النية الإجرامية - أرشيفية
القصد الجرمي هو توجيه الفاعل إرادته لارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً لنتيجة الجريمة أو أي نتيجة جرمية أخرى وهو أخطر صور الركن المعنوي، وفي قلب البنيان الجنائي، تقف النية الإجرامية بوصفها العصب الخفي الذي يشدّ الفعل إلى المسؤولية، ويحوّل الحركة المادية من مجرد واقعة محايدة إلى جريمة مكتملة الأركان. فهي ليست لفظًا عابرًا في متن النصوص، ولا افتراضًا ذهنيًا يستحضره القاضي كيف شاء، بل بناء مركّب يتقاطع فيه الباطن النفسي مع الظاهر القانوني، وتتشابك فيه الإرادة الداخلية مع التكييف التشريعي للفعل الخارجي.
وعناصر القصد الجرمي هي العلم والإرادة، فالعلم صفة يتضح بها الشي ويظهر على ما هو عليه وأن الوقائع التي يلزم العلم بها قد تكون سابقة على الفعل أو معاصرة له أو لاحقه عليه، أما الإرادة وهي جوهر القصد الجرمي وأبرز عناصره، وهي نشاط نفسي يهدف إلى تحقيق غرض معين أي أنها قوة نفسية واعية مدركة تستجيب لغرائز النفس وأنها المسؤول المباشر في تحديد الوصف القانوني للفعل وأن إرادة الفعل الجرمي لا تكفي لتحقيق القصد الجرمي بل يلزم فضلا عن ذلك أن تتجه الإرادة إلى النتيجة المترتبة على الفعل في الجرائم العمدية ذات النتيجة ففي جريمة القتل يجب أن تتجه الإرادة إلى ازهاق الروح وفي جريمة السرقة يجب أن تتجه الإرادة الى أخذ المال المملوك للغير والاستئثار به.
النية الإجرامية بين الظاهر والباطن
في التقرير التالي، يلقى "برلماني" الضوء على النية الإجرامية بين الظاهر والباطن، وإشكالية التفاعل بين الإرادة النفسية والتكييف القانوني للفعل الجرمي، فلقد استقر القانون الجنائي، في أصوله الراسخة، على أن الجريمة لا تقوم بالفعل وحده، مهما بلغ من الجسامة، ما لم يتصل بإرادة آثمة، واعية، متجهة إلى تحقيق النتيجة أو قابلة بها، فالنية الإجرامية ليست صدى للفعل، بل سابقته الذهنية، ولا تُستنبط من النتيجة، بل تُستكشف من المسار النفسي الذي قاد إليها، ومن هنا كانت النية كيانًا باطنيًا، لا يُرى، ولا يُمسك به مباشرة، وإنما يُستدل عليه من قرائن السلوك، ومجريات الفعل، وملابسات الحال – بحسب المحامى والخبير القانونى كريم ملازم.
في البداية - البعد الباطني للنية لا يجعلها عصية على التكييف القانوني، بل يفرض على القاضي الجنائي مهمة دقيقة، قوامها تحويل المعطى النفسي إلى معيار قانوني، دون أن ينزلق إلى الافتراض، أو يقع في شَرَك الإسقاط الأخلاقي، فالنية ليست شعورًا غامضًا، ولا حالة وجدانية مطلقة، بل اتجاه إرادي محدد، يُقاس بمدى وعي الفاعل بالفعل، وتوقعه للنتيجة، وقبوله بها، أو سعيه إليها – وفقا لـ"ملازم".
مدى علاقة الإرادة النفسية بالتكييف القانوني للجُرم؟
وفي هذا الإطار، يتجلى التفاعل العميق بين علم النفس الجنائي والتكييف القانوني، فالإرادة النفسية، بما تحمله من دوافع، وانفعالات، وصراعات داخلية، تُشكّل المادة الخام للنية، لكنها لا تدخل دائرة التجريم إلا بعد أن تُصفّى بمنخل القانون، وتُردّ إلى صور محددة: قصد مباشر، قصد احتمالي، خطأ واعٍ، أو إهمال جسيم، فالقانون لا يعاقب على الخواطر، ولا يُحاسب على النيات المجردة، بل يربط الجزاء باتجاه الإرادة حين تتجسد في سلوك ملموس – الكلام لـ"ملازم".
ويثور الإشكال حين يتباين الظاهر عن الباطن، أو حين يتخذ الفعل صورة محايدة تخفي وراءها إرادة آثمة، أو على العكس، حين تبدو النتيجة جسيمة بينما كانت الإرادة قاصرة أو مشوبة بالخطأ، وهنا تظهر خطورة التكييف المتعجل، الذي يختزل النية في النتيجة، أو يستنبط القصد من جسامة الأثر وحدها، فالعدالة الجنائية لا تُقاس بقدر الألم الواقع، بل بقدر الذنب المستقر في النفس – هكذا يرى الخبير القانونى.

ماذا يعنى القصد الاحتمالي؟
ومن أعمق صور هذا التوتر ما يثار حول القصد الاحتمالي، حيث يقف الفاعل على تخوم النتيجة، عالمًا بإمكان تحققها، قابلًا بها، دون أن يجعلها غايته المباشرة، فهذا القصد، في حقيقته، ترجمة قانونية لحالة نفسية رمادية، لا هي نية صريحة، ولا هي خطأ بريء، وهو ما يستدعي حذرًا بالغًا في استخلاصه، حتى لا يتحول إلى أداة لتوسيع نطاق التجريم على حساب مبدأ الشرعية.
كما تتجلى الإشكالية ذاتها في الجرائم ذات البواعث الشريفة، أو الدوافع النبيلة، حيث تختلط النية الأخلاقية بالنية القانونية. فالدافع، مهما سما، لا ينفي القصد إذا اتجهت الإرادة إلى الفعل المجرّم، ولا يبرر العدوان على حق محمي. فالقانون الجنائي يزن النية بميزان الاتجاه، لا بميزان العاطفة، ويفصل بين القصد والدافع فصلًا دقيقًا، صونًا لموضوعية المسؤولية، فالنية الإجرامية، في المحصلة، جسر دقيق بين عالم النفس وعالم القانون؛ إن أُحسن تشييده، استقام الحكم، وإن اختلّ بناؤه، إنهار ميزان العدالة. فهي ليست مجرد عنصر من عناصر الجريمة، بل معيار أخلاقي – قانوني يحدد مدى استحقاق العقاب، وحدوده، ومشروعيته – طبقا لـ"ملازم".
العدالة الجنائية لا تتحقق بتغليب النص على النفس
وفى الأخير يؤكد "ملازم": وخلاصة القول، إن دراسة النية الإجرامية بين الظاهر والباطن تكشف أن العدالة الجنائية لا تتحقق بتغليب النص على النفس، ولا بإطلاق النفس على حساب النص، بل بالتوازن الدقيق بينهما، فحيث تُقرأ الإرادة قراءة علمية، ويُكيّف الفعل تكييفًا قانونيًا منضبطًا، يكون الحكم أقرب إلى الحق، والعقوبة أصدق تعبيرًا عن الذنب، ويظل القانون وفيًّا لرسالته في حماية الإنسان، دون أن يفقد قدرته على الردع.