الأربعاء، 11 فبراير 2026 10:22 ص

عشان نفهم.. مدي صلاحية الاعتراف الصادر من السكران في القانون المصري والفرنسي.. حجية الاعتراف مشروطة بركنين أساسيين هما الإدراك والاختيار بإرادة حرة واعية.. و"فراغ تشريعى" مصري وفرنسى يَنظُم اعتراف السكران

عشان نفهم.. مدي صلاحية الاعتراف الصادر من السكران في القانون المصري والفرنسي.. حجية الاعتراف مشروطة بركنين أساسيين هما الإدراك والاختيار بإرادة حرة واعية.. و"فراغ تشريعى" مصري وفرنسى  يَنظُم اعتراف السكران اعتراف السكران - أرشيفية
الأربعاء، 11 فبراير 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

انتشرت في الأونة الأخيرة ظاهرة السُكر في المجتمع وباتت تهدد بقائه ووجوده ولم يسلم منها أحد، فلقد فشت في النساء، كما تضخمت في الرجال، وبعض أنواع المخدر والمضاف عليه مادة "الاستروكس" تجعل الإنسان في عالم لا يرى فيه سوى نفسه وفي عالم منفصل عن الواقع لا يرى فيه سوى نفسه ولا يتبع سوى هوى نفسه ولا يستمع إلا لنفسه، عالم يجعله لا يشعر بالأخرين من حوله فلا يرى الناس حوله إلا ما يري هو، فكونه يقدم على المُسكر هو إنسان مضطرب الشخصية لا يرى سوى نفسه طمست مشاعرة وإحساسيه تجاه من حوله.

 

وهناك إشكالية كبيرة حول اعتراف السكران بالجريمة، وذلك في الوقت الذي تقرر فيه بعض التشريعات مسؤولية السكران باختياره على أساس العمد مثل القانون الألماني والسويسري وهو ما اتجه إليه محكمة النقض الفرنسية، أما المشرع المصري ففي المادة 2/62 عقوبات رفع المسئولية عن السكران إذا ما تناول المخدر أو المُسكر قصراً أو قهرا عنه، ولكنه سكت عن حالة ما إذا تناول المسكر بإختياره.   

 

2022073004010010

 

مدي صلاحية الاعتراف الصادر من السكران في القانون المصري والفرنسي

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على مدي صلاحية الاعتراف الصادر من السكران في القانون المصري والفرنسي، وذلك من خلال الإجابة على حزمة من الأسئلة فمع دخول عنصر السكر، تبرز إشكالية علمية وقانونية دقيقة هل يُعد الاعتراف صحيحًا إذا صدر عن شخص في حالة تأثير مسكر/مخدر؟ وما معيار صحة الاعتراف في هذه الحالة؟ وهل يختلف المعيار بين التشريع المصري والنظام الفرنسي؟ وكيف يستفيد الفقه والقضاء من نصوص القانون ونظرية الإرادة في التكييف؟ - بحسب أستاذ القانون الجنائى والمحامى بالنقض ياسر الأمير فاروق.

 

فى البداية - السكر سواء اكان خمور أو عقاقير أو نباتات طامة كبري، إذ من الثابت علمياً أن الإفراط في تناول المواد المخدرة أو المسكرة يفضي إلى خلل في القدرات الذهنية وفي سيطرة الشخص على ما يصدر عنه من أفعال ومقتضى ذلك رفع المسئولية الجنائية العمدية عن السكران فيما يرتكبه من جرائم سواء أكان قد تناول المخدر أو المسكر قهراً عنه أو بإختياره مادام أنه لحظة ارتكاب الجريمة كان فاقد الشعور والاختيار بسبب المسكر وهما مناط المسؤولية الجنائية - وفقا لـ"فاروق".   

 

images

 

أولاً: الأساس القانوني لصحة الاعتراف  

 

فإذا كان الإعتراف لم يعد سيد الأدلة إلا أن الاعتراف يظل من أقوي الأدلة الجنائية تأثيرًا في قناعة القاضي، لما يعكسه من إقرار مباشر على الواقعة محل البحث غير أن حجية الاعتراف مشروطة بركنين أساسيين هما: الإدراك والاختيار، وينطلق كل من الفقه والقضاء من قاعدة أن الاعتراف لا تكون له قيمة إلا إذا صدر عن إرادة حرة واعية، وهذا المبدأ يُعد ركناً ضمن أركان صحة الاعتراف، لأن الاعتراف، بخلاف مجرد الشهادة، يعبر عن اعتراف داخلي ويستلزم قدرة إدراكية ونفسية سليمة، وبالتالي، يتعين تحديد أثر السكر - الذي يُحدث اضطرابًا في الإدراك - على الإرادة ومدى تأثيره في صحة الاعتراف – الكلام لـ"فاروق".

 

ثانياً: الموقف المصري من الاعتراف الصادر من السكران

 

أ- النص التشريعي:

 

لا نصَّ صريحًا في التشريع المصري يَنظُم اعتراف السكران، لكن المادة 62/2 من قانون العقوبات تقرر رفع المسئولية الجنائية حال كان الفعل نتيجة سكر قهري، وفي ظل سكون المشرّع عن تحديد أثر السكر الاختياري على الاعتراف، ظهرت أراء فقهية تُبقي على مسئولية السكران إذا كانت إرادته حاضرة غير أن تلك الاراء تتعلق بمدى تحمل السكران للمسؤلية الجنائية وليس أثر السكر علي صحة الاعتراف كدليل اثبات – هكذا يقول "فاروق". 

 

9006-التريلا

 

ب- الاجتهاد القضائي المصري:

 

أصدرت محكمة النقض المصرية حكمها في الطعن رقم 26136 لسنة 66 ق قضائية بجلسة 7/12/1998، حيث قضت "السكر يبطل الاعتراف إذا كان ناتجًا عن تناول الخمر قهريًا، أما إذا كان تناوله المتهم باختياره فلا يبطل الاعتراف"، ومن ثمّ اشترطت المحكمة أن يكون السكر اضطرارياً أما إن كان اختياريًا، فلا يبطل الاعتراف وهو اتجاه محل نظر إذ المناط في صحة الاعتراف صدورة عن إرادة واعية بغض النظر عما إذا كان سبب عدم الوعي ناتج عن سكر اضطراري أم اختياري – طبقا لـ"فاروق".  

 

ثالثاً: الموقف الفقهي في مصر

 

يتفق فقهاء القانون الجنائي المصري على أن الاعتراف لا يصح إلا إذا صدر عن إرادة واعية، وفي موضوع السكر يرى محمود نجيب حسني أن الاعتراف الذي يصدر عن إرادة معيبة لا يصلح كدليل، ويؤكد أحمد فتحي سرور أن ما يهم هو تأثير السكر على الإدراك والتمييز أكثر من كونه اختيارًا أو اضطراراً، ويذهب عبد القادر عودة إلى أن السكر الذي يُضعف التمييز يضعف الاعتراف مهما كان سببه، ويؤكد عوض محمد عوض أنه لا قيمة لأقوال أو اعترافات من لا يدرك ما يقول، إذ يُعد ذلك من قبيل الهذيان – كما يرى أستاذ القانون الجنائى. 

 

97935-وظ

 

رابعاً: المعيار الفرنسي لصحة الاعتراف في حالة السكر

 

أ- أسس قانونية فرنسية 

 

لا يوجد نص فرنسي صريح بعنوان "اعتراف السكران"، لكن يُستمد المعيار من المادة 122‑1 من قانون العقوبات الفرنسي: «N’est pas pénalement responsable la personne qui, au moment des faits, était atteinte d’un trouble psychique ou neuropsychique ayant aboli son discernement ou le contrôle de ses actes» - أي: من كان فاقدًا التمييز أو السيطرة على أفعاله لحظة وقوع الفعل لا يكون مسئولًا جنائيًا، وكذا المادة 63‑1 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي إذ تَشترط إدراك قدرة الشخص على فهم حقوقه وقت الاستجواب، وهو ما يوازي شرط الإدراك في الاعتراف.

 

ب- الفقهي الفرنسي

 

أكد الفقه الفرنسي عدم صحة اعتراف السكران متي كان غير مدرك لأقواله بسبب السكر وبغض النظر عما إذا كان السكر اختياري أو اضطرارى، إذ المهم ما إذا كانت الإرادة الحرة قد تأثرت، وفي أي مدى إذ أن حالة نقص الإدراك تؤثر في صحة الأقوال، بما في ذلك الاعتراف، لأن الإرادة المختلة لا تعبر عن الاختيار الحقيقي. 

 

سسسس

 

ج- الاجتهاد القضائي الفرنسي

 

اعتمد القضاء الفرنسي — ولا سيما محكمة النقض (Cour de cassation) — مبدأً مفاده أن الاعتراف لا يكون صحيحًا إذا صدر في ظل اضطراب الإدراك (discernement)، ولو مؤقتًا، إذ أكدت أن معيار صحة الاعتراف يتوقف علي الإدراك لحظة الإدلاء بالأقوال وأن افتقاره يُعفي من المسئولية بما يشمل تداعيات الاعتراف كدليل، وأيضاً قررت أن الاضطراب في التمييز (بما في ذلك حالات تأثير الكحول/المخدرات) يمنع اعتبار أي اعتراف صادر عنه سليماً. 

 

788813-ووي

 

ويمكن القول بأن قيمة الاعتراف الذي يعتد به تتوقف على عدم وجود أي عيب يؤثر على حرية المتهم أو صدقه، وفقًا للمبادئ العامة لـقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، يجب أن تكون الإجراءات عادلة، متكافئة، وتحترم حقوق الدفاع، بما في ذلك افتراض البراءة للمتهم وحقه في فهم والمشاركة في جميع الإجراءات المتعلقة به - وفي هذا السياق - فإن الاعتراف الذي يُدلى به المتهم وهو تحت تأثير المسكر أو أي مادة تؤثر على وعيه قد يُعتبر غير صادر بحرية ووعي كامل. إذ يمكن للحالة الناتجة عن التسمم الكحولي أن تؤثر على قدرة المتهم على التمييز عند الأدلاء بالتصريحات .

 

لذلك، إذا ثبت أن الاعتراف صدر في وقت كان المتهم فيه غير قادر على فهم تبعات تصريحاته بسبب المسكر، فيمكن للقاضي رفض هذا الاعتراف كدليل لأنه لا يستوفي شروط الحرية والوضوح والصدق المطلوبة للإثبات في الإجراءات العادلة. 

 

images (1)

 

الخاتمة:

 

وفى الأخير يؤكد "فاروق": تؤكد الدراسة أن معيار صحة الاعتراف في السياق الجنائي يجب أن يرتبط بـ تحقق الإدراك والتمييز وقت صدور الاعتراف، لا بمفهوم ما إذا كان السكر اختياري أم اضطرارى، ومن ثم فإن أي اعتراف صادر عن شخص في حالة سكر ينبغي تقييمه تبعًا لمدى تأثر إدراكه وقياس ذلك وفقًا لطبيعة حالة السكر والظروف الواقعية.  

 
شش
 
images (2)
 
أستاذ القانون الجنائى والمحامى بالنقض ياسر الأمير فاروق 

 

 

 

موضوعات متعلقة :

التبرع بالأعضاء البشرية فى التشريعات العربية.. المشرع المصرى أباحه ونظمه بالدستور.. وأجازته الإمارات والعراق والبحرين والسعودية وقطر والسودان.. والمغرب فى مرتبة متأخرة.. وقانونى يوضح عقوبات مخالفة الشروط

"كلمة السر.. المادة 8".. الإقامة غير المشروعة للأجانب فى ميزان القانون رقم 62 لسنة 2016.. المشرّع اعتبر الجريمة من جرائم أمن الدولة.. وتطبيق المادة "8" لا يتعارض مع الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين

7 مبادئ قضائية للنقض لـ"تطبيق القانون الأصلح للمتهم".. وتقضى بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد قبل سريانه.. الحيثيات تؤكد: التخفيف يُعمل عند صدور القانون وليس نفاذه.. وتستند لمبدأ قضائى قرره المشرع الفرنسي

التجنيح القضائي وإعادة التكييف القانوني واستعمال الرأفة فى المادة 17 عقوبات.. المشرع فرق بين المصطلحات الثلاثة.. و"التجنيح" يعنى تحويل القضية من جناية لجنحة.. ومحكمة النقض تصدت للمصطلح قبل إلغائه في الستينيات


print