محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "ب" - بمحكمة النقض – حكماً قضائياً فريداً من نوعه، يضع 8 ضوابط الدفاع وضمانات وصيانة الخصومة القضائية، أبرزها مجال إعلان الخصوم وضمانات التقاضي وأثر إغفال الدفاع الجوهري على صحة الحكم.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 27198 لسنة 95 قضائية، برئاسة المستشار محمد خليفة البرى، وعضوية المستشارين أحمد كمال حمدى، ورضا كرم الدين، وإسماعيل حسن يحيى، والدكتور هشام قرشى محمد، وبحضور كل من رئيس النيابة وليد غازى، وأمانة سر عبدالفضيل صالح.

الوقائع.. نزاع قضائى بين صينى الجنسية ومصرى حول إيصالات أمانة
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن المطعون ضده أقام على الطاعن الدعوى رقم 1433 لسنة 2022 مدني محكمة السويس الابتدائية بطلب الحكم بإلزامه بأن يؤدي إليه مبلغا وقدره مليون وستمائة ألف يوان صيني والفوائد القانونية بواقع 3% والتعويض عن الأضرار المادية والأدبية، وقال بيانا لذلك: إنه يداينه بالمبلغ المطالب به بموجب إيصالات أمانة، وإذ امتنع عن الوفاء به رغم إنذاره، فأقام الدعوى.
وفى تلك الأثناء – حكمت المحكمة بالطلبات، بحكم استأنفه الطاعن بالاستئناف رقم 32 لسنة 48 ق الإسماعيلية "مأمورية السويس" فقضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف، ثم طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقضه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقول: إنه تمسك أمام محكمة الموضوع ببطلان الحكم المستأنف، إذ تخلف عن الحضور في الجلسة الأولى أمام محكمة أول درجة، ولم يكن قد أعلن بصحيفة الدعوى بشخصه، فكان يستوجب على المحكمة تأجيل نظر الدعوى، وتكليف المطعون ضده بإعادة إعلانه، وكان عليها أن تستخلص صفته في الدعوى وصولا إلى ما كان شخصا طبيعيا يتعين إعادة إعلانه بصحيفة الدعوى أم أنه شخص اعتباري يكتفى بإعلانه في محل إدارته ليعتبر إعلانا لشخصه، وكان الثابت من أوراق الدعوى والطلبات فيها أنه تم اختصامه كشخص طبيعي؛ وأن إنذاره بالتكليف بالوفاء موجه إليه بشخصه، وكانت المعاملة بينهما شخصية، ولا علاقة للشركة التي يمثلها بتلك المعاملة، إلا أن المحكمة أغفلت الرد على هذا الدفاع ولم تبحثه أو تمحصه بالرغم من جوهريته وأنه لو صح لتغير وجه الرأي في الدعوى، وهو ما يعيب الحكم بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، بما يستوجب نقضه.
المبدأ الأول: إعلان صحيفة الدعوى ضمانة جوهرية لصحة الخصومة
المحكمة في حيثيات الحكم ردت على تلك الدفوع بقولها: أن إعلان صحيفة الدعوى إلى المدعى عليه ليس مجرد إجراء شكلي عابر، بل هو حجر الزاوية في انعقاد الخصومة القضائية على وجهها الصحيح. فالإعلان هو الوسيلة التي يحيط بها الخصم علمًا بالدعوى المقامة عليه، وبها تتاح له فرصة الدفاع وإبداء دفوعه وطلباته، ومن ثم فإن الإخلال بهذا الإجراء يخلّ بضمانات التقاضي العادل ويقوض أسس الخصومة ذاتها، لذلك حرص المشرع على إحاطة إعلان صحيفة الدعوى بضمانات دقيقة تكفل وصولها إلى المدعى عليه على نحو يحقق علمه الحقيقي بالدعوى، صونًا لحق الدفاع وإعلاءً لمبادئ العدالة.

المبدأ الثاني: وجوب تأجيل الدعوى إذا لم يعلن المدعى عليه لشخصه
وبحسب "المحكمة": أنه إذا تخلف المدعى عليه عن حضور الجلسة الأولى، ولم تكن صحيفة الدعوى قد أعلنت لشخصه، تعيّن على المحكمة – في غير الدعاوى المستعجلة – أن تؤجل نظر الدعوى إلى جلسة تالية، وأن تكلف المدعي بإعادة إعلان الخصم الغائب. فالمشرع لم يجز الفصل في الدعوى في هذه الحالة قبل إعادة الإعلان، وذلك ضمانًا لإحاطة المدعى عليه علمًا بالدعوى وتمكينه من الدفاع عن نفسه. فالإعلان في هذه الحالة ليس إجراءً كماليًا، بل هو شرط لازم لصحة السير في الخصومة، وإغفاله يفضي إلى بطلان ما يترتب عليه من أحكام.
المبدأ الثالث: إعلان الشخص الاعتباري في موطن إدارته يعد إعلانًا لشخصه
بيّنت المحكمة أن المشرع قد وضع حكمًا خاصًا للأشخاص الاعتبارية – العامة والخاصة – مؤداه أن إعلانها في موطن إدارتها يعد إعلانًا لشخصها، فالشخص الاعتباري لا وجود ماديًا له إلا من خلال مقره الإداري الذي تدار منه شؤونه، ومن ثم فإن إعلانه في هذا الموطن يقوم مقام الإعلان الشخصي بالنسبة له، وبذلك يختلف مركز الشخص الاعتباري عن الشخص الطبيعي الذي يتطلب القانون – في حالات معينة – إعلانه لشخصه أو إعادة إعلانه إذا لم يتحقق ذلك.

المبدأ الرابع: بطلان الحكم إذا صدر بناءً على إجراء إعلان باطل
وتضيف "المحكمة": أن الحكم الذي يبنى على إجراء إعلان باطل يكون بدوره باطلًا، لأن ما بني على باطل فهو باطل، فإذا كان القانون يوجب إعادة إعلان المدعى عليه ولم يتم ذلك، ثم صدر الحكم في الدعوى، فإن هذا الحكم يكون قد تأسس على إجراء معيب يبطله. فسلامة الإجراءات القضائية ليست مسألة شكلية محضة، بل هي ضمانة أساسية لتحقيق العدالة، إذ لا يستقيم الحكم الصحيح على إجراء فاسد.
المبدأ الخامس: وجوب بحث المحكمة للدفاع الجوهري
استقر قضاء المحكمة على أن إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلانه متى كان هذا الدفاع جوهريًا ومؤثرًا في النتيجة التي انتهى إليها، فالقاضي لا يملك أن يعرض عن دفاع قد يتغير به وجه الرأي في الدعوى دون أن يمحصه أو يرد عليه، إذ إن واجب المحكمة لا يقتصر على إصدار الحكم، بل يمتد إلى تمحيص أوجه الدفاع المطروحة عليها تمحيصًا جادًا يطمئن إليه وجدان العدالة.

المبدأ السادس: القصور في التسبيب يتحقق بإغفال الدفاع المؤثر
أوضحت المحكمة أن إغفال الرد على دفاع جوهري يعد قصورًا في التسبيب، لأن أسباب الحكم هي المرآة التي تعكس سلامة قضائه. فإذا خلا الحكم من بيان موقف المحكمة من دفاع جوهري أثير أمامها، فإن ذلك يكشف عن نقص في أسبابه الواقعية، ويحول دون مراقبة صحة تطبيق القانون عليه، مما يبطله ويوجب نقضه.
المبدأ السابع: التكييف الصحيح لصفة الخصم في الدعوى واجب على المحكمة
أكدت المحكمة أن على محكمة الموضوع أن تتحقق من صفة الخصم في الدعوى، وأن تبين ما إذا كان مختصمًا بصفته شخصًا طبيعيًا أم ممثلًا لشخص اعتباري. فاختلاف الصفة يترتب عليه اختلاف في كيفية الإعلان وآثاره القانونية. فإذا كان المدعى عليه شخصًا طبيعيًا ولم يعلن لشخصه وجب إعادة إعلانه، أما إذا كان شخصًا اعتباريًا فيكفي إعلانه في موطن إدارته. ومن ثم فإن إغفال المحكمة بحث هذه المسألة يؤدي إلى فساد في تطبيق القانون.

المبدأ الثامن: رقابة محكمة النقض على سلامة تطبيق قواعد الإعلان
خلصت المحكمة إلى أن قواعد الإعلان تمثل جزءًا من الضمانات الأساسية للتقاضي، ومن ثم فإن محكمة النقض تبسط رقابتها على مدى التزام محاكم الموضوع بهذه القواعد، فإذا تبين أن الحكم المطعون فيه قد تجاهل دفاعًا يتعلق ببطلان الإعلان أو أخطأ في تطبيق أحكامه، فإن ذلك يوجب نقض الحكم وإعادته إلى المحكمة المختصة للفصل فيه من جديد على ضوء القواعد الصحيحة.
لذلك:
نقضت المحكم الحكم المطعون فيه، وألزمت المطعون ضده بالمصروفات، ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف الإسماعيلية "مأمورية السويس".

ملحوظة:
تكشف هذه المبادئ عن حرص القضاء على صيانة حقوق الدفاع وضمانات الخصومة القضائية، إذ لا عدالة بغير علم الخصم بالدعوى المقامة عليه، ولا حكم صحيح بغير إجراءات سليمة، وقد أكدت المحكمة أن الإعلان الصحيح هو البوابة التي تدخل منها الخصومة إلى ساحة القضاء، وأن إغفال الدفاع الجوهري يعيب الحكم ويقوض بنيانه، وهكذا يظل القضاء حارسًا للإجراءات كما هو حارس للحقوق، لأن العدالة لا تقوم إلا على دعائم من الشكل السليم والمضمون العادل.



