا للجهالة وثمن المبيع، فتوافرت فيها الأركان اللازمة لانعقاد البيع ولا يغير من ذلك النص في البند السادس منها على أن التعاقد مع الشركة المطعون ضدها لا يتم إلا بالتوقيع على عقد البيع الابتدائي خلال أجل محدد بثلاثين يوما من تاريخ التوقيع على تلك الاستمارة، لأن هذا البند ليس من شأنه أن يغير من حقيقة المحرر.
محكمة ثانى درجة تلغى حكم أول درجة وتقضى لصالح المطور العقارى
وتوضح "المحكمة": ومن أن بنوده وعباراته في مجموعها تنطوي على بيع تام ملزم للطرفين؛ ذلك أن هذا البند لا يفيد تعليق البيع اتفاقًا جديدًا بين الطرفين لقيامه إذ خلت بنود المحرر مما يفصح عن وجود شروط أخرى أراد الاتفاق عليها لانعقاد البيع عدا أركانه الأساسية وهي المبيع والثمن، ومن ثم يتعين تفسير ذلك البند بأن المقصود لا يعدو أن يكون مجرد التأكيد على عقد بيع قائم بالفعل وهو ما يتفق مع ما يوجبه حسن النية وما تقتضيه نزاهة التعامل، وما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وإذ خالف الحكم المطعون فيه النظر المتقدم وخلص إلى أن المحرر موضوع النزاع المعنون "استمارة حجز وحدة" لا تعد بيعًا إنما وعدًا بالبيع عدل عنه الطاعن وفقا لما نص عليه بالبند السادس منها على أن البيع لا يتم إلا بالتوقيع على عقد البيع الابتدائي من المشتري خلال ثلاثين يوما من تاريخ التوقيع على تلك الاستمارة، فإنه يكون معينا بما يوجب نقضه.
المشترى يطعن أمام النقض.. والمحكمة تنصفه
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وألزمت المطعون ضدها المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وحكمت في موضوع الاستئناف رقم 10866 لسنة 140 ق القاهرة برفضه وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت الشركة المستأنفة بالمصاريف ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

المبدأ القانوني المستخلص من حكم النقض
قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه، وأرست القواعد التالية:
العبرة بحقيقة التعاقد ونية المتعاقدين: أكدت المحكمة أن التكييف القانوني للعقد يدور مع الإرادة المشتركة للعاقدين دون الاعتداد بالألفاظ التي صيغ بها، فلا يجوز الوقوف عند بند بعينه أو عبارات بذاتها (مثل تسميتها "استمارة حجز")، بل يجب النظر في مجموع البنود باعتبارها متضامنة.
اكتمال أركان عقد البيع: متى ما اشتملت "استمارة الحجز" والجدول المرفق بها على تحديد العين المبيعة تحديداً نافياً للجهالة، وبيان الثمن الإجمالي وكيفية سداده، فإنها تُعد عقد بيع تاماً باتاً وليس مجرد وعد بالبيع أو بيعاً بالعربون.
البنود التنظيمية لا تنفي قيام العقد: النص في الاستمارة على ضرورة التوقيع على عقد ابتدائي خلال أجل محدد (كـ 30 يوماً) لا ينفي تمام البيع، ولا يعدو أن يكون مجرد تأكيد على عقد قائم بالفعل، طالما لم يتبقَ أي مسألة جوهرية معلقة بين الطرفين.
مفاد الحكم:
المحرر الذي يحوي جميع المسائل الجوهرية للاستحقاق "المبيع والثمن" يعد إيجاباً وقبولاً تترتب عليه كافة الآثار القانونية للبيع البات، بغض النظر عن عنوانه أو شروطه التنظيمية اللاحقة، وتذكر دائماً: حقوقك القانونية تحميها الإرادة الحقيقية والالتزامات المتبادلة، وليس المسميات الخارجية التي قد تصيغها الشركات في عقود الإذعان.



