الخميس، 11 يونيو 2026 10:37 ص

بعد وقائع النخانيخ.. التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية.. المشرع استحدث بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال للقضاء على الظاهرة.. والنائب العام نظم القانون بالكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2022

بعد وقائع النخانيخ.. التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية.. المشرع استحدث بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال للقضاء على الظاهرة.. والنائب العام نظم القانون بالكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2022 صبرى نخنوخ
الخميس، 11 يونيو 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

أثارت القضية المعروفة إعلامياً بقضية "صبري نخنوخ" جدلاً مجتمعياً واسعاً، وأثارت كذلك تساؤلات قانونية واسعة النطاق لم تقف عند حدود الوقائع الجنائية المنسوبة إلى المتهمين فيها، وإنما امتدت لتتصل بما كشف عنه بيان النيابة العامة من مؤشرات ودلالات على وجود أبعاد مالية متشابكة للنشاط الإجرامي محل التحقيق.  

 

وقد جاء البيان الإلحاقي الصادر عن سلطة التحقيق ليعيد إلى الواجهة أحد المفاهيم الحديثة في السياسة الجنائية المعاصرة، وهو مفهوم "التحقيقات المالية الموازية"، بما أثاره من تساؤلات حول طبيعتها القانونية، وآليات إجرائها، ومدى فاعليتها في كشف البنية الاقتصادية للجرائم، وتتبع متحصلاتها، وتجفيف منابعها التمويلية والاستثمارية.    

 

نءس

 

التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية 

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية، حيث كشف الواقع العملي والتطورات التشريعية الحديثة في مجال مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية عن حقيقة جوهرية مؤداها أن الاقتصار على التحقيق في السلوك الإجرامي المادي لم يعد كافياً للكشف عن كامل أبعاد النشاط الإجرامي أو تحديد جميع المستفيدين منه، فالكثير من الجرائم، وبصفة خاصة الجرائم المنظمة والجرائم الاقتصادية، لا تكمن خطورتها الحقيقية في الفعل الإجرامي ذاته بقدر ما تكمن في العوائد المالية الضخمة التي تترتب عليه، والتي تمثل الدافع الرئيس لاستمراره واتساع نطاقه - بحسب الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار.

 

في البداية - شهدت السياسة الجنائية الحديثة تحولاً نوعياً من التركيز على الجاني والجريمة إلى التركيز كذلك على العائد الإجرامي ومصادره ومساراته، انطلاقاً من أن حرمان الجناة من متحصلات جرائمهم لا يقل أهمية عن معاقبتهم جنائياً، وفي هذا الإطار برزت التحقيقات المالية الموازية بإعتبارها إحدى أكثر الأدوات القانونية فعالية في مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ أثبت التطبيق العملي أن تتبع التدفقات المالية المرتبطة بالنشاط الإجرامي قد يؤدي إلى اكتشاف وقائع جديدة وأشخاص لم يكونوا ظاهرين في مسرح الجريمة، فضلاً عن الكشف عن أصول ومتحصلات لم تكن محل اشتباه في بداية التحقيق – وفقا لـ"عمار".        

 

كحط

 

القانون رقم 154 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال

 

واستجابة للتطورات الدولية المتلاحقة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتماشياً مع المعايير الدولية الصادرة عن الهيئات المختصة، وفي مقدمتها مجموعة العمل المالي (FATF)، تدخل المقنن المصري بإصدار القانون رقم 154 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال الصادر بالقانون رقم 80 لسنة 2002، مستحدثاً نص المادة (17 مكرراً/1)، والتي أوجبت على جهات إنفاذ القانون وسلطات التحقيق المختصة اتخاذ إجراءات التحقيقات المالية الموازية في جرائم غسل الأموال والجرائم الأصلية المرتبطة بها، وكذلك جرائم تمويل الإرهاب، كلٌ في حدود اختصاصه – هكذا يقول "عمار".

 

ولم يقف الأمر عند حد الاستحداث التشريعي، بل جرى تدعيمه بإصدار الكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2022 عن المستشار النائب العام، متضمناً الضوابط الإجرائية والآليات العملية الواجب مراعاتها عند مباشرة هذا النوع من التحقيقات، بما يكفل توحيد التطبيق العملي وتحقيق الغاية التي استهدفها المشرع من وراء هذا النظام المستحدث، ويقصد بالتحقيقات المالية الموازية مجموعة الإجراءات والتحريات المالية والفنية التي تُجرى بالتزامن مع التحقيق الجنائي الأصلي، بقصد الكشف عن الأبعاد المالية للنشاط الإجرامي، وتتبع الأموال والمتحصلات والعوائد والأصول المرتبطة به، وتحديد المستفيدين الحقيقيين منها، وتقدير قيمتها، وبيان مدى قابليتها للتحفظ أو المصادرة وفقاً لأحكام القانون – طبقا للخبير القانونى.   

 

هيا

 

كشف الهيكل الاقتصادي للنشاط الإجرامي بأكمله

 

ولا تقتصر أهمية هذه التحقيقات على مجرد جمع الأدلة المتعلقة بالأموال محل الجريمة، وإنما تمتد إلى كشف الهيكل الاقتصادي للنشاط الإجرامي بأكمله، ورصد العلاقات المالية والتنظيمية التي تربط بين أطرافه، وتحديد الأشخاص أو الكيانات التي تضطلع بأدوار مباشرة أو غير مباشرة في إخفاء المتحصلات أو إدارتها أو استثمارها - ومن هذا المنظور - لم يعد التحقيق المالي الموازي مجرد إجراء تابع للتحقيق الجنائي التقليدي، بل أصبح مساراً تحقيقياً مستقلاً ومتكاملاً يهدف إلى تطبيق مبدأ "تتبع العائد الإجرامي"، القائم على حرمان الجناة من الثمار الاقتصادية المتحصلة من أنشطتهم غير المشروعة وتجفيف الموارد المالية التي تمثل أساس استمرارها – كما يرى "عمار".

 

وفي ضوء هذا الإطار التشريعي، أصبحت جهات إنفاذ القانون وسلطات التحقيق مطالبة بإجراء فحص مالي موسع كلما كشفت الوقائع عن وجود عائد مالي أو متحصلات ناشئة عن نشاط إجرامي، ويتجلى ذلك بصفة خاصة في الجرائم التي تنطوي بطبيعتها على تحقيق مكاسب مالية، كجرائم الاتجار غير المشروع بالمواد المخدرة، والرشوة، والعدوان على المال العام، والاتجار بالبشر، والتهرب الضريبي والجمركي، وغيرها من الجرائم الاقتصادية المنظمة.   

 

عس

 

تحديد الأموال والمتحصلات المرتبطة بالنشاط الإجرامي وتقدير قيمتها

 

ويقتضي ذلك تحديد الأموال والمتحصلات المرتبطة بالنشاط الإجرامي وتقدير قيمتها، وبيان تاريخ نشأتها، وتتبع حركة انتقالها بين الأشخاص والكيانات المختلفة، وصولاً إلى تحديد الحائز الفعلي أو المستفيد النهائي منها. كما يستلزم جمع وضبط المستندات والسجلات والوثائق ذات الصلة، بما في ذلك العقود والسجلات التجارية والملفات الضريبية والمستندات المحاسبية وكشوف الحسابات المصرفية وسائر الأدلة الرقمية والفنية المرتبطة بالواقعة.

 

ويمتد نطاق الفحص ليشمل الأجهزة الإلكترونية ووسائط التخزين الرقمية متى توافرت المبررات القانونية لذلك، مع الاستعانة بالخبراء المختصين لتحليل البيانات واستخلاص ما قد تتضمنه من معلومات تكشف عن الحسابات أو المعاملات أو الأصول المرتبطة بالنشاط الإجرامي، ويُعد تحديد تاريخ بدء النشاط الإجرامي من المسائل المحورية في التحقيقات المالية الموازية، لما يترتب عليه من آثار قانونية تتعلق بتحديد النطاق الزمني للمتحصلات التي يجوز تتبعها أو التحفظ عليها أو مصادرتها، فكلما أمكن إثبات امتداد النشاط الإجرامي لفترة زمنية سابقة، اتسع نطاق الأموال والأصول التي يمكن ربطها به، ومن ثم اتسعت دائرة المتحصلات التي تخضع للإجراءات القانونية المقررة. 

 

خهت

 

أحيانا يكشف الفحص المالي عن عمليات معقدة لإخفاء مصدر الأموال

 

وكثيراً ما تسفر التحقيقات المالية الموازية عن ظهور مؤشرات قوية على ارتكاب جريمة غسل الأموال، حتى وإن كان التحقيق الأصلي يدور حول جريمة أخرى، فقد يكشف الفحص المالي عن عمليات معقدة لإخفاء مصدر الأموال أو تمويه طبيعتها أو إدماجها في أنشطة تبدو مشروعة ظاهرياً، وهو ما يقتضي اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأن تلك الوقائع وإحالتها إلى جهة التحقيق المختصة متى توافرت عناصر الاشتباه الجدي.

 

وتبرز الأهمية العملية لهذه التحقيقات في كونها تعزز من قوة الأدلة المطروحة في الدعوى الجنائية، من خلال الربط بين الأدلة القولية والمادية والفنية والمالية، بما يسهم في تكوين صورة متكاملة للنشاط الإجرامي أمام المحكمة. كما تمكن سلطات التحقيق من كشف الامتدادات المالية والتنظيمية للشبكات الإجرامية وتحديد المستفيدين الحقيقيين من عوائدها، فضلاً عن دورها في حماية الاقتصاد الوطني من خلال تجفيف منابع التمويل غير المشروع ومنع إعادة تدوير المتحصلات الإجرامية داخل الدورة الاقتصادية المشروعة.   

 

هيي

 

أهمية التحقيقات المالية الموازية

 

ومع ذلك، فإن أهمية التحقيقات المالية الموازية لا تعني إطلاق يد سلطات التحقيق دون قيد، إذ تظل هذه الإجراءات خاضعة للضمانات الدستورية والقانونية المقررة لحماية الحقوق والحريات، فاحترام الخصوصية، وسرية البيانات والحسابات المصرفية، وضمانات المحاكمة العادلة، ومشروعية إجراءات جمع الأدلة، تمثل جميعها قيوداً واجبة الاحترام لا يجوز تجاوزها تحت أي مبرر.

 

ومن ثم يظل الدليل المالي خاضعاً لرقابة القضاء من حيث مشروعية الحصول عليه وسلامة استخلاصه وقيمته التدليلية، كما يظل من حق الدفاع منازعة التحريات والتقارير الفنية والمحاسبية والطعن على أسسها ونتائجها وإثبات مشروعية الأموال محل النزاع، تحقيقاً للتوازن بين مقتضيات مكافحة الجريمة ومتطلبات العدالة وسيادة القانون. 

 

خهنت

 

وخلاصة القول:

 

أن التحقيقات المالية الموازية تمثل أحد أبرز مظاهر التطور في السياسة الجنائية الحديثة، إذ انتقلت المواجهة القانونية للجريمة من التركيز على الفعل الإجرامي وحده إلى استهداف العائد الاقتصادي الذي يمثل الدافع الأساسي وراء ارتكابه. وقد أحسن المشرع المصري عندما أرسى لهذا النظام أساساً تشريعياً واضحاً يتيح لسلطات التحقيق تتبع الأموال والمتحصلات المرتبطة بالأنشطة الإجرامية والكشف عن المستفيدين منها، بما يعزز من فاعلية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة.  

 

وفي المقابل، فرض هذا التطور تحدياً مهنياً جديداً على المحامين والمشتغلين بالقانون، إذ أصبح الإلمام بآليات التحقيق المالي والمحاسبة الجنائية والأدلة الرقمية والتقارير المصرفية جزءاً لا يتجزأ من أدوات الممارسة القانونية الحديثة في مجال الجرائم الاقتصادية والمالية.   

 

تتءء
 
ططططط
 
 الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار

 

 

موضوعات متعلقة :

غسل الأموال.. الجريمة الأبرز فى قائمة اتهامات صبرى نخنوخ.. المشرع اعتبرها جريمة عابرة للقارات.. 3 مراحل متداخلة لتكوينها تبدأ بالإيداع.. وتُحدث تشوهات فى السوق والاقتصاد الوطنى.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة

"الستر" في القانون الجنائي.. لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني.. يعنى أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير لساحة القضاء بلا ضابط.. ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد لكل ما يمكن علمه أو إثباته

جريمة عابرة للقارات.. الجريمة المعلوماتية وموقف المشرع المصرى منها.. 3 مراحل للتطور التاريخى للجريمة الالكترونية.. 3 أنواع للجريمة.. 5 خصائص تميزها.. 9 صفات لمرتكبها.. و24 جريمة سيبرانية تتصدر المشهد

التحرش من المباشر لـ"الإلكترونى".. الجريمة تحولت لـ"رسائل" و"كومنتات" و"شير" على مواقع التواصل الاجتماعى..المشرع واجهها بالحبس 7 سنوات.. وتحويل من جنحة لجناية لخطورتها.. وشرطة نسائية لتأمين الفتيات والسيدات


print