صبرى نخنوخ
مع الأخبار المتداولة بشأن القبض على المعلم نخنوخ وأعوانه وما تبعه من سقوط لبعض المرتبطين به، يعود إلى الواجهة الحديث عن جريمة غسل الأموال بوصفها من أخطر الجرائم الاقتصادية والمالية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والمالي للدول، ولما تتيحه من وسائل تمكن الجريمة المنظمة من الاستفادة من عوائد أنشطتها غير المشروعة وإعادة إدماجها داخل الاقتصاد المشروع بصورة يصعب معها اكتشاف مصدرها الحقيقي.
ولا تقف خطورة هذه الجريمة عند حدود إخفاء الأموال المتحصلة من النشاط الإجرامي، وإنما تمتد آثارها إلى تقويض الثقة في المؤسسات المالية والمصرفية، وتشويه المنافسة الاقتصادية، وإفساد بيئة الاستثمار، وإضعاف كفاءة السياسات النقدية والمالية للدولة، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بجرائم الفساد والرشوة والاتجار بالبشر والاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة وتمويل الإرهاب.
المواجهة التشريعية والقضائية لجريمة غسل الأموال في النظام القانوني
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" المواجهة التشريعية والقضائية لجريمة غسل الأموال في النظام القانوني المصري، بعد القبض على صبرى نخنوخ وأعوانه، وذلك من حيث ماهية جريمة غسل الأموال، والطبيعة القانونية الخاصة لجريمة غسل الأموال، والأركان القانونية لجريمة غسل الأموال، والمراحل العملية لغسل الأموال، واستقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية، والسياسة الجنائية للمشرع المصري، ودور المؤسسات المالية والجهات الخاضعة للرقابة – بحسب الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار.
في البداية - إدراكًا لهذه المخاطر، أصدر المقنن المصري قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002، والذي خضع لعدة تعديلات متلاحقة استهدفت تطوير المنظومة التشريعية الوطنية بما يتوافق مع المعايير الدولية الصادرة عن مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، وبما يعزز من كفاءة الدولة في مكافحة الجرائم المالية المنظمة – وفقا لـ"عمار".

أولاً: ماهية جريمة غسل الأموال
يقوم مفهوم غسل الأموال على إضفاء مظهر المشروعية على أموال أو متحصلات ناشئة عن نشاط إجرامي، من خلال إجراء سلسلة من التصرفات أو المعاملات المالية أو التجارية أو المصرفية التي تستهدف إخفاء المصدر غير المشروع لهذه الأموال أو تمويهه - ومن ثم، فإن جوهر الجريمة لا يكمن في مجرد حيازة المال غير المشروع، وإنما في السلوك اللاحق الذي يستهدف قطع الصلة الظاهرة بين المال ومصدره الإجرامي، بما يحول دون اكتشاف حقيقته أو تتبع منشئه أو تحديد المستفيد الحقيقي منه - ولذلك فإن غسل الأموال لا يمثل جريمة إنتاج للمال غير المشروع، وإنما جريمة تستهدف إعادة تقديم هذا المال للمجتمع والاقتصاد في صورة تبدو مشروعة ظاهريًا، رغم أن مصدرها الحقيقي يظل غير مشروع – الكلام لـ"عمار".
ثانياً: الطبيعة القانونية الخاصة لجريمة غسل الأموال
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن غسل الأموال يمثل الجريمة الأصلية أو المصدر المباشر للعائد الإجرامي، والصحيح قانونًا أن غسل الأموال لا يكون أبدًا الجريمة الأولى أو المنشئة للمال غير المشروع، وإنما يفترض دائمًا وجود نشاط إجرامي سابق تولدت عنه متحصلات مالية غير مشروعة، فإذا كانت الجريمة الأصلية هي التي تُنتج المال القذر، فإن جريمة غسل الأموال هي التي تتولى إخفاء آثاره وتمويه مصدره وإدماجه في الدورة الاقتصادية المشروعة – هكذا يقول "عمار".
ولهذا توصف جريمة غسل الأموال بأنها الحلقة التالية في سلسلة النشاط الإجرامي، إذ تمثل الوسيلة التي يسعى من خلالها الجاني إلى الاستفادة من عوائد الجريمة الأصلية دون إثارة الشبهات أو التعرض للملاحقة الجنائية - ومع ذلك - ورغم هذا الارتباط الموضوعي الوثيق بين الجريمتين، فإن القانون المصري منح جريمة غسل الأموال كيانًا قانونيًا مستقلاً عن الجريمة الأساسية، بما يجعل لكل منهما أركانها وعناصرها وعقوبتها الخاصة – كما يرى "عمار".
ثالثاً: الأركان القانونية لجريمة غسل الأموال
1- الجريمة الأساسية "الشرط المفترض"
لا تقوم جريمة غسل الأموال إلا إذا وجدت جريمة سابقة ترتب عليها تحقيق متحصلات أو عوائد غير مشروعة، وقد اتجه المقنن المصري إلى التوسع في نطاق الجرائم الأساسية بحيث يشمل كافة الجرائم التي يترتب عليها تحقيق منفعة مالية غير مشروعة، سواء ارتكبت داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها متى كانت معاقبًا عليها في كل من القانون المصري وقانون الدولة التي ارتكبت فيها.

ومن أبرز هذه الجرائم:
1-الرشوة واستغلال النفوذ.
2-الاختلاس والعدوان على المال العام.
3-الاتجار غير المشروع بالمخدرات.
4-الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
5-الجرائم الإرهابية.
6-التهرب الجمركي والضريبي.
7-النصب والاحتيال والجرائم المالية المستحدثة.
2- محل الجريمة:
يقصد بالأموال في نطاق قانون مكافحة غسل الأموال كافة الأصول والمتحصلات أياً كان نوعها أو شكلها أو وسيلة إثبات ملكيتها، ويشمل ذلك:
1-النقود الوطنية والأجنبية.
2-الحسابات المصرفية.
3-الأوراق المالية والتجارية.
4-العقارات والمنقولات.
5-الأسهم والسندات.
6-الحقوق والمصالح المالية.
7-الأصول الرقمية أو الافتراضية متى كانت ذات قيمة مالية.
ملحوظة:
وقد تبنى المشرع مفهومًا واسعًا للأموال منعًا للتحايل على أحكام القانون أو الإفلات من نطاق التجريم.

3- الركن المادي
يتحقق الركن المادي بكل فعل من شأنه إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال.
وتتعدد صور السلوك الإجرامي لتشمل:
أ-نقل الأموال أو تحويلها.
ب-إيداعها أو استثمارها.
ج-استبدالها أو إدارتها.
د-إخفاء حقيقتها أو مصدرها أو مكانها.
هـ-دمجها في مشروعات أو أنشطة تبدو مشروعة.
ملحوظة:
ولا يشترط أن تؤدي هذه الأفعال فعليًا إلى نجاح عملية الغسل، وإنما يكفي مباشرة السلوك المجرم متى توافرت عناصر الجريمة الأخرى.
4- الركن المعنوي
غسل الأموال من الجرائم العمدية التي تستلزم توافر القصد الجنائي، ويقتضي ذلك:
أ- القصد العام
وهو علم الجاني بأن الأموال محل التعامل متحصلة من نشاط إجرامي، واتجاه إرادته إلى مباشرة السلوك المكون للجريمة.
ب- القصد الخاص
ويتمثل في نية إخفاء المصدر الحقيقي للأموال أو تمويهه أو عرقلة اكتشافه أو تمكين مرتكب الجريمة الأصلية من الاحتفاظ بعائدها والاستفادة منه، فغسل الأموال يتطلب -على ما جرى عليه قضاء النقض- توافر القصد الجنائي لدى الجاني لإخفاء مصدر الأموال المتحصلة من نشاط غير قانوني.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن استخلاص علم المتهم بالمصدر غير المشروع للأموال يدخل في نطاق السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، متى كان استخلاصها قائمًا على أدلة وقرائن سائغة تؤدي عقلاً إلى النتيجة التي انتهت إليها.
رابعاً: استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية
يُعد استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية من أهم المبادئ التي استقر عليها التشريع والقضاء، فلا يشترط لقيام جريمة غسل الأموال صدور حكم نهائي بإدانة مرتكب الجريمة الأصلية، وإنما يكفي أن يثبت للمحكمة أن الأموال محل التعامل متحصلة من نشاط إجرامي وأن المتهم كان عالمًا بذلك عند مباشرته لأفعال الغسل.
ومن ثم، فإن العبرة ليست بإدانة شخص معين عن الجريمة الأصلية، وإنما بثبوت المصدر غير المشروع للأموال محل الجريمة، وهذا الاستقلال التشريعي يهدف إلى منع الجناة من الإفلات من العقاب لمجرد تعذر الوصول إلى مرتكب الجريمة الأصلية أو تعذر محاكمته.
خامساً: المراحل العملية لغسل الأموال
تمر عمليات غسل الأموال – في صورتها التقليدية – بثلاث مراحل رئيسية:
-المرحلة الأولى: الإيداع (Placement)
ويتم خلالها إدخال الأموال المتحصلة من الجريمة إلى النظام المالي أو الاقتصادي.
-المرحلة الثانية: التمويه (Layering)
وفيها تُجرى سلسلة من العمليات المالية المعقدة والمتتابعة بهدف إخفاء العلاقة بين المال ومصدره الإجرامي.
-المرحلة الثالثة: الدمج (Integration)
وفيها يعاد توظيف الأموال داخل الاقتصاد المشروع في صورة استثمارات أو شركات أو أنشطة تجارية تبدو مشروعة.
سادساً: السياسة الجنائية للمشرع المصري
اعتمد المشرع المصري سياسة شاملة لمكافحة غسل الأموال تقوم على محورين متكاملين:
أولاً: الردع العقابي
ويشمل العقوبات السالبة للحرية والغرامات المالية المشددة، فضلاً عن المصادرة الوجوبية للأموال أو المتحصلات محل الجريمة أو ما يعادل قيمتها عند تعذر ضبطها.
ثانياً: الوقاية الاستباقية
وتتمثل في إلزام الجهات الخاضعة للقانون بتطبيق قواعد الامتثال والعناية الواجبة والإبلاغ عن العمليات المشبوهة ومنع استغلال النظام المالي في تمرير الأموال غير المشروعة.

سابعاً: دور المؤسسات المالية والجهات الخاضعة للرقابة
تمثل المؤسسات المالية والمصرفية خط الدفاع الأول في مواجهة غسل الأموال، ومن ثم تلتزم هذه الجهات بما يلي:
1-التحقق من هوية العملاء والمستفيد الحقيقي.
2-تطبيق إجراءات "اعرف عميلك" (KYC).
3-مراقبة العمليات غير المعتادة أو مرتفعة المخاطر.
4-الاحتفاظ بالسجلات والمستندات وفق المدد القانونية المقررة.
5-الإبلاغ عن العمليات المشتبه بها.
6-الامتناع عن إفشاء وجود تحريات أو بلاغات للعميل أو للغير.
خاتمة:
وفى الأخير يقول "عمار": تمثل جريمة غسل الأموال إحدى أخطر صور الجريمة الاقتصادية المنظمة، ليس لأنها تُنشئ المال غير المشروع، وإنما لأنها تمنح هذا المال القدرة على التغلغل داخل الاقتصاد المشروع متخفيًا وراء مظاهر قانونية ومالية تبدو مشروعة في ظاهرها، ومن ثم، فإن نجاح الدولة في مكافحة غسل الأموال لا يعني فقط ملاحقة مرتكبي الجريمة، وإنما يعني بالدرجة الأولى تجفيف منابع الاستفادة من العائد الإجرامي وإحكام الرقابة على مساراته المالية، بما يحول دون إعادة تدويره داخل الاقتصاد الوطني، ولذلك أصبح الإلمام بأحكام قانون مكافحة غسل الأموال ضرورة مهنية لكل محامٍ ومستشار قانوني ومتخصص في الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر، باعتباره أحد أهم التشريعات المؤثرة في بيئة الأعمال والاستثمار وحماية الاقتصاد الوطني في العصر الحديث.