محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية والتجارية "ب" ايجارات – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يوضح شرطاً من شروط المساكنة التي تُنْشِئ حقًا فى البقاء بالعين للمنتفعين من غير الأقارب، قالت فيه: "المساكنة تُنشئ حقًا في البقاء بالعين رغم عدم وجود صلة قرابة بالمستأجر الأصلي، بشرط ثبوت المساكنة منذ بدء العلاقة الإيجارية واستمرارها دون انقطاع".
صدر الحكم في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 4672 لسنة 94 القضائية، برئاسة المستشار عمرو محمد الشوربجي، وعضوية المستشارين أشرف عبد الحي القباني، ورفعت إبراهيم الصن، وعاطف محمد صبحي، ووائل فتح الله الطويل، وبحضور كل من رئيس النيابة بهاء محمد كامل، وأمانة سر عاشور فرج.
الوقائع.. المالك يقيم دعوى قضائية لطرد "سيدة" من العين بحجة "وضع اليد"
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن الطاعن أقام على المطعون ضدها الدعوى رقم 232 لسنة 2019 مدني حلوان الابتدائية بطلب الحكم بطردها من الشقة المبينة بالصحيفة والتسليم، وقال بياناً لها إنه المالك لعين النزاع، وأن المطعون ضدها تضع يدها عليها دون سند، فأقام الدعوى.
ثم وجهت المطعون ضدها دعوى فرعية بطلب الحكم بامتداد العلاقة الإيجارية لها لمساكنتها المستأجرة الأصلية منذ بدء الإجارة.
"السيدة" توجه دعوى بطلب الحكم بامتداد العلاقة الإيجارية لها لمساكنتها المستأجرة الأصلية
وفى تلك الأثناء - حكمت المحكمة بالطلبات في الدعوى الأصلية، وبرفض الدعوى الفرعية، ثم استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم بالاستئناف رقم 4974 لسنة 139 ق القاهرة، ثم أحالت المحكمة الاستئناف للتحقيق وبعد أن استمعت لشهود المطعون ضدها، قضت بتاريخ 14 ديسمبر 2023 بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعوى الأصلية، وبالطلبات في الدعوى الفرعية. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
محكمة أول درجة تقضى بالطرد.. و"الاستئناف" تلغى الطرد
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال إذ قضى بامتداد العلاقة الإيجارية للمطعون ضدها تأسيساً على توافر شروط المساكنة في حقها لإقامتها بالعين محل النزاع مع المستأجرة الأصلية - والدتها بالتبني - منذ بدء الإيجار وحتى وفاتها، مستدلاً على ذلك بأقوال شهود المطعون ضدها الذين سمعتهم محكمة الاستئناف رغم أن أقوال الشهود لا تقطع بإقامتها بالعين مع المستأجرة الأصلية منذ بدء العلاقة الإيجارية بما تنتفي معه شروط حصول المساكنة، وهو ما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
النزاع يصل لمحكمة النقض
المحكمة في حيثيات الحكم ردت على تلك الدفوع بقولها: وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن المساكنة تنشئ للمنتفعين بالعين المؤجرة من غير الأقارب المنصوص عليهم في المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 حقاً في البقاء فيها بالرغم من ترك المستأجر لها أو وفاته بشرط أن يثبت حصول المشاركة السكنية منذ بدء الإجارة، وأنه وإن كان تقدير حصول المشاركة السكنية منذ بدء الإيجار واستمرارها دون انقطاع وتقدير أقوال الشهود هو مما تستقل به محكمة الموضوع باعتبارها من مسائل الواقع إلا أن شرط ذلك أن يكون تحصيلها متفقاً مع الثابت من الأوراق وألا تخرج بأقوال الشهود عما يؤدى إليه مدلولها وأن تكون قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة ومؤدية إلى النتيجة التي انتهت إليها.
وبحسب "المحكمة": كما أن من المقرر أن أسباب الحكم تكون مشوبة بالفساد في الاستدلال إذا انطوت على عيب يمس سلامة الاستنباط ، ويتحقق ذلك إذ تساندت المحكمة في اقتناعها إلى أدلة غير صالحة من الناحية الموضوعية للاقتناع بها أو إلى عدم فهم العناصر الواقعية التي تثبت لديها أو وقوع تناقض بين هذه العناصر كما في حالة عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها بناءً على تلك العناصر التي تثبت لديها بأن كانت الأدلة التي قام عليها الحكم ليس من شأنها أن تؤدى عقلاً إلى ما انتهى إليه أو استخلص من الأوراق واقعة لا تنتجها .
النقض تنصف "السيدة" بشرط ثبوت المساكنة منذ بدء العلاقة الإيجارية واستمرارها دون انقطاع
ووفقا لـ"المحكمة": لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بامتداد العلاقة الإيجارية إلى المطعون ضدها وبرفض دعوى الطاعن بالطرد على سند من توافر شروط المساكنة في حقها لإقامتها مع المستأجرة الأصلية - والدتها بالتبني - منذ بدء الإجارة وحتى وفاتها مستدلاً علي ذلك بأقوال شهود المطعون ضدها أمام محكمة الاستئناف، وإذ كان هذا الذي خلص إليه الحكم غير سائغ، ولا يؤدي إليه مدلول تلك الشهادة ذلك أن الحكم المطعون فيه لم يستظهر تاريخ بدء العلاقة الإيجارية، وما إذا كانت إقامة المطعون ضدها المحكوم لها بالامتداد معاصرة لذلك التاريخ من عدمه.
وتابعت: كما أن الثابت حسبما أورد الحكم المطعون فيه - أن أقوال الشهود جميعاً لم تقطع بإقامة المطعون ضدها مع المستأجرة الأصلية منذ بدء الإجارة، حيث شهدوا جميعاً أن المطعون ضدها كانت يتيمة ومهجرة من مدينة بورسعيد، فتبنتها المستأجرة الأصلية والتي كانت آنذاك مديرة لإحدى الجمعيات الخيرية وأقامت المطعون ضدها مع المستأجرة الأصلية وابنتها وتدعي "....." بالشقة الكائنة بشارع منصور، ثم توفيت المستأجرة الأصلية واستمرت هبة والمطعون ضدها بالإقامة بذات العين، ثم انتقلا لشقة أخرى بالاتفاق مع ملاك العقار وأقاما بها إلي أن توفيت هبة، ومن ثم فإن الحكم يكون قد خرج عن مدلول تلك الشهادة، وبنى قضاءه على واقعة لا سند لها في أوراق الدعوى، وهو ما يصمه بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب بما يوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة، وألزمت المطعون ضدها بالمصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة .
وفى هذا الشأن – تقول الخبير القانوني والمحامية رحاب سالم: أقام "مالك" شقة دعوى قضائية أمام محكمة أول درجة يطالب فيها بطرد سيدة من الشقة وتسليمها له، على سند أنها تضع يدها عليها دون سند قانوني - في المقابل - أقامت المطعون ضدها دعوى فرعية تطلب فيها امتداد العلاقة الإيجارية لها، باعتبارها ابنة بالتبني للمستأجرة الأصلية وأنها كانت تقيم معها بصفتها "مساكنة" منذ بدء الإجارة، محكمة أول درجة قضت بطرد المدعى عليها ورفض دعواها الفرعية، إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم وقضت بامتداد العقد لها، إلا أن محكمة النقض نقضت الحكم وأحالت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة.
وتضيف "سالم" في تصريح لـ"برلماني": العناصر القانونية الهامة المستفادة من الحكم:
1-طبيعة المساكنة وشروطها:
المساكنة تنشئ للمنتفعين بالعين من غير الأقارب المنصوص عليهم حصراً في المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 حقاً في البقاء بالعين عند ترك المستأجر لها أو وفاته.
2-الشرط الأساسي لصحة المساكنة هو ثبوت المشاركة السكنية منذ بدء العلاقة الإيجارية واستمرارها دون انقطاع.
3-سلطة محكمة الموضوع وضوابطها:
وإن كان تقدير أقوال الشهود والمشاركة السكنية من سلطة محكمة الموضوع، إلا أن شرط ذلك أن يكون تحصيلها متفقاً مع الثابت بالأوراق وألا تخرج بأقوال الشهود عما يؤديه مدلولها.
عيب الفساد في الاستدلال:
4-اعتبرت محكمة النقض أن حكم الاستئناف مشوب بـ "الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب"؛ لكونه استند لأقوال شهود لم تقطع بيقين بإقامة المدعية مع المستأجرة الأصلية منذ تاريخ بدء الإجارة ذاته، فضلاً عن عدم استظهار تاريخ بدء الإجارة ومعاصرته لإقامة المطعون ضدها.