محاكمة - صورة أرشيفية
مسألة تنفيذ حكم الإعدام على المتهمة الحامل من الموضوعات الشائكة التي تصدى لها قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذى من المقرر تطبيق وتنفيذ أحكامه الجديدة مع انطلاق العام القضائي التالي لإصداره، أي في الأول من أكتوبر 2026، ما يمنح القضاة وأعضاء النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي والمحامين الوقت الكافي لدراسة التعديلات والإلمام بتفاصيلها، كما يسمح بتجهيز البنية التنظيمية الجديدة التي يفرضها القانون، من أجل التنفيذ.
وخلال الفترة الماضية صدرت العديد من أحكام الإعدام ضد سيدات حوامل، أبرزها قضية المتهمة "هاجر. أ. ع."، المحكوم عليها بالإعدام شنقاً لقتلها زوجها وأطفاله الستة، والتي آثارت تساؤلاً قانونياً هاماً حول مصير تنفيذ الحكم، خاصة وأنها كانت تحمل طفلتها الرضيعة "أشرقت" (شهرين) خلال جلسة النطق بالحكم، وتأكيدًا على أولوية الاعتبارات الإنسانية داخل المنظومة القضائية، تضمّن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 نصًا يقضي بتأجيل تنفيذ حكم الإعدام بحق أي محكوم عليها إذا كانت حاملاً، بحيث لا تُنفّذ العقوبة إلا بعد مرور عامين كاملين على وضع مولودها، وليس بعد الوضع شهرين كما هو منصوص عليه في القانون الحالى.
موقف المشرع من إعدام الحامل
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية تنفيذ حكم الإعدام على المتهمة الحامل، وموقف القانون الحالي وقانون الإجراءات الجنائية الجديد، خاصة أن قانون تنظيم السجون نص في المادة 68 منه على أنه: يوقف تنفيذ عقوبة الإعدام على الحبلى إلى ما بعد شهرين من وضعها، في حين يعترف المشرع بحق الطفل في إتمام الرضاعة إذا كانت والدته محكوم عليها بالسجن، فإنه لا يسمح له بذلك حال ما إذا كان قد حكم عليها بالإعدام، حيث تعتبر تلك الضمانة للجنين وليس للمتهمة، إذ تجرى رعايتها صحيًا من مأكل وملبس هي وطفلها الرضيع، أما مسألة تنفيذ حكم الإعدام على المرأة التي وضعت لا يتم إلا بعد أن يبلغ الطفل عامين كاملين وفقا للقانون الجديد، وهذا يعد نقلة نوعية في ملف حقوق الإنسان بمصر – بحسب الخبير القانوني والمحامى رحاب سالم.
وقف التنفيذ في الأعياد الدينية والرسمية
في البداية - جاءت هذه المادة لتثبت أن حياة الطفل لا يجب أن ترتبط بعقوبة الأم، وأن الدولة ملتزمة بتوفير حماية متكاملة للاثنين خلال أشهر الحمل والمرحلة الأولى من حياة الرضيع، تجنباً لأي مخاطر صحية أو نفسية قد تهددهما، وانطلاقًا من الروح نفسها التي يقوم عليها القانون، جاء نص آخر ليحظر تنفيذ عقوبة الإعدام خلال الأعياد الرسمية للدولة أو الأعياد المرتبطة بديانة المحكوم عليه، وذلك استنادًا إلى رؤية تحترم البعد الديني والنفسي للإنسان، وتراعي مشاعر أسرته التي قد تكون في أمسّ الحاجة للابتعاد عن لحظة التنفيذ خلال الفترات الروحية الخاصة التي تمثل قيمة معنوية في المجتمع – وفقا لـ"سالم".
وبينت المادة (453) في القانون الجديد: إذا كانت المحكوم عليها بعقوبة مقيدة للحرية حبلى فى الشهر السادس من الحمل، جاز تأجيل التنفيذ عليها حتى تضع حملها وتمضى مدة سنتين على الوضع، فإذا رأى التنفيذ على المحكوم عليها أو ظهر فى أثناء التنفيذ أنها حبلى وجبت معاملتها فى مركز الإصلاح والتأهيل معاملة المحبوسين احتياطيا إلى أن تضع مولودها وتمضى أربعين يوما على الوضع - نص المادة القانونية الفاصلة - تنص المادة 473 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أنه: لا يجوز تنفيذ حكم الإعدام ضد المرأة الحامل أو المرضع، ويكون التأجيل مستمراً حتى يبلغ الطفل سنتين من عمره ويكتمل رضاعه، وذلك لضمان رعاية الطفل وضمان رفاهيته الصحية والنفسية – الكلام لـ"سالم".
التأجيل المؤقت وليس الدائم:
يشير الخبراء القانونيون، إلى أن تطبيق هذه القاعدة يهدف لحماية حقوق الطفل الذي يعتمد كلياً على أمه في الرضاعة – وعليه - فإن المحكمة ملزمة بتأجيل التنفيذ، ولكن هذا التأجيل مؤقت؛ حيث سيتم استئناف الإجراءات بعد انقضاء فترة الرضاعة القانونية اللازمة للطفل، وتبقى المحكمة هي الجهة المختصة بتحديد التوقيت النهائي لتنفيذ الحكم، مع الأخذ بالاعتبار الموازنة بين تطبيق العدالة الجنائية الصارمة وحماية حقوق الطفل القاصر الذي لم يرتكب أي ذنب.
وتضيف الخبير القانوني: أقر قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، الذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي، نصا صريحا يقضي بتأجيل تنفيذ عقوبة الإعدام على المحكوم عليها الحامل إلى ما بعد سنتين من وضعها للطفل، وتأتي هذه المادة القانونية، في إطار الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، حيث تهدف إلى حماية حياة الطفل والأم على حد سواء، وضمان عدم تعريضها لمخاطر جسدية ونفسية أثناء فترة الحمل، ويؤكد القانون، من خلال هذا النص، التزامه بمبادئ العدالة المتوازنة والرحمة الإنسانية، حيث تطبيق العقوبات القصوى يجب أن يتم دائمًا في إطار يحمي حقوق الإنسان ويوازن بين العدالة والاعتبارات الإنسانية.
بدء سريان العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد
جدير بالذكر أنه سيتم العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد بدءًا من أول العام القضائي التالي لتاريخ إصداره في 1 أكتوبر 2026، وذلك حتى يتسنى للقائمين على إنفاذه من قضاة وأعضاء نيابة عامة ومأموري ضبط قضائي ومحامين الإلمام بالأحكام المستحدثة، وإتاحة الوقت أمام المحاكم لإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية المنصوص عليها في القانون.
ودافع فقهاء عن حقوق الطفل الوليد في خروجه إلى الحياة في كنف أمه ورعايته حتى اكتمال عمره سنتين، مستندين في ذلك إلى قصة المرأة الغامدية التي حملت من زنا، وأتت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت إني قد فجرت فقال ارجعي فرجعت، فلما أن كان الغد أتته فقالت لعلك ان تردني كما رددت ماعز بن مالك فوالله إني لحبلى، فقال لها ارجعي فرجعت فلما كان الغد أتته، فقال لها ارجعي حتى تلدي فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي فقالت هذا قد ولدته، فقال لها ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه، فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يـأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرُجمت، وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) مهلا يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، وأمر بها فصلى عليها ودفنت.
رأى فقهاء الشرع الحنيف
فيما أكد علماء الأزهر الشريف، أن تأجيل عقوبة الإعدام على المرأة الحامل مطلب يتوافق مع الشريعة الإسلامية، لأنه من المهم بالنسبة للجنين أن يولد في ظروف طبيعية وفي ظل بيئة سوية، ويتطلب هذا ألا يفتح الصغير عينيه لأول مرة ليجد نفسه في أجواء بائسة تؤدي إلى إصابته بالعديد من العقد النفسية والاجتماعية، كما أن القرآن الكريم أشار إلى ضرورة توافر مثل هذه الظروف المواتية لنشأة الطفل الوليد "لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ" (البقرة 233).
ويرى فقهاء الشريعة أن "الأم" قد تكون ارتكبت جريمة تُعاقب عليها بالإعدام، ولكن ينبغي ألا يؤثر هذا في الطفل، ذلك لكونه شخصية مستقلة عن الوالدة، ومن حقه أن يتوافر له الأمان اللازم على الأقل في الفترة الأولى بعد ولادته، والمعروف في الإسلام وفي كل القوانين أن مبدأ المسؤولية الشخصية هو الذي تُبنى عليه الأحكام وتُسن القوانين، وأنه لا ينبغي أن نُحمِّل الطفل وزر الأم التي ارتكبت جريمة تستحق عليها العقاب.
