محكمة - أرشيفية
أصدرت محكمة جنايات مستأنف المنيا "د/2"، حكم قضائياً يُعد من الأحكام الفاصلة والمهمة في مسار العدالة الجنائية، بإلغاء عقوبة السجن المؤبد المقضي بها ضد "أب"، والمتهم بالاعتداء الجنسي على ابنته، وقضت ببراءته من هذه التهمة، تأكيدًا على القاعدة القانونية الراسخة التي تقضي بأن الشك يُفسَّر لصالح المتهم، وأن الإدانة لا تقوم إلا على الجزم واليقين لا على الظن أو العاطفة، وتأييد عقوبة السجن المشدد 3 سنوات والغرامة 10 ىلاف جنيه في اتهامه بحيازة وتعاطى المخدرات.
صدر الحكم في الاستئناف المقيد برقم 1342 لسنة 2 قضائية، لصالح المحاميان أحمد حامد، وحنان عياد، برئاسة المستشار طه عبد الله عبد العظيم، وعضوية المستشار تامر فاروق سید، ومصطفي ربيع عبد العظيم، وبحضور كل من وكيل النيابة محمد خالد عبد المالك، وأمانة سر خالد شعبان.
تفاصيل الواقعة
تعود أحداث القضية إلى واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل محافظة المنيا، بعد اتهام عامل بالاعتداء الجنسي قسرًا على ابنته تحت تهديد السلاح، إلى جانب اتهامه بحيازة مواد مخدرة، وبعد ضبط المتهم وتحرير محضر بالواقعة، أُحيل إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات، ثم أحالته إلى محكمة الجنايات.
وفي حكم أول درجة، قضت المحكمة بمعاقبة المتهم: بالسجن المؤبد عن تهمة الاعتداء الجنسي، وبالحبس ثلاث سنوات والغرامة عن تهمة حيازة وتعاطي المواد المخدرة، وجاء الحكم مستندًا إلى أقوال المجني عليها وتحريات رجال المباحث.
الاستئناف.. وبداية كشف الحقيقة
لم يرتضِ دفاع المتهم بهذا الحكم، فتقدم باستئناف جنايات، وأُعيد نظر القضية أمام دائرة جديدة، وخلال جلسات الاستئناف، قدّم الدفاع دفوعًا جوهرية كشفت عن خلل جسيم في الأساس الذي بُني عليه حكم أول درجة، والدليل العلمي يُسقط الإدانة، وأهم ما استند إليه الدفاع كان تقرير الطب الشرعي، والذي أثبت بشكل قاطع أن: تحليل الحمض النووي (DNA) المستخلص من ملابس المجني عليها لا يخص المتهم مطلقًا، وإنما يعود إلى شخص آخر مجهول الهوية.
وأكد الدفاع أن هذا الدليل العلمي القاطع يهدم ركن الإدانة الأساسي، ولا يجوز قانونًا تجاهله أو التعويل على أقوال مرسلة أو تحريات لا ترقى لمرتبة الدليل، تحريات غير منضبطة وتضارب في الأقوال، كما دفع الدفاع بأن تحريات المباحث شابها القصور والخطأ في الاستدلال، وأنها بُنيت على تصور مسبق للواقعة دون سند مادي ملموس.

وأضاف أن أقوال المجني عليها جاءت متناقضة بين ما قررته في تحقيقات النيابة العامة وما أدلت به أمام المحكمة، بما يُفقدها الثقة والاطمئنان، فضلًا عن تأخرها في الإبلاغ عن الواقعة عدة أيام دون مبرر منطقي، رغم توافر فرص الاستغاثة.
شبهة الكيدية
ودفع الدفاع أيضًا بشبهة الكيدية، موضحًا وجود خلافات سابقة بين المتهم وابنته، وقدم للمحكمة مستندات ومحادثات إلكترونية على عدد من التطبيقات، تُرجّح احتمالية تلفيق الاتهام بدافع الانتقام أو الخلاف الأسري.

حكم محكمة الاستئناف وبعد تمحيص الأوراق، وسماع المرافعات، والاطلاع على الأدلة العلمية، قضت محكمة جنايات مستأنف المنيا: بقبول الاستئناف شكلًا وفي الموضوع بإلغاء حكم السجن المؤبد الصادر عن تهمة الاعتداء الجنسي والقضاء ببراءة المتهم من هذه التهمة مع تأييد الحكم الصادر بالسجن المشدد ثلاث سنوات وتغريمه 10 الأف جنيه عن تهمة حيازة وتعاطي المواد المخدرة.
رسالة الحكم
العدالة الجنائية لا تُبنى على الشبهات أو الانطباعات، وإنما على الدليل اليقيني القاطع، وأن الدليل العلمي قد يقلب موازين القضايا رأسًا على عقب، وينصف مظلومًا، ويكشف الحقيقة مهما كانت قاسية.
خلاصة قانونية:
هذه القضية تُعيد التأكيد على أن:
- قرينة البراءة هي الأصل.
- عبء الإثبات يقع على عاتق سلطة الاتهام.
- أي شك أو احتمال في الأدلة يجب أن يُفسَّر لصالح المتهم.
- الدليل العلمي هو الفيصل الحقيقي في القضايا الجنائية.
- العدالة لا تنتصر بالصوت الأعلى.. بل بالدليل الأقوى.