آثار الحرب على غزة
لازالت الأنباء تتردد حول قيام الدكتور حسن الجوجو، رئيس مجلس القضاء الشرعي في غزة، بإصدار تعميماً قضائيا للمحاكم الشرعية في غزة، يقضي بأن المفقود الذي فقد أثناء الحرب ويغلب عليه الهلاك فإنه يمكن الحكم بوفاته بعد 6 أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار، بتاريخ 10/10/2025، إلا أن الدستوريين وعدد من فقهاء القانون الدولى يروا أن الشيخ الجوجو في هذا التعميم جانبه التوفيق، ضاربين المثل بحادثة رفح التي تزوج فيها أخ المفقود أرملته المفترضة، ثم تبين أن المفقود كان أسيرا لدى الاحتلال، وأفرج عنه ليجد زوجته قد تزوجت من أخيه، وما كان هذا ليحدث إلا نتيجة للتسرع في زواج الأرملة المفترضة من أخ المفقود.
ورغم أنه القاعدة في مثل تلك الظروف تقول: "لا يفتي قاعد لمجاهد"، إلا أنه يرى مراقبون وقانونيون أن مدة ستة أشهر من تاريخ 10/10/2025 إضافة إلى مدة الفقد التي قد تمتد في الماضي لمدة أطول ليست كافية خصوصا في ظل الوضع السياسي والعسكري الميداني الحالي، باعتبار أن أهل غزة ليسوا على دراية تامة بمنازلهم، وما حدث فيها، وأن هناك 60% من مساحة القطاع وأكثر، لا يستطيع الأهالى التفيش فيها، معرفة ما جرى للمفقودين، هل استشهدوا أو اعتقلوا، أو أُصيبوا بفقدان للذاكرة مثلا؟ مؤكدين أن مدة 4 سنوات قصيرة أيضا ولكنها من ناحية قانونية مقبولة للحكم بوفاة المفقود في ظل حرب الإبادة على غزة، خصوصا أنه لا يجزم بإنتهاء الحرب وعدم عودتها مرة أخرى .
حكم المفقود في التشريعات العربية
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حكم المفقود في التشريعات العربية، فمما لا شك فيه أن مسألة المفقود تُعد من أكثر المسائل القانونية والشرعية تعقيدًا، لما تنطوي عليه من مساس مباشر بحقوق تمس النفس والعِرض والنسب والمال في آن واحد فهي ليست مجرد مسألة إجرائية تتعلق بإثبات واقعة الوفاة، وإنما قضية وجودية يتوقف عليها مصير أسر كاملة، وتُبنى عليها آثار لا يمكن الرجوع عنها إذا تبيّن الخطأ في تقديرها، وتزداد هذه المسألة تعقيدًا في أزمنة الحروب، حيث تتداخل الوقائع، وتغيب المعلومات، وتصبح غلبة الظن نفسها موضع شك واضطراب – بحسب الخبير القانوني الدولى والمحامى بالنقض رجب السيد قاسم.
في البداية - قد أعاد التعميم القضائي الصادر عن مجلس القضاء الشرعي في غزة، والذي أجاز الحكم بوفاة المفقود الذي فقد أثناء الحرب إذا غلب على الظن هلاكه بعد 6 أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار في 10/10/2025، فتح باب النقاش القانوني والفقهي حول مدى سلامة هذا الاتجاه، ومدى اتساقه مع أصول الشريعة، ومع ما استقر عليه العمل في التشريعات العربية المقارنة، ورغم ما قد يُفهم من هذا التعميم من نية التيسير ورفع الحرج عن الأسر المنكوبة، فإن التيسير إذا تجاوز حدوده تحول إلى تعجيل محفوف بالمخاطر، خصوصًا في سياق استثنائي كالسياق الفلسطيني – وفقا لـ"قاسم".
المفقود في الفقه الإسلامي
فالفقه الإسلامي، على اختلاف مذاهبه، انطلق في تعامله مع المفقود من أصلٍ راسخ مؤداه أن الإنسان يُفترض فيه البقاء حيًا ما لم يثبت موته بيقين، تطبيقًا لقاعدة اليقين لا يزول بالشك، وحماية لمقاصد الشريعة التي جعلت حفظ النفس والنسب في مقدمة مقاصدها، ولم يكن الخلاف الفقهي حول هذا الأصل، وإنما انحصر في تقدير المدة التي يمكن بعدها الانتقال من افتراض الحياة إلى الحكم بالموت، وهو خلاف ظل محكومًا دائمًا بروح الاحتياط والتحري، لا بروح التعجيل – هكذا يقول الخبير القانوني الدولى.
وعند النظر في التشريعات العربية، نجد أنها وإن استلهمت الفقه الإسلامي، إلا أنها سعت إلى ضبط هذه المسألة بنصوص قانونية واضحة، تُوازن بين مصلحة الأحياء وحقوق الغائبين، وتُدرك خطورة الآثار المترتبة على الحكم بالوفاة. وهو ما يجعل المقارنة بينها ذات دلالة خاصة في تقييم أي اتجاه استثنائي نحو تقليص مدد الانتظار إلى حد الأشهر – الكلام لـ"قاسم".
حكم المفقود في التشريع المصرى
عالج التشريع المصري مسألة المفقود في إطار منظومة قانونية تستند إلى الفقه الإسلامي، وبوجه خاص الفقه الحنفي، مع اجتهاد تشريعي وقضائي متراكم وقد ميّز القانون بين الغيبة العادية والغيبة في ظروف يغلب فيها الهلاك، إلا أن هذا التمييز لم يكن مدخلًا للتساهل في الحكم بالوفاة، فالقضاء المصري استقر في تطبيقاته العملية، على عدم الحكم بوفاة المفقود إلا بعد مضي مدة طويلة تُقاس بالسنوات، وغالبًا ما دارت حول 4 سنوات، حتى في حالات الحروب والكوارث، وقد كان هذا الاتجاه تعبيرًا عن وعي عميق بخطورة المسألة على رابطة الزوجية والأنساب، وإدراكًا بأن الخطأ في إعلان الوفاة لا يمكن تداركه إذا ظهر المفقود حيًا بعد ذلك – طبقا لـ"قاسم".
حكم المفقود في التشريع الأردني
جاء قانون الأحوال الشخصية الأردني بصياغة تمنح القاضي سلطة تقديرية في تحديد مدة الانتظار اللازمة للحكم بوفاة المفقود، وفقًا لظروف الفقد وملابساته غير أن هذه المرونة لم تُفهم في التطبيق القضائي على أنها تفويض بالتعجيل، بل ظل الاتجاه الغالب يميل إلى التريث والاحتياط، لا سيما في حالات الفقد المرتبطة بالنزاعات المسلحة أو الاضطرابات السياسية، وقد استقر العمل القضائي الأردني عمليًا على مدد طويلة نسبيًا، ولم يعرف النزول بها إلى حد الأشهر، إدراكًا لخطورة ما يترتب على الحكم بالوفاة من آثار تمس النظام الأسري برمته – وهو ما يراه "قاسم".

حكم المفقود في التشريع السورى
ميّز التشريع السوري صراحة بين المفقود في الحرب والمفقود في غيرها، وهو تمييز يعكس إدراكًا لطبيعة النزاعات المسلحة وما تفرزه من حالات أسر واحتجاز وانقطاع قسري قد يمتد لسنوات، ومع ذلك، فإن هذا التفريق لم يؤدِ إلى تبني مدد قصيرة للحكم بالوفاة، بل ظل الحكم مرتبطًا بمرور فترة زمنية كافية تُحقق غلبة ظن مستقرة لا متقلبة وقد حرص المشرّع السوري، في هذا السياق، على ألا يؤدي ظرف الحرب إلى تقويض الضمانات الأساسية لحماية الأسرة والأنساب.
حكم المفقود في التشريع المغربى
اتجهت مدونة الأسرة المغربية إلى منح القضاء سلطة تقديرية واسعة في مسائل المفقود، دون التقيد بمدد جامدة، إلا أن هذه السلطة لم تكن في جوهرها دعوة للتعجيل، بل وسيلة لتحقيق العدالة بحسب ظروف كل حالة، وقد استقر العمل القضائي المغربي على أن الحكم بوفاة المفقود لا يُصار إليه إلا بعد تحرٍ جاد وانتظار مدة كافية يطمئن معها القاضي إلى غلبة الهلاك، وهو ما جعل المقاربة المغربية أقرب إلى الاحتياط منها إلى التيسير المتعجل، حفاظًا على استقرار الأسرة ومنعًا لاختلاط الأنساب.
حكم المفقود في دول الخليج العربية
اتسمت التشريعات الخليجية، وفي مقدمتها سلطنة عمان والكويت والإمارات، بنهج بالغ التحفظ في التعامل مع مسألة المفقود، فقد اعتُبر الحكم بوفاة المفقود إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر كل وسائل التحقق وبعد مرور مدد زمنية معتبرة أو توافر قرائن قوية تكاد ترقى إلى اليقين، ويعكس هذا الاتجاه إدراكًا تشريعيًا عميقًا بأن الخطأ في إعلان الوفاة أخطر من إطالة أمد الانتظار، لما يترتب عليه من آثار تمس كيان الأسرة وتُخل باستقرار المجتمع.
فلسطين قبل الحرب
حتى في السياق الفلسطيني ذاته، وقبل حرب الإبادة على غزة، لم يكن القضاء الشرعي يعرف مددًا قصيرة للحكم بوفاة المفقود، بل كان يتعامل مع هذه المسألة بذات المنهج التحوطي السائد في الفقه الإسلامي والتشريعات العربية، وكان الأصل المعتمد هو التريث والتحقق، وعدم الانتقال إلى الحكم بالوفاة إلا بعد مضي مدة كافية أو قيام قرائن قوية لا تحتمل الشك.

قراءة في الواقع الفلسطيني الراهن
ويؤكد "قاسم": وإذا ما نُقلت هذه المقاربات إلى واقع غزة اليوم، فإن الخصوصية الاستثنائية لهذا الواقع لا تصلح مبررًا للتعجيل بالحكم بالوفاة، بل تفرض – على العكس – مزيدًا من التثبت، فالحرب لم تنتهِ على وجه اليقين، ومساحات واسعة من القطاع لا تزال غير قابلة للفحص أو التحري، واحتمالات الأسر والاعتقال وفقدان الذاكرة والانقطاع القسري احتمالات واقعية ثابتة بالتجربة، وإذا كان الإنسان لا يعلم مصير بيته المهدوم، ولا إن كان قد بقي منه شيء، فكيف يمكن الجزم بمصير المفقودين خلال أشهر معدودة؟
ولا يخفى ما ينطوي عليه التعجيل من مخاطر جسيمة، لعل أخطرها المساس برابطة الزوجية وفتح باب الزواج بناءً على افتراض قد يثبت خطؤه لاحقًا، وحادثة رفح، التي تزوج فيها أخ المفقود من زوجته المفترضة ثم عاد المفقود حيًا بعد الإفراج عنه من الأسر، تمثل مثالًا واقعيًا صارخًا على النتائج الكارثية التي قد تترتب على التسرع، حتى وإن كان بدافع التيسير.
رؤية قانونية حول حكم المفقود
وفى الأخير يقول "قاسم": إن العدالة في زمن الحروب لا تُبنى على تقليص الزمن بقدر ما تُبنى على تعظيم الاحتياط. فالإبقاء على المفقود حيًا حكمًا، ولو طال الأمد، أهون من الحكم بموته بغير يقين، وما يترتب على ذلك من هدم للأسر واختلاط للأنساب وتعميق لجراح لم تندمل بعد، ومن ثم، فإن الاتجاه العام في التشريعات العربية، كما في الفقه الإسلامي، يؤكد أن الحكم بوفاة المفقود يجب أن يظل استثناءً محكومًا بالحذر والتروي، لا قاعدة تُبنى على مدد قصيرة تُقاس بالأشهر، خصوصًا في نزاع لم يُجزم بانتهائه ولا بعدم تجدده، فالعدل الحقيقي في زمن الحرب ليس في التعجيل، وإنما في الصبر والتحري، حتى لا تُضاف إلى فواجع الحرب فواجع القضاء.
المحكمة العليا الشرعية تصدر تعميماً حول اثبات وفاة المفقود
فيما أصدر المكتب الفني في المحكمة العليا الشرعية–ديوان قاضي القضاة تعميمًا رسميًا يوضح فيه الموقف القانوني من "التعميم القضائي" الذي تم تداوله في قطاع غزة بشأن إثبات وفاة المفقود بعد ستة أشهر فقط من وقف إطلاق النار. وأكد ديوان قاضي القضاة أن هذا التعميم المتداول غير قانوني وغير ملزم، ولا يمكن العمل به في المحاكم الشرعية الفلسطينية.

وأوضح التعميم أن التعليمات الإدارية، كالتعاميم، لا تملك صلاحية تعديل أو إلغاء نصوص قانونية، إذ إن ذلك محصور بالسلطة التشريعية أو الجهة المخولة بإصدار أو تعديل القوانين، وأن ما صدر في غزة يخالف المواد القانونية النافذة التي تنص على أن الحكم بموت المفقود يكون بعد أربع سنوات من فقده، وفي حالات الكوارث والحروب بعد سنة كاملة من تاريخ الفقد، وليس بعد ستة أشهر كما ورد في التعميم غير القانوني.
تقليص المدة إلى ستة أشهر يناقض المقصد التشريعي
وبيّن الديوان أن تقليص المدة إلى 6 أشهر يناقض المقصد التشريعي الذي يهدف إلى حماية حقوق المفقود وضمان عدم إصدار أحكام متعجلة قد يصعب الرجوع عنها، خصوصًا في ظل تجارب سابقة ظهر فيها المفقود حيًا بعد سنوات من فقده، كما حدث في إحدى حوادث رفح.

وأشار التعميم إلى أن القضاء الشرعي الفلسطيني –برغم الدمار الشامل الذي لحق بالبنية القضائية في القطاع– لم يتوقف عن خدمة المواطنين، وأن سماحة قاضي القضاة الدكتور محمود الهباش أصدر عدة قرارات لتسهيل وصول الناس للعدالة، ومن بينها تشكيل لجان قضائية في مختلف مناطق غزة، وتوثيق الحالات العاجلة، وتصديق عقود الزواج، وإصدار بدل الفاقد، والسماح للنازحين، داخل وخارج غزة، بإنجاز معاملاتهم عبر السفارات الفلسطينية، إضافة إلى إعفاء جميع معاملات المحاكم في غزة من الرسوم.
وأكد الديوان أنه يجري دراسة تقليص مدة اعتبار المفقود متوفى من سنة إلى ستة أشهر لكن ذلك لن يتم عبر تعميم، بل من خلال نص قانوني يصدر بمرسوم رئاسي، وقد تم بالفعل إدراج هذا التعديل ضمن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، واختتم المكتب الفني بالتأكيد أن التعميم الصادر في غزة لا يغيّر القانون ولا يعتدّ به، وأن أي حكم شرعي يصدر بناءً عليه لن يُصدّق في المحاكم الشرعية الفلسطينية.


