محكمة النقض - أرشيفية
>>مبدأ قضائي هام.. محكمة النقض تحسم جدل العقود المركبة وتأخير تسليم الوحدات العقارية.
>>هل تأخرت الشركة العقارية في تسليم وحدتك؟ محكمة النقض تؤكد: حرمان المشتري من الانتفاع قد يوجب التعويض.
>>تأخير الشركات العقارية في تسليم الوحدات التجارية أو الاستثمارية يوجب التعويض عن فترة الحرمان من الانتفاع .
>> العقد المركب: العقود التي تجمع بين البيع والإدارة أو الإيجار هي عقود مركبة، تُطبق على كل عنصر فيها أحكامه القانونية بما يحقق إرادة المتعاقدين.
>>الالتزام بالتسليم: عدم تسليم العين في الموعد المكتوب يحرم المشتري من ثمار المبيع ونمائه، وهو إخلال يوجب التعويض المباشر عن المسؤولية العقدية.
>>سقوط حجة الشركات: عدم استغلال الشركة للعين فعلياً أو عدم تقاضيها أجرة من الغير لا يعفيها من التعويض؛ لأن الضرر الواقع على المشتري ينشأ بمجرد حرمانه من حيازة العين والانتفاع بها في الموعد الاتفاقي، ولا يدرأ المسؤولية عن الشركة إلا إثبات "السبب الأجنبي".
>>حقك في التعويض عن التأخير في تسليم وحدتك العقارية مكفول بقوة القانون والعقد، ولا عبرة بذرائع الشركات حول عدم التشغيل الفعلي أو عدم جني الأرباح.
أصدرت الدائرة المدنية – بمحكمة النقض – حكماً قضائياً يهم ملايين المتعاملين في سوق التطوير العقارى تحسم جدل "العقود المركبة" وتأخير تسليم الوحدات العقارية، رسخت خلاله لمبدأ قضائياً قالت فيه: "تأخير الشركات العقارية في تسليم الوحدات التجارية أو الاستثمارية يوجب التعويض عن فترة الحرمان من الانتفاع، ولا تُعفى الشركة من المسؤولية العقدية بحجة أنها "لم تستغل الوحدة أو لم تقبض مقابل إيجارها من الغير".
الخلاصة:
إخلال البائع بالتزامه بتسليم العين المبيعة في الموعد المحدد بالعقد يوجب مسؤوليته العقدية عن تعويض المشتري عما حرم منه من ثمار ونماء العين، ولا يقدح في ذلك عدم قيام البائع (الذي له حق الإدارة) بتأجير العين فعلياً للغير، إذ أن مناط التعويض هو حرمان المشتري من الانتفاع بسبب التأخير المنسوب للبائع دون سبب أجنبي.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم الطعن رقم 15073 لسنة 92 قضائية، برئاسة المستشار عبد الفتاح أحمد أبو زيد، وعضوية المستشارين أشرف الكشكي، ووليد عثمان، وطارق أبو رية، وأحمد فرغلي زناتي، وبحضور كل من رئيس النيابة محمد سمير، وأمانة سر محمد جمال.
الوقائع.. نزاع قضائى حول "العقد المركب"
تتلخص وقائع النزاع في قيام مشتريين بشراء وحدة تجارية بموجب عقد لم يكن مجرد عقد بيع تقليدي، وإنما كان عقداً يجمع بين بيع الوحدة وإدارتها واستغلالها، وقد قام المشتريان بسداد كامل الثمن المستحق عليهما وفقاً لما تم الاتفاق عليه، وكان من المفترض أن تقوم الشركة بتسليم الوحدة في الموعد المحدد بالعقد، وأن تتولى بعد ذلك إدارة الوحدة واستغلالها وفقاً للنظام المتفق عليه بين الأطراف.
لكن الشركة لم تلتزم بالتسليم في الموعد المحدد، ونتيجة لهذا التأخير، طالب المشتريان بالتعويض عن فترة حرمانهما من الانتفاع بالوحدة، باعتبار أن التأخير لم يكن مجرد مخالفة شكلية، وإنما ترتب عليه حرمانهما من الاستفادة من الوحدة خلال الفترة التي كان من المفترض أن تكون تحت حيازتهما أو في نطاق الاستغلال المتفق عليه، أقاما الدعوى بطلب مقابل حق الانتفاع، ومحكمة أول درجة أجابتهم لطلباتهم.
إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم ورفضت الدعوى بحجة أن الشركة لم تؤجر العين فعلياً ولم تقبض مبالغ، أو بمعنى أدق الشركة دفعت بأنها لم تستغل الوحدة خلال فترة التأخير، ولم تقم بتأجيرها للغير، ولم تحصل على أي إيجارات أو أرباح منها، وبناءً على هذا الدفاع، انتهى الحكم المطعون فيه إلى رفض دعوى التعويض، ثم طعن الطاعنان بالنقض، وقررت محكمة النقض أن مجرد التأخر في التسليم عن الموعد المتفق عليه يشكل إخلالاً تعاقدياً يوجب التعويض عن الحرمان من الانتفاع، وأن محكمة الاستئناف خلطت بين التعويض عن التأخير وبين مقابل الإدارة الفعلي، مما استوجب نقض الحكم وإحالة القضية لمحكمة الاستئناف، مؤكدة استحقاق التعويض عن الإخلال بالتسليم بغض النظر عن استغلال الشركة الفعلي للعين.
العناصر القانونية المستخلصة من الحكم
1-مفهوم العقد المركب: العقد قد يكون بسيطاً أو مركباً، والعقد المركب يكون مزيجاً من عقدين (كعقد البيع إذا تضمن عقد انتفاع أو إيجار)، وحين تتوالى العقود تطبق أحكام كل عقد أو يتم تغليب العنصر الأساسي بحسب الأحوال.
2-مبدأ العقد شريعة المتعاقدين: العقد قانون العاقدين ولا يجوز نقضه أو تعديله من إرادة واحدة، وقواعد العدالة تكمل إرادة المتعاقدين ولا تنسخها أو تعدل العقود بدعوى العدالة المطلقة.
3-طبيعة التسليم الحكمي: التسليم القانوني لا يشترط الاستلام المادي، بل يتم بوضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به بلا حائل مع إعلامه بذلك.
4-أثر الإخلال بالتسليم والمسئولية العقدية: عدم تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم في الموعد يحول دون انتفاع المشتري بالعين ويحرمه من ثمارها، مما يرتُب مسؤوليته العقدية الموجبة للتعويض.
5-سقوط حجة الشركات: لا تبرأ ذمة الشركة البائعة من التعويض بحجة أنها لم تأجر العين أو لم تتقاضَ مقابلاً خلال فترة التأخير، طالما خلت الأوراق من وجود سبب أجنبي حال بينها وبين تنفيذ التزامها.
حماية المتعاقدين مع شركات التطوير العقاري
يشار إلى أن الحكم جاء في خطوة قضائية مهمة تعزز حماية المتعاقدين مع شركات التطوير العقاري، وتُرسى مبدأً مهماً بشأن تأخير تسليم الوحدات العقارية التجارية والاستثمارية، خاصة في الحالات التي تجمع فيها العلاقة التعاقدية بين أكثر من عقد أو أكثر من التزام، مثل عقد البيع والإدارة أو البيع والاستغلال أو البيع والإيجار، مؤكدة أن تأخير الشركة في تسليم الوحدة المتفق عليها قد يرتب مسؤوليتها عن تعويض المشتري عن الأضرار الناتجة عن حرمانه من الانتفاع بها خلال فترة التأخير، ولا يكفي للشركة أن تتمسك بأنها لم تستغل الوحدة فعلياً أو أنها لم تؤجرها للغير أو لم تحصل منها على مقابل مادي، طالما ثبت إخلالها بالتزامها التعاقدي بالتسليم في الموعد المحدد.
ويكتسب هذا المبدأ أهمية كبيرة في ظل التوسع الكبير في مشروعات التطوير العقاري والمولات التجارية والمشروعات الاستثمارية، وما تشهده بعض العقود من تأخير في التسليم، خصوصاً الوحدات التي يتم التعاقد عليها بهدف الاستثمار أو الإدارة أو تحقيق عائد.
الضرر الذى يصيب العميل
وفى هذا الشأن – تقول الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم - نظرت محكمة النقض الطعن، وانتهت إلى نقض الحكم، مؤكدة أن الأساس القانوني للمسؤولية لا يرتبط فقط بما إذا كانت الشركة قد حققت أرباحاً من الوحدة أم لا، فالضرر الذي أصاب المشتري لا يتمثل بالضرورة في أن الشركة استولت على أرباح أو إيجارات تخصه، وإنما قد يتمثل في حرمانه نفسه من حيازة الوحدة والانتفاع بها في الموعد الذي تم الاتفاق عليه.
وتضيف "سالم" في تصريح لـ"برلماني": وهنا تظهر أهمية المبدأ القضائي، فالمشتري عندما يتعاقد على وحدة تجارية أو استثمارية، ويدفع ثمنها، ويتفق على موعد محدد للتسليم، فإنه لا يشتري مجرد مساحة من العقار، وإنما يشتري حقاً في التسلم والانتفاع والاستثمار في الوقت المتفق عليه، ومن ثم، فإن التأخير في التسليم قد يفوت عليه منفعة حقيقية، وقد تكون هذه المنفعة: "استغلال الوحدة بنفسه، أو افتتاح نشاط تجاري، أو تأجير الوحدة، أو إدارتها واستثمارها، أو الحصول على عائد دوري، أو بيعها بعد التسلم، أو الاستفادة من ارتفاع قيمتها الاستثمارية، أو استخدام الوحدة في مشروع تجاري قائم، أو تحقيق أرباح كان يتوقعها بصورة مشروعة".

وتشير "سالم" إلى أنه وبالتالي، لا تستطيع الشركة أن تدفع مسؤوليتها بالقول: "أنا لم أؤجر الوحدة ولم أحصل على إيجار، وبالتالي لا يوجد ما أعوض عنه"، لأن محل الضرر هنا هو حرمان المشتري من الانتفاع، وليس فقط حصول الشركة على عائد من الغير، وأما عن العقد المركب؟ فمن أهم ما أكدته محكمة النقض في هذا المبدأ مسألة العقود المركبة، والعقد المركب هو العقد الذي لا يقتصر على طبيعة قانونية واحدة، بل يجمع بين أكثر من علاقة أو التزام، فقد يكون العقد في ظاهره عقد بيع، لكنه يتضمن في الوقت نفسه: "التزاماً بالإدارة، أو التزاماً بالتشغيل، أو التزاماً بالاستغلال، أو التزاماً بالتأجير، أو التزاماً بتحقيق عائد، أو التزاماً بالتسليم في تاريخ معين".
