في وقت تتزايد فيه أهمية التوسع في الأسواق الخارجية وتعزيز تنافسية المنتجات المصرية، يبرز دور الوكالة المصرية لضمان الصادرات والاستثمار باعتبارها إحدى الأدوات التي تستهدف دعم المصدرين المصريين، ومساعدتهم على التعامل مع الأسواق التي تتسم بارتفاع المخاطر، من خلال إطار مؤسسي متخصص يرتبط بالتوجهات الاقتصادية للدولة.
وفي هذا السياق، تبدأ لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، غدا الاثنين، مناقشة مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون الوكالة المصرية لضمان الصادرات والاستثمار، الصادر بالقانون رقم 178 لسنة 2023.
ولا تقتصر أهمية التعديلات المقترحة على إعادة تنظيم الهيكل الإداري للوكالة، وإنما تمتد إلى تحديد الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسواق الخارجية والقطاعات الاقتصادية المستهدفة، وإدارة المخاطر الائتمانية، والتعامل مع المشروعات التي تتمتع بأهمية استراتيجية للدولة.
لماذا تحتاج مصر إلى وكالة لضمان الصادرات والاستثمار؟
تقوم فلسفة إنشاء الوكالة المصرية لضمان الصادرات والاستثمار على مواجهة أحد التحديات المرتبطة بالتوسع التجاري الخارجي، والمتمثل في ارتفاع المخاطر التي قد تواجه المصدرين عند التعامل مع بعض الأسواق، خاصة الأسواق الناشئة.
وبحسب المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، صدر القانون رقم 178 لسنة 2023 بهدف دعم الصادرات المصرية وتعزيز قدرتها التنافسية إقليميًا ودوليًا، استجابة لحاجة المصدرين المصريين إلى التوسع في التعامل مع الأسواق التي تتسم بارتفاع المخاطر.
وجاء إنشاء الوكالة في شكل شركة مساهمة مصرية يمتلك البنك المركزي المصري كامل أسهمها، بما يوفر لها الإطار المؤسسي والقدرات المالية اللازمة لأداء دورها الاستراتيجي في خدمة الاقتصاد الوطني.
وتكمن أهمية هذا الدور في توفير آلية متخصصة للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالتصدير والاستثمار، بما يدعم قدرة الشركات المصرية على دراسة فرص التوسع الخارجي والتعامل مع أسواق قد تنطوي على مستويات مرتفعة من المخاطر.
من دعم المصدرين إلى تحديد أولويات الأسواق
تمنح التعديلات المقترحة أهمية خاصة لربط أنشطة الوكالة بالتوجهات الاقتصادية والاستراتيجية للدولة، من خلال تحديد أولويات عملها وفقًا للقطاعات الاقتصادية المستهدفة والدول التي تباشر فيها أنشطتها.
ويعني ذلك أن تحديد الأسواق والقطاعات ذات الأولوية لن يكون مجرد قرار تشغيلي، وإنما يدخل ضمن الاختصاصات الاستراتيجية للجمعية العامة غير العادية للوكالة.
ومن شأن هذا التنظيم، حال إقراره، أن يوفر إطارا لاتخاذ القرارات المتعلقة بالتوسع في الأسواق الخارجية وفقًا للأولويات الاقتصادية للدولة، مع مراعاة طبيعة المخاطر المرتبطة بكل سوق أو قطاع.
لماذا تتدخل الحكومة لتعديل القانون؟
تكشف المذكرة الإيضاحية التي حصلت عليها "اليوم السابع" أن المراجعة الشاملة لقانون الوكالة، وقياس آثاره التشريعية في ضوء التطبيق العملي، أظهرا وجود بعض الإشكاليات التي تستدعي التدخل التشريعي.
وتتمثل أبرز هذه الإشكاليات في آلية تشكيل الجمعية العامة واختصاصاتها، والنظام الأساسي للوكالة، وبعض الصلاحيات اللازمة لتحقيق أهدافها، خاصة فيما يتعلق بالقطاعات الاقتصادية المستهدفة والأسواق التي تباشر فيها أنشطتها.
ولهذا يستهدف مشروع القانون إعادة تنظيم المادة 11، بما يسمح بتشكيل الجمعية العامة بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناءً على عرض محافظ البنك المركزي المصري، مع إتاحة مشاركة ممثلين عن الجهات ذات الصلة أو أصحاب الخبرات المتخصصة.
كما يستهدف التعديل تأكيد الطبيعة الخاصة للوكالة، باعتبار أن أنشطتها يغلب عليها الطابع المصرفي، مع مراعاة ارتباطها بالأحكام المنظمة للشركات المملوكة للبنك المركزي المصري.
ماذا تقول النصوص التشريعية الجديدة؟
يتضمن مشروع القانون استبدال نص المادة 11 من القانون رقم 178 لسنة 2023، لتنظيم إصدار النظام الأساسي للوكالة وتشكيل جمعيتها العامة وتحديد اختصاصاتها.
وينص المشروع على أن يصدر النظام الأساسي للوكالة بقرار من محافظ البنك المركزي المصري، بعد موافقة مجلس إدارة البنك، على أن يتضمن تنظيم تشكيل مجلس إدارة الوكالة واختصاصاته، وكيفية انعقاد اجتماعاته والتصويت على قراراته.
كما ينص على تشكيل الجمعية العامة للوكالة بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناءً على عرض محافظ البنك المركزي المصري.
ويقسم النص التشريعي الجديد اختصاصات الجمعية العامة إلى نوعين، عادية وغير عادية، بما يفصل بين القرارات المتعلقة بإدارة الأداء المالي والإداري، وتلك المرتبطة بالتوجهات الاستراتيجية للوكالة.
الجمعية العامة العادية.. رقابة على الأداء والمال
وفقا للنص المقترح للمادة 11، تختص الجمعية العامة العادية للوكالة بستة أمور رئيسية تتمثل في اعتماد تقرير مجلس الإدارة عن نتائج أعمال الوكالة، اعتماد تقرير مراقبي الحسابات، اعتماد القوائم المالية للوكالة، الموافقة على مشروع توزيع الأرباح، اعتماد الموازنة التقديرية للوكالة، أي مسائل أخرى ينص عليها النظام الأساسي.
وتستهدف هذه الاختصاصات تنظيم متابعة الأداء المالي والإداري، من خلال إسناد مراجعة نتائج الأعمال والحسابات والموازنة إلى الجمعية العامة العادية.
الجمعية العامة غير العادية.. قرارات استراتيجية واقتصادية
تمنح التعديلات الجمعية العامة غير العادية ست صلاحيات تتصل بمستقبل الوكالة وتوجهاتها الاقتصادية.
وتشمل هذه الاختصاصات تعديل النظام الأساسي للوكالة، وتقرير زيادة رأس المال المرخص به، وإطالة المدة المحددة للوكالة.
أما الاختصاصات الأكثر ارتباطا بدورها الاقتصادي فتتمثل في ثلاثة محاور أساسية.
أولا: تحديد الأسواق والقطاعات المستهدفة
ينص المشروع على اختصاص الجمعية العامة غير العادية بـ"تحديد أولويات عمل الوكالة من حيث القطاعات الاقتصادية المستهدفة والدول التي تباشر الوكالة فيها أنشطتها، بما يتوافق مع توجهات الدولة الاستراتيجية".
ويضع هذا النص تحديد أولويات التوسع الخارجي ضمن القرارات الاستراتيجية للوكالة، بما يربط أنشطتها بالتوجهات الاقتصادية للدولة.
ثانيًا: تحديد مستويات المخاطر
تختص الجمعية العامة غير العادية بالموافقة على مستويات إجمالي وصافي التعرض للمخاطر والحدود الائتمانية لكل قطاع أو دولة، بحسب الأحوال.
وتكتسب هذه الصلاحية أهميتها من طبيعة عمل الوكالة، التي تستهدف التعامل مع الأسواق ذات المخاطر المرتفعة، بما يستلزم وجود ضوابط واضحة لحجم المخاطر التي يمكن تحملها.
ثالثا: إقرار المشروعات ذات الأهمية الاستراتيجية
يتضمن المشروع نصا يتيح للجمعية العامة غير العادية "إقرار المشروعات التي تتجاوز درجة المخاطر المرتبطة بها الحدود الفنية المعتمدة، متى تبين أن للمشروع أهمية استراتيجية للدولة".
ويمثل هذا الاختصاص أحد أبرز التعديلات المقترحة، إذ يسمح بالنظر في مشروعات تتجاوز مستويات المخاطر المعتادة، بشرط ثبوت أهميتها الاستراتيجية للدولة، وبموجب قرار من الجمعية العامة غير العادية.
ما أهمية التعديلات للاقتصاد المصري؟
تتمثل الأهمية الاقتصادية لمشروع القانون في تطوير الإطار المؤسسي الذي تعمل من خلاله الوكالة، وتوضيح الصلاحيات المتعلقة بتحديد الأسواق المستهدفة وإدارة المخاطر واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
كما يتيح التنظيم المقترح مشاركة جهات ذات صلة وخبرات متخصصة في الجمعية العامة، بما يستهدف دعم قدرتها على اتخاذ القرارات المرتبطة بطبيعة عمل الوكالة.
وبالنسبة للمصدرين، فإن أهمية هذه التعديلات ترتبط بالدور الأصلي للوكالة في دعم الصادرات والتعامل مع مخاطر الأسواق الخارجية، وإن كان مشروع القانون لا يتضمن في ذاته منح حوافز مالية مباشرة للمصدرين أو استحداث برامج ضمان محددة.
ويظل الأثر الفعلي للتعديلات على حركة الصادرات والاستثمار مرهونًا بكيفية تطبيقها والقرارات التي ستتخذها الوكالة في إطار اختصاصاتها.
متى تدخل التعديلات حيز التنفيذ؟
يتكون مشروع القانون من مادتين، تتضمن الأولى استبدال نص المادة 11 من القانون القائم، فيما تنص المادة الثانية على نشر القانون في الجريدة الرسمية والعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره.
ويمثل مشروع القانون خطوة تشريعية مقترحة لإعادة تنظيم عمل الوكالة المصرية لضمان الصادرات والاستثمار، وتحديد صلاحياتها في التعامل مع الأسواق الخارجية والمخاطر والمشروعات الاستراتيجية، بما يتوافق مع الهدف الأساسي من إنشائها، وهو دعم الصادرات المصرية وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.