محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "ج" - بمحكمة النقض ببطلان إجراء أخذ عينة دم من شاهدة دون سند قانوني، مؤكدة أن الشاهد لا يجوز إخضاعه لإجراءات تمس سلامة جسده أو حريته الشخصية بغير اتهام أو حالة تلبس أو إذن قضائي مسبب، باعتبار ذلك اعتداءً صارخًا على الحرية الشخصية وإساءة لاستعمال السلطة، وذلك بعد مرور 7 سنوات على إدانتها حيث أن الواقعة كانت بتاريخ 2019 والحكم البات 2025.
ملحوظة:
وأخيراً محكمة النقض حسمت النزاع بمبدأ قضائياً يؤصل للحقوق والحريات بأنه لا يجوز تفتيش غير المتهم إلا وفقا للقانون أى فى حالة ما إذا كان يخفى شئ يفيد فى كشف الحقيقة أو أنه يحوز أدلة تتعلق بالجريمة، وقضت ببراءة شاهدة أمرت النيابة بإجراء تحليل دماء لها للكشف عن تعاطيها لمواد مخدرة من عدمه، وقضت بالبراءة لبطلان التفتيش والتحليل.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 15142 لسنة 93 القضائية، برئاسة المستشار محمد الخطيب وعضوية المستشارين هشام عبد الهادي، والدكتور محمد عطية، وعلي عمارة، ونادر خلف، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض عمرو إسماعيل، وأمانة سر يوسف عبد الفتاح .
الخلاصة:
محكمة النقض أقرت في ذلك الحكم ببطلان إجراء أخذ عينة دم من شاهدة دون سند قانوني، مؤكدة أن الشاهد لا يجوز إخضاعه لإجراءات تمس سلامة جسده أو حريته الشخصية بغير اتهام أو حالة تلبس أو إذن قضائي مسبب، باعتبار ذلك اعتداءً صارخًا على الحرية الشخصية وإساءة لاستعمال السلطة.
وأرست المحكمة في حكمها الصادر في الطعن رقم 15142 لسنة 93 قضائية، مبدأً قضائيًا مهمًا مفاده أن الشاهد لا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه، ولا يجوز للنيابة العامة اتخاذ إجراءات تفتيش أو تحليل طبي في مواجهته خارج الضوابط التي رسمها الدستور وقانون الإجراءات الجنائية، وإلا بطل الإجراء وسقط الدليل المستمد منه.
الشاهد لا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه
وأكدت محكمة النقض أن المشرع نظم بدقة إجراءات سماع الشهود في المواد من 110 حتى 122 من قانون الإجراءات الجنائية، وأوجب على سلطة التحقيق الالتزام بتلك القيود، مشددة على أن أي تجاوز لها يترتب عليه بطلان الإجراء وما ينتج عنه من أدلة، لا سيما إذا انطوى الإجراء على مساس بسلامة الجسد دون مقتضٍ قانوني.
وجاء الحكم بعد أن تبين للمحكمة أن النيابة العامة أمرت، عقب سماع الشاهدة وحلفها اليمين في واقعة وفاة زوجها، بأخذ عينة من دمائها وتحليلها للكشف عن تعاطيها مواد مخدرة، دون توجيه اتهام لها، ودون توافر حالة تلبس أو صدور إذن مسبب من القاضي الجزئي المختص، وهو ما اعتبرته المحكمة إجراءً تحكميًا لا سند له من القانون.
الإجراء يمثل اعتداءً على الحرية الشخصية
وانتهت محكمة النقض إلى أن هذا الإجراء يمثل اعتداءً على الحرية الشخصية المكفولة دستوريًا، وانتهاكًا لحق الشاهدة في سلامة جسدها، ويشكل إساءة استعمال للسلطة، الأمر الذي يوجب استبعاد الدليل المستمد منه، ومع خلو الدعوى من دليل آخر صالح للإدانة، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعنة.
الوقائع.. حبس زوجة لهذا السبب
اتهمت النيابة العامة كلًا من "ل. ك" و"ع. ح" الطاعنة – بأنهما في 23 من مايو سنة 2019 بدائرة القسم:
المتهم الأول: حال كونه طفل بلغ الخامسة عشر سنة ميلادية ولم يبلغ الثماني عشر سنة ميلادية:-
- أحرز جوهرين مخدرين "أفيون، حشيش" بقصد التعاطي في غير الأحوال المصرح بها قانونًا على النحو المبين بالتحقيقات .
المتهمة الثانية:
- أحرزت جوهرًا مخدرًا "حشيش" بقصد التعاطي في غير الأحوال المصرح بها قانونًا على النحو المبين بالتحقيقات .
النيابة تحيل المتهمين للمحاكمة الجنائية
وأحالتهما النيابة العامة إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهما طبقًا للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة، والمحكمة المذكورة قضت غيابيًا بجلسة 5 من أغسطس سنة 2020، بمعاقبتهما بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات وبتغريم كلٍ منهما 10 آلاف جنيه وألزمتهما المصاريف الجنائية.
وإذ أُعيدت إجراءات محاكمة المحكوم عليهما، وقضت المحكمة ذاتها حضوريًا بجلسة 5 من يوليو سنة 2023، وعملًا بالمواد 1 ، 2 ، 37/1 من القانون 182 لسنة 1960 المعدل والبند رقم "56" من القسم الثاني من الجدول رقم "1" الملحق بالقانون والمستبدل بقراري وزير الصحة رقمي 46 لسنة 1997، مع إعمال المواد 17، 55/1 ، 56/1 من قانون العقوبات، بمعاقبتها بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وبتغريمها 10 آلاف جنيه عما أسند إليها وألزمتها المصاريف الجنائية، وأمرت بإيقاف عقوبة الحبس لمدة 3 سنوات تبدأ من تاريخ هذا الحكم .
المحكمة تقضى بحبس المتهممة مع إيقاف التنفيذ والغرامة
فطعنت المحكوم عليها – بوكيل - في هذا الحكم بطريق النقض، واستندت مذكرة الطعن على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانها بجريمة إحراز جوهر الحشيش المخدر بقصد التعاطي وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا، قد شابه فساد في الاستدلال وخطأ في تطبيق القانون؛ ذلك بأن اطرح بما لا يسوغ دفع الطاعنة ببطلان إجراء التحليل لانتفاء حالة التلبس وتوافر ركن الإكراه على ذلك، وانتهاك حرمة الجسد؛ مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
المتهمة تطعن على الحكم أمام النقض لبطلان إجراء التحليل وانتفاء حالة التلبس وتوافر ركن الإكراه
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله:".... إنه بتاريخ 23/5/2019 وحال قيام الملازم أول .......... "، معاون مباحث قسم شرطة ....... " بفحص الواقعة محل القضية رقم ........ لسنة ......... إداري ......، عن واقعة وفاة المدعو........ " كويتي الجنسية " والتي صدر فيها قرار من النيابة العامة باستبعاد شبهة جناية القتل المثارة واستمرار قيد الأوراق بدفتر الشكاوى الإدارية وحفظها إداريًا، وحال عرض المتهمة......... والطفل ......... - السابق محاكمته - على النيابة العامة لسؤالهما في تلك القضية، أمرت النيابة العامة بتاريخ 22/5/2019 بعرض المتهمة على مستشفى الصحة النفسية بـ......... لتوقيع الكشف الطبي وأخذ العينات اللازمة لبيان تعاطيها للمواد المخدرة، وإعداد تقرير فني بالنتيجة، ونفاذًا لذلك تم عرض على المستشفى سالفة البيان، وثبت إيجابية العينة لجوهر الحشيش المخدر) ثم عرض للدفع المبدى من الطاعنة ببطلان القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس وانتفاء مبررات أخذ العينة واطرحه في قوله: ".... إنه من المقرر أن بطلان القبض والاعتراف بمحضر جمع الاستدلالات لا يحول دون أخذ القاضي بعناصر الإثبات الأخرى المستقلة عنها والمؤدية إلى النتيجة التي اطمأنت إليها .
محكمة النقض تفند الوقائع
ولما كان ذلك - وكان الثابت من أوراق الدعوى أن النيابة العامة أرسلت المتهمة إلى مستشفى الصحة النفسية بـ"......"، لأخذ العينات اللازمة منها لفحصها، وانتهى المعمل الكيماوي في تقريره إلى إيجابية تعاطي المتهمة لجوهر الحشيش المخدر، وقد ذكره وحدده في تقريره على وجه التحديد وهو جوهر الحشيش المخدر، وهو دليل مستقل ومنبت الصلة عن الإجراءات السابقة عليه؛ ومن ثم يكون الدفع قد جاء على غير سند من الواقع أو القانون وتقضي المحكمة برفضه ) وحيث إن المادة 54 من دستور جمهورية مصر العربية قد جرى نصها على أن :"الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق، ويجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك ، ويحاط بحقوقه كتابة ....".
المادة 54 من دستور جمهورية مصر العربية
وبحسب "المحكمة": وكان مؤدى هذا النص أن أي قيد يرد على الحرية الشخصية بوصفها حقًا طبيعيًا من حقوق الإنسان لا يجوز إجراؤه إلا في حالة من حالات التلبس كما هي معرفة قانونًا أو بمسوغ وإذن من السلطة المختصة، وكانت المادة 50 من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى نصها على أنه: "لا يجوز التفتيش إلا للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الاستدلالات أو حصول التحقيق بشأنها، ومع ذلك إذا ظهر عرضًا أثناء التفتيش وجود أشياء تعد حيازتها جريمة أو تفيد في كشف الحقيقة في جريمة أخرى، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يضبطها".
ووفقا لـ"المحكمة": كما نصت المادة 55 من القانون ذاته على أنه: "لمأموري الضبط القضائي أن يضبطوا الأوراق والأسلحة وكل ما يحتمل أن يكون قد استعمل في ارتكاب الجريمة، أو نتج عن ارتكابها، أو ما وقعت عليها الجريمة، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة ...."، وكان مفاد ذلك أن التفتيش إعمالًا للمادتين سالفتي الذكر هو أحد إجراءات التحقيق الابتدائي الذي شُرع لسلطة التحقيق المختصة مباشرته عند وقوع جريمة وإسنادها إلى شخص محدد ولغاية معينة، وهي ضبط الأشياء التي استعملت في الجريمة أو نتجت عنها أو تعلقت بها متى استلزم ذلك ضرورة التحقيق، ولم توجد وسيلة أخرى للحصول عليها.
المشرع اشترط لإجازة تفتيش "غير المتهم" قيود وضوابط
وتضيف "المحكمة": أما غير المتهم فاشترط المشرع لإجازة تفتيشه قيود إضافية بخلاف القيود الخاصة بإذن تفتيش المتهم نص عليها في المادة 206 من القانون سالف الذكر من أنه: "لا يجوز للنيابة العامة تفتيش غير المتهم أو منزل غير منزله إلا إذا اتضح من أمارات قوية أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة ....، ويشترط لاتخاذ أي إجراء من الإجراءات السابقة الحصول مقدمًا على أمر مسبب بذلك من القاضي الجزئي بعد اطلاعه على الأوراق ...."، وأيضا فقد نظم المشرع إجراءات سماع الشهود في المواد من 110 حتى 122 من ذات القانون، وكان من المقرر أنه ينبغي على السلطة الآمرة بالتفتيش والتعرض للشاهد مراعاة هذه القيود والتحقق من توافرها، وإلا بطل الإجراء وما يترتب عليه من عدم الاعتداد بالدليل المستمد منه .
النقض: الإنسان لا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه
وتابعت: لما كان ذلك - وكان البين من المفردات المضمومة، أن النيابة العامة أمرت عقب حلف الطاعنة اليمين وسماع شهادتها في ملابسات وفاة زوجها بأخذ عينة من دمائها وتحليلها للكشف عما إذا كانت تحوي آثارًا للمواد المخدرة، ودون أن يوجه لها أي اتهام، ودون توافر حالة من حالات التلبس أو الحصول على أمر مسبب بذلك من القاضي الجزئي صاحب الولاية في هذا الأمر، مع الأخذ في الاعتبار أن المرء لا يدخل بنفسه طرفًا في تقديم الأدلة، ولا يُجبر على تقديم دليل ضد نفسه أيًا كان شكله والهدف منه، طالما أن هذا الدليل غير متصل بالجريمة محل التحقيق.
وتؤكد "المحكمة": ومن ثم فإن ما قال به وكيل النيابة المحقق لا يعدو أن يكون إجراءً تحكميًا لا سند له من ظروف الدعوى وليس له ما يسوغه لانتفاء مبرراته؛ ويضحى قائمًا على غير سند من القانون، باعتباره اعتداءً صارخًا على الحرية الشخصية للشاهدة وحقها في سلامة جسدها وعدم إيذائها بدنيًا وينطوي على إساءة استعمال السلطة، فإنه يكون باطلًا ولا يعتد بالدليل المستمد منه، وكانت الدعوى قد خلت من أي دليل آخر يصلح للاستناد إليه في إدانة الطاعنة؛ بما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه والقضاء ببراءة الطاعنة؛ عملًا بالفقرة الأولى من المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959 .
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة:-بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعنة مما أسند إليها .

النقض: بطلان تحليل الدم للشاهدة وبطلان الدليل المستمد منه باعتباره إنتهاكاً لحريتها وإساءة لإستعمال سلطة النيابة 1


