الأحد، 08 نوفمبر 2026 05:40 م

من وهم «الفرقة الناجية» إلى احتقار المجتمع.. الإخوان تصنع شعورا زائفا بالتفوق على المصريين.. عقلية الاستعلاء التنظيمى حولت الانتماء إلى الجماعة الإرهابية من اختيار فكرى إلى معيار للحكم على الآخرين

من وهم «الفرقة الناجية» إلى احتقار المجتمع.. الإخوان تصنع شعورا زائفا بالتفوق على المصريين.. عقلية الاستعلاء التنظيمى حولت الانتماء إلى الجماعة الإرهابية من اختيار فكرى إلى معيار للحكم على الآخرين الاخوان
الأحد، 08 نوفمبر 2026 04:00 م
كتب ـ هشام عبد الجليل
 
 
لم تتعامل جماعة الإخوان الإرهابية مع المجتمع المصري باعتباره كياناً وطنياً متنوعاً تتساوى جميع فئاته في الحقوق والواجبات، وإنما أسست داخل بنيتها التنظيمية تصوراً يقوم على التمايز بين المنتمين إليها وغير المنتمين، حتى تحول الانضمام إلى التنظيم في عقلية أتباعه إلى شهادة تفوق معنوي وفكري، لا مجرد انتماء إلى جماعة سياسية أو دعوية، وبدلاً من احترام اختلاف المصريين وتعدد اتجاهاتهم، دفعت هذه النظرة إلى صناعة حدود نفسية وتنظيمية تفصل أعضاء الجماعة عن محيطهم، وتمنحهم شعوراً بأنهم أصحاب رسالة استثنائية، بينما يصبح الآخرون مجرد جمهور يحتاج إلى التوجيه والإقناع والاحتواء.
 

أخطر مشكلات تنظيم الإخوان الإرهابى

وكشفت هذه العقلية عن واحدة من أخطر مشكلات التنظيم الإرهابي، وهي تحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى مسألة تتعلق بمستوى الوعي والالتزام، بحيث يصبح العضو الذي يلتزم بتعليمات القيادة أقرب إلى الصورة المثالية داخل التنظيم، بينما ينظر إلى صاحب الرأي المستقل باعتباره أقل انضباطاً أو أكثر عرضة للتأثر بأفكار المجتمع، ولم يكن هذا التصور مجرد خلاف في وجهات النظر، بل ارتبط ببنية تنظيمية تمنح الجماعة أولوية على الروابط الوطنية والاجتماعية، وتدفع أتباعها إلى قياس المواقف والأشخاص بمدى قربهم من التنظيم، لا بمدى كفاءتهم أو نزاهتهم أو قدرتهم على خدمة الوطن.
 
وأنتج هذا المنهج حالة من الاستعلاء الفكري، تقوم على الاعتقاد بأن أعضاء الجماعة يمتلكون فهماً أكثر اكتمالاً للدين والسياسة والمجتمع، وهو ما أضعف قدرتهم على الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، فالمواطن الذي لا ينتمي إلى الجماعة ليس خصماً بالضرورة، لكنه في منطق هذه العقلية لا يحظى بالمكانة نفسها التي يمنحها التنظيم لأعضائه، حتى عندما يمتلك خبرة علمية أو مهنية أو سياسية تفوق خبرات المنتمين إليه، وهنا تظهر خطورة تحويل الانتماء التنظيمي إلى معيار لتقييم البشر، لأن المجتمع لا يمكن أن يدار بمنطق العضوية والولاء، ولا يمكن اختزال الكفاءة الوطنية في بطاقة انتماء إلى تنظيم بعينه.
 
وروجت الجماعة الإرهابية عبر خطابها التنظيمي لفكرة أن أتباعها يحملون مشروعاً يتجاوز حدود العمل السياسي التقليدي، الأمر الذي أوجد لدى قطاعات من المنتمين إليها شعوراً بأنهم يمثلون النموذج الأكثر التزاماً وصواباً، وأن بقية التيارات والقوى الوطنية لا تمتلك الرؤية نفسها، وتحولت هذه الفكرة إلى حاجز أمام الحوار الحقيقي، لأن الحوار يفترض الاعتراف المتبادل، بينما يقوم الاستعلاء على افتراض امتلاك طرف واحد للحقيقة والحق في توجيه الآخرين، وبهذا المنطق لم تعد المنافسة السياسية مجالاً لتقديم البرامج ومقارنة النتائج، وإنما أصبحت في بعض صور الخطاب التنظيمي اختباراً للانتماء إلى مشروع الجماعة أو الابتعاد عنه.
 
وأضعفت هذه النظرة قدرة التنظيم على استيعاب التنوع المصري، الذي يمثل أحد أهم ملامح المجتمع، ويضم أصحاب توجهات سياسية وفكرية وثقافية مختلفة، تجمعهم المواطنة والدستور والقانون، فبدلاً من بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، غذت العقلية الإخوانية الانغلاق داخل الدوائر التنظيمية، وأعطت الأولوية للروابط الداخلية على حساب الثقة المجتمعية، وظهر ذلك في صعوبة قبول النقد المستقل، والتعامل مع الاعتراض باعتباره تحدياً للقيادة، والتعامل مع الاختلاف باعتباره خروجاً عن المسار الذي يحدده التنظيم.
 
وكشفت تجربة الجماعة الإرهابية في المجال العام عن التناقض بين خطاب تقديم الذات باعتبارها ممثلاً للمجتمع، وبين ممارسة سياسية وتنظيمية لا يمكن أن تستوعب المجتمع بكل اختلافاته إذا ظلت أسيرة منطق الجماعة المغلقة، فالمجتمع المصري أكبر من أي تنظيم، والدولة ليست امتداداً لكيان حزبي أو دعوي، والشرعية الوطنية لا يمنحها الانتماء إلى جماعة، وإنما تستند إلى الدستور والقانون والإرادة الشعبية واحترام حقوق المواطنين، ومن ثم فإن أخطر ما في خطاب التفوق التنظيمي ليس مجرد المبالغة في تقدير الذات، بل محاولة نقل هذه المبالغة إلى المجال العام وتحويلها إلى أساس للنفوذ والقرار.
 
واستهدف هذا التصور في جوهره إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع، بحيث يتقدم الانتماء التنظيمي على الانتماء الوطني، وتصبح تعليمات الجماعة مرجعاً أعلى من قواعد المشاركة العامة، وهذه معادلة خطيرة لأنها تضعف استقلال المواطن، وتختزل دوره في تنفيذ التوجيهات، وتنتقص من قيمة المبادرة الفردية، كما أنها تتعارض مع فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على مؤسسات مستقلة ومواطنين متساوين، لا على مجموعات مغلقة تتنافس على احتكار تمثيل المجتمع.
 
 

جماعة الإخوان الإرهابية ساهمت فى تعميق الانقسام بين أتباعها ومحيطهم

ويكشف تفكيك هذه العقلية، أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تقدم نموذجاً صالحاً لإدارة التنوع، وإنما ساهمت في تعميق الانقسام بين أتباعها ومحيطهم، عبر خطاب يرفع قيمة الانتماء الداخلي ويقلل من قيمة الاختلاف الخارجي، ولا يمكن بناء وطن قوي على قاعدة أن فريقاً واحداً يمتلك الحقيقة، بينما يحتاج الآخرون إلى وصايته؛ فالمواطنة لا تعرف الفرقة الناجية في السياسة، ولا تمنح أي تنظيم حق تصنيف المصريين إلى درجات، وستظل هذه النظرة واحدة من أبرز نقاط الضعف في المشروع الإخواني، لأنها تصطدم بطبيعة مصر وتاريخها وتنوع شعبها، وتكشف أن الجماعة التي ادعت تمثيل المجتمع لم تستطع التحرر من عقلية التنظيم المغلق.
 
 
 

موضوعات متعلقة :

"الخطاب المزدوج" باحث يكشف تناقض شعارات الإخوان مع مواقف قياداتها من حقوق الأقباط.. الجماعة ترفع شعار "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" في العلن وتقيد توليهم المناصب في الداخل.. مواطنة على الورق ومساواة غائبة

تجارة المظلومية الإخوانية.. دموع التماسيح سلاح التنظيم الإرهابي للهروب من المسؤولية وتقمص دور الضحية.. كيف يحول الإخوان كل إخفاق إلى مؤامرة وكل مساءلة إلى اضطهاد وكل أزمة إلى مشهد جديد في مسرحية التعاطف؟

"دولة موازية داخل الإخوان" من يحكم التنظيم ويحاسب قياداته؟.. باحث يكشف كواليس الصراع على النفوذ والتمويل ومراكز القرار.. هيكل مغلق يُعطل تداول السلطة ويُهمش الكفاءات ويبقي الانقسامات رهينة صراع المصالح والقيادة

تاريخ أسود من الخيانة والإرهاب.. جماعة الإخوان الإرهابية دمرت مفهوم الدولة والولاء الوطني لصالح تنظيم سري قائم على الجهل والطاعة الأعمى.. واستبدال الكفاءات بالأتباع لتفكيك المؤسسات ورهن مقدرات الوطن للخارج


الأكثر قراءة



print