لا تذهب إسرائيل إلى انتخابات الكنيست المقبلة في 27 أكتوبر 2026 وهي الدولة نفسها التي كانت قبل السابع من أكتوبر 2023. فالهجوم الذي هزّ صورتها عن «الدولة المحصنة» لم يكن أزمة أمنية فحسب، بل أحدث تصدعًا في أحد أكثر مرتكزات الهوية السياسية الإسرائيلية رسوخًا: صورة الدولة القوية القادرة على حماية مواطنيها. ومن هنا يمكن قراءة الانتخابات المقبلة باعتبارها اختبارًا لمفهوم الأمن الإسرائيلي بقدر ما هي اختبار للأحزاب والائتلافات.
تكمن المفارقة في أن بنيامين نتنياهو، الذي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته السياسية على امتلاك «الخبرة الأمنية» والقدرة على إدارة التهديدات، يواجه الانتخابات تحت ظل الإخفاق الأمني الأكبر في عهده. وقد أدى استمرار الجدل حول مسؤولية الحكومة عن إخفاقات السابع من أكتوبر إلى تحويل مفهوم الأمن من مصدر للشرعية إلى موضوع للمساءلة السياسية. وتزداد حساسية هذا السؤال مع تقارير حديثة أعادت إلى الواجهة مزاعم بأن تحذيرات سابقة للهجوم لم تُعامل بالجدية المطلوبة.
الدولة، في الخطاب السياسي الإسرائيلي، لا تُقدَّم بوصفها مؤسسة سياسية فقط، وإنما بوصفها جسدًا قادرًا على الردع والحماية والانتقام. ويُمنح القائد السياسي، في هذا التصور، صفات القوة والحسم والصلابة، بينما يُعاد تعريف التردد والتفاوض والتسوية بوصفها علامات ضعف. ولذلك يصبح الاعتراف بالفشل الأمني أكثر من اعتراف سياسي؛ إنه أزمة في الأمن القومي لإسرائيل.
بعد السابع من أكتوبر، لم يعد خطاب «الأمن» يؤدي وظيفة الحماية فقط؛ بل أصبح أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية. فكلما اتسعت دائرة التهديدات، أمكن للخطاب السياسي أن يعيد تنظيم المجتمع حول ثنائية: نحن في مواجهة الآخر. وفي هذه الثنائية تتراجع أسئلة المسؤولية والمحاسبة، وتتقدم مفردات الحرب، الردع، الانتصار، الخطر، والخيانة.
وهذا ما يجعل الخوف أحد أهم مفاتيح قراءة الانتخابات المقبلة.
الخوف من حماس، وإيران، وحزب الله، والدولة الفلسطينية، ومن انهيار الردع، لا يعمل فقط باعتباره استجابة لتهديد واقعي؛ بل يتحول إلى رأسمال سياسي. وتشير تقارير حديثة إلى أن خطاب الحملة الانتخابية اليمينية يعتمد بصورة متزايدة على التحذير من خسارة السلطة وعلى تصوير البديل السياسي باعتباره تهديدًا للأمن القومي، في وقت يعاني فيه اليمين نفسه من الانقسام.
لكن المفارقة الأكثر دلالة أن المجتمع الإسرائيلي يبدو عالقًا بين حاجته إلى الأمن وإرهاقه من الحرب. فالحملات الانتخابية تتجنب بصورة لافتة تقديم تصورات واضحة لإنهاء الحروب، لأن أي خطاب يوحي بالتراجع أو التسوية يمكن أن يُقرأ انتخابيًا باعتباره ضعفًا. وبذلك يصبح استمرار الحرب، جزءًا من بنية الخطاب الأمني الذي يصعب عليه تخيل السلام بوصفه إنجازًا أمنيًا.
ومن هنا يمكن فهم الصعود النسبي لشخصيات عسكرية سابقة، مثل غادي أيزنكوت (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق من عام 2015 حتى 2019، تُعرف عقيدته العسكرية بـ "عقيدة الضاحية" التي تعتمد على استخدام القوة التدميرية الكاسحة ضد البنية التحتية للخصوم لردعهم)، في المشهد الانتخابي: المنافسة لا تزال تدور داخل المجال الأمني نفسه، لا خارجه. أي أن البديل عن نتنياهو لا يعني بالضرورة التخلي عن مركزية الأمن أو عن منطق القوة، بل قد يعني إعادة إنتاجه بصورة أكثر مؤسسية وأقل ارتباطًا بشخص واحد. وتظهر استطلاعات حديثة أن أيزنكوت أصبح منافسًا جديًا، في حين يواجه معسكر نتنياهو مشكلة إضافية تتمثل في تشتت أصوات اليمين واحتمال عدم تجاوز بعض الأحزاب نسبة الحسم.
وعليه، فإن المعركة الانتخابية المقبلة ليست بين «يمين» و«يسار» بالمعنى التقليدي فقط، وإنما بين تصورات مختلفة للعقلية الأمنية الإسرائيلية: عقلية تقوم على القوة المطلقة والحسم والانتقام، وأخرى تحاول استعادة صورة الجيش والمؤسسة الأمنية باعتبارهما مؤسستين قادرتين على حماية الدولة دون تحويل الحرب الدائمة إلى هوية سياسية.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية:
السابع من أكتوبر لم يسقط فقط وهم الأمن الإسرائيلي؛ بل كشف اعتماد السياسة الإسرائيلية العميق على هذا الوهم بوصفه مصدرًا للشرعية.
لذلك قد تكون انتخابات الكنيست المقبلة نقطة تحول، ليس لأنها ستحدد ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يرحل فحسب، وإنما لأنها ستكشف ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي قادرًا على إعادة تعريف القوة خارج قاموس الحرب والخوف.