الإثنين، 04 مايو 2026 08:24 م

مصر توحد "ملف الرؤية" في قانون الأسرة الجديدة بين المسلمين والمسيحيين.. تضع مصلحة المحضون أولوية.. ادخال الرؤية الإلكترونية لأول مرة في العلاقات الأسرية .. ونقل الحضانة مؤقتا كعقوبة لعرقلة تنفيذ حكم الرؤية

مصر توحد "ملف الرؤية" في قانون الأسرة الجديدة بين المسلمين والمسيحيين.. تضع مصلحة المحضون أولوية.. ادخال الرؤية الإلكترونية لأول مرة في العلاقات الأسرية .. ونقل الحضانة مؤقتا كعقوبة لعرقلة تنفيذ حكم الرؤية قانون الأسرة الجديد
الإثنين، 04 مايو 2026 05:54 م
كتبت- نورا فخرى

- تنظيم دقيق لمدة الرؤية لا تقل عن 3 ساعات أسبوعيا.. وسقوط حق الرؤية عند الامتناع عن سداد النفقة وإنهاء حق الرؤية عند بلوغ الطفل 15 عاما


- تقييد تنفيذ أحكام الرؤية ومنع اللجوء للقوة الجبرية.. المشرع يوازن بين حق الطفل وحقوق الوالدين بعد الانفصال

 
في قلب واحد من أكثر ملفات الأحوال الشخصية حساسية في مصر، يعود ملف "الرؤية" إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة ليس باعتباره مجرد بند إجرائي في نزاع أسري، بل كاختبار حقيقي لفلسفة تشريعية جديدة على طاولة مجلس النواب، بعد إحالة رئيس المجلس المستشار هشام بدوي، مشروعي قانون أولهما بإصدار قانون الاسرة المصرية - المعروف إعلاميا بمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين)، والثاني بإصدار قانون الاسرة للمصريين المسيحين، -المعروف إعلاميا بمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين)،  لإعادة ضبط ميزان العلاقة بين الطفل ووالديه بعد الانفصال.
 
وجاء مشروعي قانون الأسرة، المقدم من الحكومة سواء للمسلمين أو المسيحين، ليضع إطارا حاكما واحد يجمع كافة المصريين، لا يقدم تعديلات تقنية فقط، بل يطرح تصورا واضحا واسع لإعادة هندسة مفهوم العدالة داخل الأسرة المصرية.
 
المفارقة أن هذا التوحيد لا يأتي من باب المصادفة، بل من خلال بنية قانونية شبه متطابقة في الجوهر، تجعل من "الرؤية" حقا ثابتا لا يسقط بانفصال الزوجين، ولا يُختزل في رغبة أحد الأطراف، وإنما يدار بالكامل تحت مظلة معيار واحد صارم، وهي مصلحة المحضون.
 
ومن هنا، تتبدى ملامح فلسفة أكثر صرامة، إذ لا يكتفي المشروعان بتثبيت حق الرؤية للأبوين والأجداد، بل يذهبان إلى بناء منظومة تنفيذية قد تصل إلى نقل الحضانة مؤقتا، ثم إسقاطها نهائيا في حال تكرار الامتناع عن التنفيذ، وفي المقابل، يتم استبعاد فكرة التنفيذ الجبري بالقوة العامة، في محاولة لتجنب تحويل لحظة الرؤية نفسها إلى ساحة صدام أمام الطفل.
 
لكن الأكثر دلالة في هذا البناء القانوني هو إدخال الرؤية الإلكترونية كمسار رسمي، بما يعكس انتقال ملف الأسرة من الفضاء التقليدي إلى مساحة رقمية تحاول الدولة من خلالها تقليل الاحتكاك المباشر دون تعطيل الحق ذاته. وبين هذا وذاك، يأتي تنظيم الزمن (ثلاث ساعات أسبوعياً كحد أدنى) ليغلق الباب أمام الاجتهادات المفتوحة التي طالما كانت سبب في نزاعات لا تنتهي.
 
ومع اقتراب النص من نهايته، يضع المشرع نقطة بالغة الحساسية حين يقرر أن حق الرؤية ينتهي عند سن الخامسة عشرة، لينتقل القرار إلى الطفل نفسه. وهنا تحديدا، يتحول القانون من كونه أداة لإدارة العلاقة بين الأبوين، إلى اعتراف تدريجي باستقلال إرادة القاصر، في لحظة انتقال دقيقة بين الحماية والحرية.
 
وهكذا، لا يبدو مشروع القانون مجرد تعديل تشريعي جديد، بل محاولة لإعادة تعريف "الرؤية" من جذورها: من حق متنازع عليه بين بالغين، إلى مساحة مضبوطة تحكمها الدولة، وتُختبر فيها قدرتها على تحقيق معادلة صعب، وهي حماية الطفل دون أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين طرفين لا ينتهي خلافهما بانتهاء الزواج.
 
ويبدو واضحا عند قراءة مشروعي قانون الأسرة المصري، سواء للمسلمين أو للمسيحيي، أن المشرع يتحرك في مساحة شديدة الحساسية، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد تنظيم قانوني للعلاقة بين أطراف النزاع الأسري، بل بإعادة صياغة مفهوم "الرؤية" نفسه بوصفه حق إنساني متوازن بين الطفل ووالديه، في إطار يسعى إلى توحيد المنظومة القانونية للأسرة المصرية مع الحفاظ على الخصوصية الدينية في التفاصيل لا في الجوهر.
 
ومن هنا، فإن نقطة الانطلاق في كلا المشروعين تقوم على فكرة مركزية واحدة، وهي أن الرؤية ليست امتيازا يمنحه أحد الأطراف للآخر، بل حق ثابت لغير الحاضن من الأبوين والأجداد، بما يعكس تصور تشريعي يعتبر أن الروابط الأسرية لا تنقطع بانفصال الزوجين، بل تستمر تحت مظلة قانونية تنظمها الدولة لضمان استقرار الطفل نفسيا واجتماعيا.
 
وانطلاقا من هذا المبدأ، يتوسع القانونان في تأكيد أن معيار التطبيق ليس رغبة أحد الأطراف، وإنما "مصلحة المحضون" باعتبارها المعيار الأعلى الذي يعلو على أي اعتبار آخر، سواء كان قانونيا أو اجتماعيا أو حتى عاطفيا. ولذلك، فإن تحديد مكان الرؤية أو تنظيمها لا يتم بمعزل عن الحالة النفسية والصحية للطفل، بل وفق تصور يضع سلامته في قلب القرار القضائي.
 
ومع الانتقال إلى الجانب الإجرائي، لم يكتفي المشرع بوضع مبادئ عامة، بل اتجه إلى بناء منظومة تنفيذ صارمة،  حيث تقرر أن امتناع الحاضن عن تنفيذ حكم الرؤية دون عذر مقبول يؤدي إلى نقل الحضانة مؤقتا لمدة تصل إلى 3 أشهر إلي من يليه من أصحاب الحق في الحضانة، مع إلزام الملتزم بأداء نفقة الحاضن بأدائها خلال تلك المدة، ويمتد الأمر إلي إسقاط الحضانة نهائيا في حالة التكرار، مما يعكس رغبة واضحة في مواجهة ظاهرة تعطيل الرؤية، لكنه في الوقت ذاته يضع الحضانة تحت رقابة قضائية مستمرة قابلة لإعادة التوازن عند الحاجة.
 
ومن ناحية أخرى، يلفت النظر أن كلا المشروعين يتفقان على مبدأ بالغ الأهمية، وهو عدم تنفيذ حكم الرؤية جبرا بواسطة القوة العامة، مما يعكس إدارك تشريعي لحساسية هذا النوع من النزاعات، ومحاولة لتجنب تحويلها إلى صدام مباشر أمام الطفل، بما قد يضاعف الضرر النفسي بدلا من معالجته.
 
واتفق المشروعين علي اسقاط الحق في الرؤية إذا كان طالبها هو ذاته الملتزم بأداء نفقة المحضون وفقا لسند تنفيذي، ما دام امتنع  عن ادائها دون عذرة مقبول وذلك حتى يتم سداد النفقة. 
 
ومع تطور أدوات الدولة الحديثة، يظهر بوضوح إدخال مفهوم "الرؤية الإلكترونية" كتحول نوعي في تنظيم العلاقات الأسرية، حيث أتاح المشروعان إمكانية ممارسة الرؤية عن بعد، مع تنظيمها بقرارات من وزارة العدل، وإشراف قضائي مباشر من قاضي الأمور الوقتية، وذلك في محاولة لتخفيف حدة النزاع في الحالات التي تعيق فيها المسافات أو الظروف الاجتماعية الرؤية المباشرة.
 
وفي السياق نفسه، يتم ضبط مدة الرؤية (سواء كانت مباشرة أو إلكترونية) بشكل موحد تقريبا في المشروعين، بحيث لا تقل عن ثلاث ساعات أسبوعيا، مع تحديد نطاق زمني من الثامنة صباحا حتى العاشرة مساءا، مع مراعاة فصول السنة وظروف الطفل. 
 
ومع ذلك، فإن المشرع لا يتعامل مع الحق باعتباره مطلقا، بل يضع آلية لوقفه مؤقتا لمدة لا تزيد عن 3 أشهر في حالة إساءة استخدامه، سواء من خلال التغيب المتكرر دون عذر، أو من خلال تعطيل الرؤية من أحد الأطراف،  وهو ما يسمح للقضاء بإعادة ضبط العلاقة دون الدخول في قطيعة دائمةـ 
 
وفي نهاية هذا البناء القانوني، يصل المشروعان إلى نقطة بالغة الحساسية، وهي تحديد سن انتهاء الحق في الرؤية عند الخامسة عشرة من العمر، حيث ينتقل القرار من الإطار القضائي إلى إرادة الطفل نفسه، الأمر الذي يمثل تحول جوهري من منطق الوصاية القانونية إلى منطق الاستقلال التدريجي، بما يعكس إدراكا بأن الطفل مع اقتراب سن المراهقة يصبح أكثر قدرة على تحديد علاقاته الأسرية بنفسه.

الأكثر قراءة



print