ضياع الخصوصية مع التطبيقات المجانية بالهواتف - أرشيفية
الهواتف الذكية أو المحمولة غيرت حياتنا في كثير من المناحى، فهي تربطنا بالعالم عبر البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك هى تُرشدنا حال ضللنا الطريق، وتدُلنا على المتاجر والخدمات القريبة منا حال الاحتياج لذلك، لكن هذا كله له ثمن، ولا يزال الجمهور غير مدرك لهذا الثمن على الإطلاق، كل هذا في عالم يشوبه القلق المتزايد من مسألة الخصوصية على شبكة الإنترنت، ويظن رواد التعامل على الشبكة العنكبوتية أو تطبيقات المحمول المجانية أنه طالما كانت هوياتهم غير معروفة فهم مجهولون وفي مأمن، إلا أن هذا الظن أو الإعتقاد ليس صحيحاً، ولنرى ما يحدث.
ففي زمن التحول الرقمي، لم تعد الخصوصية مجرد رفاهية، بل أصبحت حقًا مهددًا بانتهاكات خفية، فالتطبيقات المحمولة التي نستخدمها يوميًا تخفي خلف خدماتها المجانية منظومة متشابكة لجمع البيانات، قد تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة الشخصية دون علم أو إذن، وإذا كانت هذه الانتهاكات تبدو للوهلة الأولى مجرد مسألة تقنية، فإن أبعادها القانونية والجنائية تكشف عن خطر حقيقي يطال كرامة الإنسان، ويمس حرمة حياته الخاصة.
تطبيقات محمول مجانية... والثمن ضياع الخصوصية
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على تطبيقات المحمول مجانية، والثمن ضياع الخصوصية، فمن هنا، تبرز الحاجة إلى مساءلة هذه الأفعال في ضوء القانون، باعتبارها أفعالاً جنائية تمس جوهر الحريات الفردية، وتتطلب حماية فعالة لا تقف عند حدود النصوص، بل تمتد إلى وعي المستخدم، ويقظة الدولة، ومحاسبة من يتربح من خصوصية الآخرين - بحسب أستاذ القانون الجنائى، والمحاضر المعتمد بدائرة القضاء بأبوظبي الدكتور أشرف نجيب الدريني .
في البداية - فالعديد من التطبيقات المحمولة، التي تُعرض للمستخدمين مجانًا، تعتمد على نماذج اقتصادية تستند إلى جمع وتحليل وبيع البيانات الشخصية، وغالبًا ما تُدرج في شروط الاستخدام الطويلة والمعقدة بنودًا فضفاضة تتيح للشركة المطورة حق الوصول إلى معلومات لا صلة لها بالوظائف الظاهرة للتطبيق، مثل الموقع الجغرافي، أو قائمة جهات الاتصال، أو حتى تسجيلات الصوت والصورة، وعلى حين غفلة من المستخدم، تُجمع هذه البيانات ثم تُباع إلى شركات إعلانات، أو مؤسسات تحليل سلوكي، أو أطراف خارجية مجهولة، دون علمه أو موافقته الصريحة – وفقا لـ"الدرينى".
تعتمد على نماذج اقتصادية تستند لجمع وتحليل وبيع البيانات الشخصية
وحين نتأمل هذا السلوك من منظور جنائي، نجد أننا لسنا بصدد مخالفة تقنية عابرة، بل أمام واقعة متكاملة الأركان تمثل تعديًا صريحًا على الحق في الخصوصية المنصوص عليه دستوريًا، والمُجرّم فعليًا بموجب قانون حماية البيانات الشخصية المصري رقم 151 لسنة 2020، هذا القانون وضع إطارًا قانونيًا صارمًا لحماية المعلومات الشخصية، فنص بوضوح على عدم جواز جمع البيانات أو معالجتها أو الإفصاح عنها إلا بموافقة صريحة وواضحة من الشخص المعني، وأقر جزاءات جنائية بحق من يخالف هذا المبدأ، تصل إلى الحبس والغرامة، بحسب طبيعة المخالفة وخطورتها – الكلام لـ"الدرينى".
وإذا كانت جريمة جمع البيانات بدون إذن تُشكّل الأساس الأول للمساءلة، فإن الأمر يتفاقم حين تُفشى هذه البيانات عمدًا، أو تُعرض للبيع، بما يشكل جريمة إفشاء أسرار شخصية وانتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، وهذا ما نص عليه القانون ذاته من تغليظ للعقوبة إذا اقترنت الجريمة بتحقيق ربح أو مكسب غير مشروع، بل إن المادة 309 مكرر من قانون العقوبات المصري تعزز هذه الحماية، حين تُجرّم تسجيل أو نقل أو إذاعة مكالمات أو صور شخصية دون إذن صريح من الشخص المعني، وتعتبر ذلك مساسًا مباشرًا بكرامة الإنسان، يُعاقب عليه بالحبس، وتُغلّظ العقوبة إذا تم النشر أو التداول – هكذا يقول الخبير القانونى.
قانون حماية البيانات الشخصية المصري رقم 151 لسنة 2020
وفي ضوء ما سبق، فإن حماية الخصوصية الرقمية لم تعد أمرًا تنظيميًا فحسب، بل غدت جزءًا من صميم العدالة الجنائية المعاصرة، فكل تطبيق يعمل في الخفاء على استغلال بيانات الأفراد دون علمهم لا يمثل فقط خرقًا أخلاقيًا، بل يرقى إلى مستوى الفعل الجنائي المستوجب للعقاب، ومن ثم، لا يقتصر دور الدولة على إصدار التشريعات، بل يمتد إلى ضمان نفاذها، من خلال آليات رقابية فعالة، وتعاون مؤسسي بين الجهات المختصة، وتفعيل دور مركز حماية البيانات الشخصية – طبقا لـ"الدرينى".
وما بين جهل المستخدم بآليات الحماية، وتراخي بعض مقدمي الخدمات الرقمية عن الامتثال للضوابط القانونية، تظل الفجوة قائمة، ويظل التهديد قائمًا ما لم تُبذل جهود مجتمعية وتوعوية حقيقية لتعزيز الوعي الرقمي القانوني. فالمسألة لا تتعلق بخطر مستقبلي محتمل، بل بانتهاك جارٍ ومستمر قد تكون آثاره الاجتماعية والنفسية والقانونية أفدح مما نتصور.
انتهاك الخصوصية
وفى الأخير يقول: وهكذا، فإن مجانية التطبيقات ليست مجانية على الحقيقة، بل تُموَّل بثمن غير مرئي: بيانات المستخدمين وخصوصياتهم، وبينما يبدو الأمر عاديًا لدى البعض، فإن القانون يرفعه إلى مصاف الجرائم التي تُهدد الأمن القانوني للمجتمع الرقمي، وتقتضي وقفة جادة أمام تغول التكنولوجيا على حقوق الإنسان، فكل تطبيق نحمله بلا وعي، وكل إذن نمنحه دون تفكير، هو باب مفتوح على احتمالات من التعدي تستحق المساءلة القانونية، والرفض الأخلاقي، والمقاومة المجتمعية الواعية.