الشهادة الزور - أرشيفية
تُعد الشهادة من أهم وسائل الإثبات التي يعول عليها القضاء في تكوين عقيدته والوصول إلى الحقيقة، إذ قد يتوقف مصير إنسان، أو حق مالي، أو مركز قانوني، أو حرية متهم، على ما يدلي به شاهد أمام القضاء، ومن هنا اكتسبت الشهادة مكانة بالغة الخطورة، وأصبح الالتزام بالصدق فيها ليس مجرد واجب أخلاقي، وإنما واجب قانوني تفرضه هيبة القضاء وحرمة العدالة.
فإذا انحرف الشاهد عن الحقيقة عامداً، وقلب الحقائق أو أخفاها أو أضاف إليها ما ليس فيها، بقصد التأثير في اقتناع المحكمة وتضليلها، انتقل فعله من مجرد الكذب إلى دائرة التجريم الجنائي، وقامت – متى توافرت شروطها، هذا وقد أفرد المشرع المصري لشهادة الزور واليمين الكاذبة باباً مستقلاً في قانون العقوبات، هو الباب السادس من الكتاب الثاني، ونظم أحكامها أساساً في المواد من 294 إلى 301.
جريمة شهادة الزور في القانون المصري
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على جريمة شهادة الزور في القانون المصري، وذلك من حيث مفهوم شهادة الزور شرعاً، وموقف المسيحية من شهادة الزور، ومفهوم شهادة الزور قانوناً، وما هي أركان جريمة شهادة الزور؟ وأهمية الواقعة محل الشهادة؟ وما هو الباعث على شهادة الزور؟ وهل يشترط أن يترتب على شهادة الزور صدور حكم مخالف للحقيقة؟ وشهادة الزور المرتبطة بالعطية أو الوعد، هل يشترط أن يترتب على شهادة الزور صدور حكم مخالف للحقيقة؟ - بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض هانى صبرى.
في البداية - تتنوع العقوبة بحسب طبيعة الدعوى، والنتيجة التي ترتبت على الشهادة، وما إذا كانت الشهادة قد ارتبطت بعطية أو وعد، كما امتد التجريم إلى الخبير والمترجم الذي يتعمد تغيير الحقيقة، وإلى من يكره شاهداً على عدم أداء الشهادة أو على أدائها زوراً، ولا تقف خطورة شهادة الزور عند الإضرار بأحد الخصوم، وإنما تمتد إلى العدالة ذاتها؛ لأنها تقوم على تقديم الحقيقة القضائية على أساس مصطنع، بما قد يؤدي إلى تبرئة مذنب أو إدانة بريء، أو سلب حق من صاحبه، أو ترتيب آثار قانونية على واقعة لم تحدث أصلاً – وفقا لـ"صبرى".
أولاً: مفهوم شهادة الزور شرعاً
في الشريعة الإسلامية: شهادة الزور مرفوضة ومعناها في المفهوم الشرعي هي أن يشهد الإنسان بغير الحق، فيقرر أمام من يملك الاعتماد على شهادته واقعة يعلم عدم صحتها، أو ينكر حقاً ثابتاً، أو يؤيد باطلاً، بقصد ترتيب أثر لا يستحقه صاحبه، والزور في أصله هو الميل عن الحق إلى الباطل، ولذلك جاء النهي عنه مقروناً بما يدل على شدة قبحه وخطورته، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ سورة الحج، الآية 30 – الكلام لـ"صبرى".
ولم يقف الأمر عند مجرد النهي، بل وردت السنة بتأكيد خطورة شهادة الزور وعدِّها من كبائر الذنوب، وتظهر الحكمة من تغليظ أمرها في أن الكذب العادي قد يقف أثره عند شخص أو موقف، أما شهادة الزور فتستخدم الكذب كوسيلة لإنتاج حكم أو أثر قضائي، ولذلك فهي تجمع بين الكذب والعدوان على حقوق الغير وتعطيل ميزان العدالة، ومن ثم يمكن القول إن شهادة الزور شرعاً لا تتمثل فقط في التلفظ بعبارة غير صحيحة، وإنما في تسخير القول الكاذب لإثبات الباطل أو نفي الحق، مع علم الشاهد بحقيقة ما يشهد به – هكذا يقول "صبرى".
ثانياً: موقف المسيحية من شهادة الزور
ترفض المسيحية شهادة الزور؛ فقد جاءت الوصايا العشرة مؤكدة قدسية الصدق وتحريم الشهادة الكاذبة على الغير، ومن أشهر النصوص الواردة في الكتاب المقدس: "لَا تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ"، وهو ما يرد في سفر الخروج، الإصحاح العشرين، الآية السادسة عشرة، ضمن الوصايا العشر، وتكشف هذه الوصية عن أن تحريم شهادة الزور ليس مجرد تنظيم قانوني حديث، وإنما يمثل مبدأ أخلاقياً ودينياً راسخاً يقوم على حماية الإنسان من أن يكون عرضة لاتهام أو ظلم قائم على قول كاذب – طبقا لـ"صبرى".
ونري أن الشهادة أمانة، وأن تحويلها إلى وسيلة للإضرار بالآخرين أو تحقيق منفعة غير مشروعة يمثل اعتداءً على الحق والعدل معاً، ومن الناحية القانونية، يلتقي هذا الأساس الأخلاقي مع فلسفة التجريم في القانون المصري؛ إذ إن المشرع لا يعاقب مجرد عدم الصدق في الحياة اليومية، وإنما يتدخل جنائياً عندما يتحول الكذب إلى شهادة قضائية كاذبة من شأنها التأثير في سير العدالة – هكذا يقول الخبير القانونى.
ثالثاً: مفهوم شهادة الزور قانوناً
لم يضع المشرع المصري تعريفاً جامعاً مانعاً لجريمة شهادة الزور، وإنما نظم صورها وأحوالها والعقوبات المقررة لها في المواد 294 وما بعدها من قانون العقوبات، وقد استقرت محكمة النقض على تحديد جوهر الجريمة بقولها إن الشهادة تصبح شهادة زور معاقباً عليها عندما يقرر الشاهد، بعد حلف اليمين، أمام المحكمة، أقوالاً يعلم أنها تخالف الحقيقة، بقصد تضليل القضاء – كما أوضح "صبرى".
وعليه يمكن تعريف شهادة الزور قانوناً بأنها: إدلاء الشاهد أمام جهة القضاء، وبعد حلف اليمين القانونية، بأقوال يعلم مخالفتها للحقيقة، متعمداً إنكار حق أو تأييد باطل، بقصد التأثير في اقتناع المحكمة وتضليل العدالة، متى كانت هذه الأقوال من شأنها التأثير في الفصل في الدعوى.
وهذا التعريف يكشف عن عناصر جوهرية لا بد من توافرها، أهمها:
1- أن يكون مرتكب الفعل شاهداً.
2- أن تكون الشهادة أمام القضاء.
3- أن يكون الشاهد قد حلف اليمين متى كان القانون يوجبها.
4- أن تتضمن الشهادة تغييراً للحقيقة.
5- أن يكون التغيير متعمداً.
6- أن يكون الشاهد عالماً بكذب ما يقرره.
7- أن تتجه إرادته إلى تضليل القضاء.
8- أن تكون الواقعة محل الكذب مؤثرة أو من شأنها التأثير في الفصل في الدعوى.
رابعاً: وما هي أركان جريمة شهادة الزور
1- الركن الأول: صدور شهادة أمام القضاء بعد حلف اليمين
تتميز شهادة الزور عن سائر صور الكذب بأن المشرع ربط التجريم بالسياق القضائي للشهادة، فلا يكفي أن يقول الشخص قولاً كاذباً في الحياة اليومية، ولا أن يدلي بمعلومات غير صحيحة في محضر استدلالات أو في التحقيقات الأولية لكي يوصف فعله – بذاته – بأنه شهادة زور، والأصل أن مناط الجريمة هو أن تكون الأقوال الكاذبة قد صدرت أمام المحكمة، وبعد حلف اليمين القانونية، وفي إطار شهادة قضائية.
وقد قضت محكمة النقض بأن ما يتطلبه القانون للعقاب على شهادة الزور هو أن يقرر الشاهد أمام المحكمة، بعد حلف اليمين، أقوالاً يعلم أنها تخالف الحقيقة بقصد تضليل القضاء، وأن الإدلاء بهذه الأقوال في تحقيقات النيابة العامة لا تتحقق به العناصر القانونية لجريمة شهادة الزور. ومن ذلك ما قررته في الطعن رقم 6909 لسنة 53 قضائية، جلسة 14/11/1985، مكتب فني 36، ص 863.
وهذا المبدأ بالغ الأهمية؛ لأن القول بأن كل كذب أمام الشرطة أو النيابة يمثل شهادة زور يؤدي إلى التوسع في التجريم على نحو لا يتفق مع مبدأ الشرعية الجنائية، ولا يعني ذلك أن الكذب في التحقيقات يستحيل أن تكون له أي آثار قانونية، وإنما المقصود تحديداً أنه لا يكتسب وصف شهادة الزور لمجرد صدوره في محضر استدلال أو تحقيق.
2- الركن المادي – تغيير الحقيقة
يتحقق الركن المادي عندما يتعمد الشاهد تغيير الحقيقة في شهادته، سواء كان ذلك عن طريق:
أ- إنكار واقعة صحيحة.
ب- إثبات واقعة غير صحيحة.
ج- إخفاء حقيقة مؤثرة.
د- إضافة واقعة لم تحدث.
و- تحريف واقعة صحيحة على نحو يغير مدلولها.
ي- تأييد الباطل أو إنكار الحق.
ولا يشترط أن تكون الشهادة بأكملها كاذبة.
فقد تكون غالبية شهادة الشاهد صحيحة، ثم يتعمد الكذب في واقعة محددة ذات تأثير في موضوع الدعوى؛ فإذا كانت هذه الواقعة من شأنها التأثير في اقتناع المحكمة، أمكن أن يتحقق بها الركن المادي للجريمة، وقد استقرت أحكام النقض على أن مناط التجريم هو تعمد تغيير الحقيقة في بعض وقائع الشهادة بما يمكن أن يضلل المحكمة.
3- الركن المعنوي – العلم بالكذب وقصد تضليل القضاء
وهذا هو أخطر عناصر الجريمة وأكثرها دقة، فالقانون لا يعاقب الشاهد لمجرد أنه أخطأ في تذكر واقعة، أو أخطأ في تقديرها، أو التبس عليه أمر من الأمور، بل يجب أن يثبت أن الشاهد كان يعلم حقيقة الواقعة، وكان يعلم أن ما يقرره أمام المحكمة مخالف للحقيقة، ومع ذلك اتجهت إرادته إلى تقرير هذا الكذب بهدف تضليل القضاء، وأن القصد الجنائي في شهادة الزور يتحقق عندما يكذب الشاهد عن علم وإرادة ويتعمد تغيير الحقيقة بقصد تضليل القضاء، بصرف النظر عن الباعث الذي دفعه إلى ذلك .
وبذلك يجب التمييز بين:-
الكذب العمدي: وهو الذي يقوم عليه القصد الجنائي.
وبين: الخطأ أو السهو أو النسيان:
وهي حالات لا يكفي تحققها وحدها لقيام الجريمة.
خامساً: أهمية الواقعة محل الشهادة
لا يكفي مجرد إثبات أن الشاهد أخطأ في جزئية هامشية حتى تثبت جريمة شهادة الزور، فالخطأ، أو النسيان، أو عدم دقة الذاكرة، أو اختلاف التقدير، لا يساوي بذاته الكذب الجنائي، والعبرة بأن تكون الواقعة التي وقع فيها الكذب ذات صلة بموضوع الدعوى، وأن يكون من شأنها التأثير في اتجاه المحكمة أو في مركز أحد الخصوم.
وقد قررت محكمة النقض أن شهادة الزور قد تتحقق ولو لم تؤد فعلاً إلى تغيير الحكم، متى كانت من شأنها التأثير فيه لصالح المتهم أو ضده، ومن ثم، فالعبرة ليست بالنتيجة التي تحققت فعلاً في جميع الأحوال، وإنما بمدى صلاحية الكذب للتأثير في الحكم.
ما هو الباعث على شهادة الزور؟
قد يكون الباعث على شهادة الزور:
1-الحصول على مال.
2- حماية قريب أو صديق.
3- الانتقام من شخص.
4- الخوف من المسؤولية.
5- مجاملة أحد الخصوم.
6- الحصول على منفعة.
8- التأثير في نتيجة دعوى.
9- الرغبة في إفلات متهم من العقاب.
لكن الباعث ليس – في ذاته – ركناً مستقلاً للجريمة.
فمتى ثبت أن الشاهد تعمد تغيير الحقيقة بقصد تضليل القضاء، قامت الجريمة ولو لم يثبت سبب خاص دفعه إلى ذلك، وقد أكدت محكمة النقض أن الباعث على الجريمة ليس ركناً فيها، ومن ثم فإن الخطأ في تقديره أو إغفاله لا يهدم الجريمة متى ثبتت عناصرها الأخرى.
سادساً: هل يشترط أن يترتب على شهادة الزور صدور حكم مخالف للحقيقة؟
الأصل أن تحقق النتيجة الفعلية ليس شرطاً في جميع صور الجريمة، فالمهم أن تكون الشهادة الكاذبة من شأنها التأثير في الحكم، ولهذا قضت محكمة النقض بأن جريمة شهادة الزور يمكن أن تقوم ولو انتهت المحكمة إلى إدانة الشخص الذي أديت الشهادة زوراً لمصلحته، طالما كانت الشهادة من شأنها التأثير في الحكم، وهذا يتفق مع الطبيعة الخطرة للجريمة؛ فالمشرع يحمي سلامة الوظيفة القضائية ذاتها، وليس فقط النتيجة النهائية التي انتهى إليها الحكم.
سابعاً: العقوبات المقررة لشهادة الزور
نظم المشرع المصري العقوبات في المواد من 294 إلى 301 من قانون العقوبات.
1 – شهادة الزور لمتهم في جناية أو عليه
تنص المادة 294 على أن: "كل من شهد زوراً لمتهم في جناية أو عليه يعاقب بالحبس"، أما المادة 295 فقد شددت العقوبة إذا ترتب على شهادة الزور الحكم على المتهم، فجعلت العقوبة السجن المشدد أو السجن، فإذا كانت العقوبة المحكوم بها على المتهم هي الإعدام ونُفذت عليه، حكم بالإعدام أيضاً على من شهد عليه زوراً.
وهذه من أشد صور التجريم؛ لأنها تفترض أن شهادة الزور لم تقف عند مجرد محاولة التأثير في القضاء، وإنما ترتب عليها أثر بالغ الخطورة في مصير المتهم.
2 – شهادة الزور في جنحة أو مخالفة
تنص المادة 296 على أن من شهد زوراً على متهم بجنحة أو مخالفة أو شهد له زوراً يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين.
3 – شهادة الزور في الدعوى المدنية
تنص المادة 297 على أن: "كل من شهد زوراً في دعوى مدنية يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين"، ومن ثم فشهادة الزور ليست مقصورة على الدعاوى الجنائية، وإنما تمتد إلى المجال المدني متى توافرت شروطها القانونية.
ثامناً: شهادة الزور المرتبطة بالعطية أو الوعد
لم يكتف المشرع بتجريم شهادة الزور ذاتها، وإنما واجه الصورة التي تتحول فيها الشهادة إلى مقابل مالي أو منفعة، فقد عالجت المادة 298 حالة قبول شاهد الزور عطية أو وعداً بشيء، وقررت إخضاعه هو والمعطي أو الواعد للعقوبات المقررة للرشوة أو لشهادة الزور، أيهما أشد، كما عالجت النص حالة الطبيب أو الجراح أو القابلة عندما تكون الشهادة الكاذبة متعلقة بحمل أو مرض أو عاهة أو وفاة، سواء كان ذلك مقابل عطية أو نتيجة رجاء أو توصية أو وساطة.
وتكشف هذه الأحكام عن تشدد المشرع عندما تتحول الشهادة إلى سلعة تباع وتشترى، لأن الخطر هنا لا يقتصر على الكذب وإنما يمتد إلى إفساد العدالة بالمنفعة.
تاسعاً الخبير والمترجم وشهادة الزور
امتد نطاق التجريم إلى غير الشاهد بالمعنى التقليدي، فقد نصت المادة 299 على معاقبة كل شخص كلفته سلطة قضائية بعمل الخبرة أو الترجمة في دعوى مدنية أو تجارية أو جنائية، إذا غير الحقيقة عمداً بأي طريقة كانت، بالعقوبات المقررة لشهادة الزور.
وتكمن أهمية النص في أن الخبير والمترجم قد تكون لهما قدرة كبيرة على التأثير في تكوين عقيدة المحكمة، فالخبير قد يقدم تقريراً فنياً مصطنعاً، والمترجم قد يحرف مضمون مستند أو شهادة، وفي الحالتين قد تصبح الحقيقة القضائية مبنية على معلومات مشوهة.
عاشرا: : إكراه الشاهد على شهادة الزور
واجه المشرع كذلك الشخص الذي لا يشهد زوراً بنفسه، ولكنه يحمل غيره على ذلك، فنصت المادة 300 على أن من أكره شاهداً على عدم أداء الشهادة أو على الشهادة زوراً يعاقب بمثل عقوبة شاهد الزور، مع مراعاة الأحوال التي نصت عليها المواد السابقة، وهذا يعكس سياسة تشريعية مهمة؛ إذ لا يكفي تجريم الشاهد إذا كان هناك شخص آخر هو الذي مارس الضغط أو الإكراه الذي دفعه إلى الكذب.
الحادي عشر: شهادة الزور واليمين الكاذبة
يجب التمييز بين شهادة الزور وبين اليمين الكاذبة، فقد أفرد المشرع المادة 301 لحالة من ألزم باليمين أو ردت عليه في المواد المدنية، ثم حلف كاذباً، وقرر لها عقوبة الحبس مع جواز إضافة الغرامة في الحدود التي حددها النص، وبالتالي فإن الباب السادس من قانون العقوبات لا يتعامل مع صورة واحدة من الكذب، وإنما يضم عدة صور تمس الثقة التي يوليها القانون للقول الصادر تحت القسم أو أمام القضاء.
الثاني عشر: هل الكذب في محضر الشرطة أو تحقيقات النيابة يُعد شهادة زور؟
الأصل: لا.
وهذه من أهم المسائل العملية في جريمة شهادة الزور، فإذا أدلى شخص بأقوال كاذبة في محضر جمع الاستدلالات أو أثناء تحقيقات النيابة العامة، فإن ذلك – في ذاته – لا تتحقق به جريمة شهادة الزور، لأن الشرط القانوني المتعلق بالشهادة القضائية وحلف اليمين أمام المحكمة لا يكون متوافراً.
وقد أكدت محكمة النقض هذا المعنى صراحة في الطعن رقم 6909 لسنة 53 قضائية، عندما قررت أن الشهادة المسندة إلى المتهمين لم تصدر أمام القضاء وإنما في تحقيقات النيابة العامة، ومن ثم لا تتوافر العناصر القانونية لجريمة شهادة الزور، وهنا يجب التنبيه إلى أن عدم قيام جريمة شهادة الزور لا يعني بالضرورة أن كل سلوك كاذب في مرحلة التحقيق مباح أو عديم الأثر قانوناً؛ وإنما يعني فقط أن وصف "شهادة الزور" لا ينطبق عليه لمجرد صدوره في تلك المرحلة.
الثالث عشر: ما هو الفرق بين شهادة الزور والعدول عن الأقوال
من أكثر المسائل أهمية في هذا المجال التفرقة بين شهادة الزور وعدول الشاهد عن أقوال سابقة، فليس كل اختلاف بين روايتين للشاهد دليلاً على أن إحدى الروايتين كاذبة عمداً، وقد أرست محكمة النقض مبدأ مهماً مؤداه أنه لا يصح تكذيب الشاهد في إحدى رواياته اعتماداً على رواية أخرى له دون وجود دليل يؤيد ذلك؛ لأن الروايتين صادرتان عن المصدر ذاته، ولا يجوز افتراض أن الرواية الأولى هي الصحيحة لمجرد أنها سبقت زمنياً الرواية الثانية.
وتزداد أهمية ذلك عندما يكون الشاهد قد عدل أمام المحكمة إلى الحقيقة، وقد أكدت محكمة النقض أن مثول الشاهد أمام المحكمة، في ظل رهبة الموقف والضمانات التي تحيط بأداء الشهادة، قد يكون سبباً مشروعاً لرجوعه إلى الحق، ولذلك لا يجوز مؤاخذته جنائياً لمجرد أنه غيّر روايته السابقة في التحقيقات، وقد ورد هذا المبدأ في أحكام النقض، ومنها الطعن رقم 19514 لسنة 83 قضائية، جلسة 5 أبريل 2014.
الرابع عشر: أثر العدول عن الشهادة الكاذبة
استقرت أحكام النقض على مبدأ بالغ الأهمية، وهو أن الشاهد إذا عدل عن أقواله الكاذبة قبل انتهاء المرافعة في الدعوى الأصلية، فإن جريمة شهادة الزور لا تكون قد اكتملت، وقد قضت محكمة النقض بأن جريمة شهادة الزور لا تتحقق إلا إذا أصر الشاهد على أقواله الكاذبة حتى انتهاء المرافعة في الدعوى الأصلية، فإذا عدل عنها قبل انتهاء المرافعة اعتبرت الأقوال الكاذبة كأن لم تكن. ومن ذلك الطعن رقم 1388 لسنة 39 قضائية، جلسة 27 أكتوبر 1969.
وهذا المبدأ يكشف عن فلسفة تشريعية عميقة؛ فالمشرع لا يريد معاقبة الشاهد لمجرد أنه وقع في الباطل ثم عاد إلى الحق، وإنما يريد حماية القضاء من الإصرار على الكذب إلى اللحظة التي يصبح فيها هذا الكذب عنصراً من عناصر تكوين الحكم، ومن ثم، فالعدول هنا ليس مجرد اعتذار أخلاقي، وإنما قد يكون له أثر مباشر في قيام الجريمة من عدمه، متى وقع في الوقت الذي حدده القانون.
الخامس عشر: سلطة محكمة الموضوع في تقدير شهادة الزور
الفصل في مدى مطابقة الشهادة للحقيقة من مسائل الواقع التي تدخل أصلاً في سلطة محكمة الموضوع، فللمحكمة أن توازن بين أقوال الشهود وبين الأدلة الأخرى، وأن تستخلص الحقيقة من مجموع عناصر الدعوى، لكن هذه السلطة ليست مطلقة، فإذا أدانت المحكمة شاهداً بجريمة شهادة الزور، فيتعين عليها أن تبين بصورة واضحة:
1- موضوع الدعوى الأصلية.
2- موضوع الشهادة.
3- موضع الكذب أو تغيير الحقيقة.
4- وجه مخالفة الشهادة للحقيقة.
5- مدى تأثير الشهادة في مركز الخصوم.
6- قصد الشاهد إلى تغيير الحقيقة.
7- سوء نيته واتجاه إرادته إلى تضليل القضاء.
وقد قضت محكمة النقض بأن إغفال هذه العناصر يؤدي إلى قصور في بيان أركان الجريمة، بما يعجز محكمة النقض عن مراقبة صحة تطبيق القانون.
السادس عشر: لا يكفي الظن لإثبات شهادة الزور
لأن شهادة الزور جريمة عمدية، فإن مجرد الشك في صدق الشاهد لا يكفي لإدانته، كما أن مجرد اختلاف شهادته مع شهادة شاهد آخر لا يعني بالضرورة أن أحدهما شاهد زور، ولا يكفي كذلك أن تكون رواية الشاهد غير منطقية أو مخالفة لتصور المحكمة للواقعة، ما لم يقترن ذلك بدليل يكشف عن علمه بالحقيقة وتعمده مخالفتها، ومن هنا تأتي أهمية التفرقة بين: عدم تصديق المحكمة للشاهد وبين: إثبات أن الشاهد كاذب عمداً، فالأول يتعلق بتقدير الدليل، أما الثاني فيتطلب إثبات أركان جريمة عمدية.
السابع عشر: جريمة شهادة الزور كاعتداء على العدالة
لا ينبغي النظر إلى شهادة الزور باعتبارها مجرد جريمة تقع بين طرفين: شاهد وخصم، فالضحية الحقيقية في كثير من الحالات هي العدالة ذاتها، فالقضاء لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة في كل واقعة بصورة مباشرة، وإنما يعتمد على الأدلة التي تقدم إليه. فإذا تعمد أحد الأشخاص تلويث أحد هذه الأدلة بشهادة كاذبة، فإنه لا يعتدي فقط على الخصم، وإنما يحاول توجيه السلطة القضائية إلى نتيجة غير حقيقية.
ولهذا جاءت العقوبات متدرجة، ووصل التشديد إلى أقصى الحدود في الحالة التي تؤدي فيها شهادة الزور إلى الحكم على شخص بالإعدام ثم تنفيذ الحكم، ومن الناحية العملية، فإن خطورة شهادة الزور قد تظهر في صور متعددة، منها:
١- إدانة بريء.
٢- إفلات مجرم.
٣- إثبات دين غير موجود.
٤- نفي دين ثابت.
٥- إثبات ملكية غير حقيقية.
٦- التأثير في دعاوى الأسرة.
٧- اصطناع واقعة مادية أمام القضاء.
٨- دعم مستندات أو وقائع غير صحيحة.
٨- التأثير في دعاوى التعويض أو المسؤولية.
الثامن عشر: الضابط الفاصل بين الكذب العادي وشهادة الزور
يمكن تلخيص الفارق في أن: الكذب المجرد هو قول غير مطابق للحقيقة.
أما شهادة الزور فهي كذب تتوافر فيه شروط قانونية خاصة، أهمها أن يكون القول صادراً من شاهد أمام القضاء، بعد أداء اليمين حيث تكون واجبة، وأن يكون الشاهد عالماً بمخالفته للحقيقة، ومريداً تضليل القضاء، وأن تكون الواقعة محل الكذب ذات صلة مؤثرة بالدعوى، ومن ثم ليس كل كاذب شاهد زور، وليس كل متناقض في أقواله مرتكباً لشهادة الزور، وليس كل من غيّر روايته بين التحقيق والمحاكمة مجرماً، وهذه التفرقة تمثل ضمانة أساسية للحيلولة دون التوسع في التجريم.
التاسع عشر: شهادة الزور بين حماية العدالة وحماية الشاهد
تبدو للوهلة الأولى أن حماية العدالة تقتضي معاقبة كل شاهد يتراجع عن أقواله السابقة غير أن العكس هو الصحيح. فإذا علم الشاهد أنه سيعاقب حتماً بمجرد تغيير روايته، حتى ولو كان قد قرر في البداية قولاً غير صحيح ثم اكتشف خطأه وقرر الحقيقة، فقد يؤدي ذلك إلى نتيجة خطيرة تتمثل في إجباره عملياً على الاستمرار في الكذب.
ولهذا كان موقف محكمة النقض بالغ الدلالة عندما أكدت ضرورة إفساح المجال أمام الشاهد للرجوع إلى الحق، وعدم معاملته جنائياً لمجرد أنه صحح أقواله السابقة، متى تم ذلك في الإطار الزمني الذي يسمح به القانون، فحماية العدالة لا تعني حماية الرواية الأولى للشاهد، وإنما تعني حماية الحقيقة.
واخيراً إلى جانب ما سبق، فإن جريمة شهادة الزور تمثل نموذجاً واضحاً لتلاقي الأخلاق بالدين والقانون؛ فقد اتفقت الديانات الإبراهيمية الثلاثة على تحريم الشهادة الكاذبة، بينما تدخل المشرع الجنائي المصري ليحمي الوظيفة القضائية من أخطر صور العبث بها، فليست كل عبارة غير صحيحة شهادة زور، وليس كل اختلاف في الأقوال دليلاً على الكذب الجنائي، كما أن مجرد عدم اطمئنان المحكمة إلى رواية الشاهد لا يكفي وحده لإدانته.
إنما تتحقق الجريمة حين تتجمع عناصرها القانونية: شهادة قضائية، وحلف يمين حيث تكون واجبة، وتغيير متعمد للحقيقة، وعلم بالكذب، وقصد إلى تضليل القضاء، وارتباط الواقعة بموضوع الدعوى على نحو يجعلها مؤثرة أو قابلة للتأثير في الحكم، وقد حرصت محكمة النقض المصرية على وضع ضوابط دقيقة لهذه الجريمة، توازن بين مصلحتين متقابلتين: حماية هيبة القضاء وصيانة الحقيقة من العبث، وحماية الشاهد من أن يتحول مجرد اختلاف أقواله أو تراجعه عن رواية سابقة إلى جريمة عمدية دون دليل على سوء القصد.
ومن هنا فإن معيار التفرقة الحقيقي لا يكمن في السؤال: هل اختلفت أقوال الشاهد؟ وإنما في السؤال الأدق: هل ثبت أن الشاهد كان يعلم الحقيقة، ثم تعمد أن يقول أمام القضاء غيرها، قاصداً بذلك تضليل المحكمة والتأثير في قضائها؟
فإذا ثبت ذلك، اكتملت صورة شهادة الزور واستحق العقاب، أما إذا كان الأمر لا يعدو خطأً أو نسياناً أو اختلافاً في الرواية أو عدولاً إلى الحقيقة قبل اكتمال الجريمة، فلا يجوز التوسع في التجريم؛ لأن الأصل في الإنسان البراءة، ولأن التجريم الجنائي لا يقوم على الظن، وإنما على ثبوت أركان الجريمة ثبوتاً تطمئن إليه المحكمة في حدود القانون، وهكذا تظل القاعدة الأسمى التي تحكم شهادة الشهود أمام القضاء هي أن الحقيقة ليست مجرد واجب أخلاقي، وإنما هي أساس العدالة، وأن العبث بها لا يضر الخصوم وحدهم، بل يهدد الثقة في القضاء ذاته.