محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "أ" – بمحكمة النقض – حكماً يُعد سابقة قضائية، بشأن تطبيق القانون الأصلح للمتهم، أرسى مبدأً قضائياً أكدت خلاله على كفاية صدور القانون بإعتباره أصلح المتهم حتى لو لم ينفذ، فهناك فرق بين صدور القانون ونفاذه، لأن القانون قد يحدد تاريخ لاحق لنفاذه، فالحكم هنا أكد على أن القانون يعمل به كقانون أصلح من تاريخ صدوره وليس من تاريخ نفاذه.
ملحوظة:
على سبيل المثال لا الحصر، قضية الفتاة نورهان خليل التي قتلت والدتها في محافظة بورسعيد، من الجائز تطبيق قانون الإجراءات الجديد رغم عدم سريانه حال تصالح أهلية المجنى عليها (والدها وأخواتها)، لأن ذلك متوافق مع الشريعة الإسلامية في مسألة "القود" أو الدية في جريمة القتل العمد.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 19687 لسنة 93 القضائية، لصالح المحامى محسن باتع، برئاسة المستشار مصطفی محمد، وعضوية المستشارين هشام الشافعي، ويوسف قايد، ونبيل مسعود نواب، وعبد الفتاح غنيم، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض أحمد نصار، وأمانة سر سيد رجب .
الوقائع.. الحكم على شخص بالإعدام متهم بالقتل العمد
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: صدر الحكم بإعدام المعروض ضده بإجماع أراء قضاة المحكمة وبعد استطلاع رأى مفتى الجمهورية قبل إصداره عملا بالمادة 381/2 من قانون الإجراءات الجنائية، وقد خلا من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، وصدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى، ولم يصدر بعده قانون يسري على واقعة الدعوى يصح أن يستفيد منه المعروض ضده على نحو ما نصت عليه المادة الخامسة من قانون العقوبات باعتباره أصلح له، ولا يغير من ذلك صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 الصادر بتاريخ 12 نوفمبر 2025، والذي يعمل به اعتباراً من أول أكتوبر 2026 وفقاً لما نصت عليه المادة السادسة من مواد إصداره - ونصه في المادة 22 منه على أنه:
(مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات فيالجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234/ "الفقرتين الأولى والثانية"، 235، 236/ "الفقرة الأولى" من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقاً لحكم المادة 17 من قانون العقوبات).

وجوب تخفيف العقوبة وفقاً لحكم المادة 17 من قانون العقوبات في هذه الحالة
وبحسب "المحكمة": وكان النص أنف الذكر وإن كان في ظاهره إجرائي إلا أنه يقرر قاعدة موضوعية مفادها تقييد حق الدولة في العقاب بتقريره وجوب تخفيف العقوبة وفقاً لحكم المادة 17 من قانون العقوبات إذا تم التصالح في الجرائم الواردة بالمادة (22) آنفة البيان - ومن بينها الجريمة التي دين بها المعروض ضده - وهو ما يتحقق به معنى القانون الأصلح في مفهوم المادة الخامسة من قانون العقوبات، ومن ثم يسري من يوم صدوره على واقعة الدعوى طالما لم تنته بحكم بات؛ ذلك أن البين من نص الفقرة الثانية من المادة سالفة البيان في صريح عباراتها وواضح دلالاتها أنها اكتفت السريان القانون الأصلح للمتهم مجرد صدور القانون حتى ولو أرجئ نفاذه إلى أجل؛ لأن المشرع استعمل عبارة إذا صدر قانون أصلح للمتهم، ومن ثم فيجب تطبيقه بمجرد صدوره وبصرف النظر عن التاريخ الذي حدد السريانه والعمل به، ولا محل هنا لتطبيق الأصل في قانون العقوبات وهو عدم سريانه إلا من تاريخ العمل به؛ لأن علة ذلك هو ضمان علم الناس بالقانون قبل مساءلتهم عما تضمنه.
وتضيف "المحكمة": وهي علة غير متوافرة في القانون الأصلح للمتهم الذي يكفي لتطبيقه مجرد صدوره دون حاجة إلى نشره في الجريدة النصيحة فوات مدة معينة على هذا النشر - كما هو الحال بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية الجديد -، إذ إنه متى كان هذا القانون أصلح للمتهم فلا يوجد أي مبرر لتأخير العمل به، وهو ما أكدته المادة 95 من الدستور بقولها: ( .... ، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون )، حيث استخدم المشرع الدستوري عبارة "نفاذ القانون" لإمكان تطبيقه على الجرائم اللاحقة على هذا النفاذ، بينما تحدثت المادة الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات عن صدور قانون لإمكان تطبيقه بأثر رجعي متى كان أصلح للمتهم، وهو ما يؤكد أن الفارق بين نفاذ القانون وصدوره كان واضحاً في ذهن المشرع وهو يشترط النفاذ لتطبيق القانون بأثر فوري ومباشر، ويكتفي فقط بالإصدار لتطبيقه بأثر رجعي.
النقض تستند لمبدأ قرره المشرع الفرنسي
وتوضح "المحكمة": ويتفق ذلك مع ما قرره المجلس الدستوري الفرنسي من أنه: (لا يجوز للمشرع أن يؤخر نفاذ النصوص الجنائية الأصلح للمتهم)، وهو ما كان يؤذن لهذه المحكمة محكمة النقض - بتطبيق نص المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد - سالفة البيان - لمصلحة المعروض ضده باعتباره قانوناً أصلح، بيد أن هذا القانون وإن أنشأ للمعروض ضده وضعاً أفضل بأن رخص له أن يتفادى الحكم عليه بعقوبة الإعدام - المقررة للجريمة التي دين بها - إذا ما بادر إلى إثبات تصالحه قبل صدور حكم بات في الدعوى، إلا أنه لم يقدم ما يفيد إثبات تصالحه أو يطلب أجلاً لذلك، ولم يمثل ورثة المجني عليهما أو وكيلهم الخاص الإثبات ذلك الصلح إبان نظر الطعن أمام هذه المحكمة، وإزاء ذلك فإن موجب إعمال النص لم يتحقق، ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إن هي انتهت إلى عدم تطبيقه، ويتعين معه إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليه "....".
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة: أولاً: بقبول طعن المحكوم عليهما شكلاً وفي الموضوع برفضه.
ثانياً : بقبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم.
محامي يتمسك بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد قبل سريانه.. والمحكمة تستجيب
وبذلك نكون في سابقة قضائية لافتة، أرست محكمة النقض مبدأ جديداً يقضي بتطبيق القانون الأصلح للمتهم بأثر فوري بمجرد صدوره، حتى وإن كان قد تقرر وقف سريانه إلى موعد لاحق، وجاء هذا التطور على خلفية طعن في حكم بالإعدام في جناية قتل مقترنة بجناية أخرى، تولّى المرافعة فيه الدكتور محسن باتع، المحامي بالنقض والخبير في القانون الجنائي، الذي تمسك بتطبيق أحكام قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 قبل موعد سريانه المقرر في أكتوبر 2026.
وخلال مرافعة "باتع" أمام إحدى دوائر محكمة النقض، دفع بأن مبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم يقتضي تطبيق القانون فور صدوره متى تضمّن تخفيفاً للعقوبة، باعتبار أن هذا الاستثناء يرد على قاعدة عدم رجعية القوانين، واستند المحامي إلى نص المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد التي تنص على خفض العقوبة في جرائم القتل المنصوص عليها من المادة 230 إلى المادة 236 من قانون العقوبات، حال إتمام التصالح بين الجناة والمجني عليهم أو ذويهم، بما يستتبع وجوب إعمال المادة 17 من قانون العقوبات المتعلقة بالرأفة وتخفيض العقوبة درجة أو أكثر.
كلمة السر.. محضر تصالح رسمي من أولياء الدم
وقدم "باتع" محضر تصالح رسمي من أولياء الدم، وتمسكت بتفعيل المادة 22 رغم أن القانون ما زال موقوف السريان، وردت المحكمة بداية بأن النص التشريعي لم يدخل حيز التنفيذ، إلا أن الدكتور باتع أوضح أن معيار التطبيق في حالة التخفيف هو تاريخ صدور القانون لا تاريخ سريانه، بخلاف الحالات التي يمس فيها القانون التجريم أو تشديد العقوبة إذ يُعتد حينها بتاريخ السريان فقط، وكذلك الأمر في حالات الإعفاء من العقوبة برمتها، أي جعل الفعل المجرم مباحا.
هذا الطرح القانوني الذي عُرض للمرة الأولى أمام محكمة النقض حظي باهتمام الدائرة التي نظرت الطعن، وانتهت المحكمة إلى تبنّي المبدأ وإقرار سريانه في شق التخفيف، معتبرة أن صدور القانون كافٍ لإعماله طالما كان أصلح للمتهم - وبناءً عليه - قررت المحكمة إعمال المادة 17 من قانون العقوبات وإلغاء عقوبة الإعدام المقضي بها في الحكم المطعون عليه، وتخفيض العقوبة.
يشار إلى أن الحكم يمثل خطوة فارقة في مسار تطبيق القوانين الجنائية وتفسير مبدأ القانون الأصلح للمتهم، ويفتح الباب أمام اجتهادات قضائية مستقبلية قد تعيد تشكيل حدود العلاقة بين تاريخ صدور التشريع وتاريخ نفاذه كلما تعلق الأمر بضمانات المتهم وحقوق الدفاع.
7 مبادئ في سطور
في أحدث قضاء لمحكمة النقض عقب صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد:
1-التزام المحاكم بتطبيق المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد التى تنص على تخفيف العقوبة وجوباً وفقاً لحُكم المادة (17) من قانون العقوبات في جرائم القتل العمد والضرب المُفضى إلى الموت، متى تم تقديم ما يُفيد الصلح من ورثة المجني عليه أو وكيله الخاص.
2-القانون الأصلح للمُتهم يكفي تطبيقه مُجرد صدوره دون حاجة إلى نشره بالجريدة الرسمية أو فوات مُدة مُعينة على هذا النشر (كما هو الحال في قانون الإجراءات الجنائية الجديد).
3-متى صدر قانون وكان أصلح للمُتهم يتم تطبيقه دون أن يتوقف الأمر على نفاذ هذا القانون، إذ يُكتفى بصدوره ولو لم يدخل حيز النفاذ بعد.
4-إلتفات محكمة الجنايات عن الصلح المُقدم من ورثة المجني عليه وعدم تخفيف العقوبة وجوباً، خطأ في تطبيق القانون.
5- قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 أصلح للمتهم فيسري من يوم صدوره على واقعة الدعوى طالما لم تنته بحكم بات "التصالح في القتل العمد والضرب المفضي لموت".
6-الفارق بين نفاذ القانون وصدوره كان واضحاً في ذهن المشرع وهو يشترط النفاذ لتطبيق القانون بأثر فوري ومباشر، ويكتفي فقط بالإصدار لتطبيقه بأثر رجعي، ويتفق ذلك مع ما قرره المجلس الدستوري الفرنسي من أنه: "لا يجوز للمشرع أن يؤخر نفاذ النصوص الجنائية الأصلح للمتهم".
7-القانون الأصلح للمتهم يكفي لتطبيقه مجرد صدوره دون حاجة إلى نشره في الجريدة الرسمية أو فوات مدة معينة على هذا النشر.
الجدير بالكذر أن هذا التخريج الجديد لمحكمة النقض في القول بسريان النصوص الأصلح للمُتهم في القانون الجديد قبل نفاذه بِناءً على ما قرره المجلس الدستوري الفرنسي من أنه لا يجوز للمُشرع أن يؤخر نفاذ النصوص الجنائية الأصلح للمُتهم.

النقض قضى بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد قبل سريانه أو نفاذه 4
