التصالح فى جرائم الدم - أرشيفية
قراءة قانونية في أثر المادة "22" من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وذلك بعد تأجيل العمل بالقانون 174 لسنة 2025 وتأجيل تطبيق نصوصه لعام كامل يبدأ مع بداية العام القضائي 2028/2027؛ طبقا للقانون 160 لسنة 2026م؛ وقرار وزير العدل رقم 5209 لسنة 2026 الصادر في 2026/9/30 م يبقى السؤال: هل يستفيد المتهمون المعنيون بالمادة 22 منه؟ وكيف طبقت محكمة النقض المصرية هذه الاستفادة استباقا للموعد المحدد لتطبيق نصوص القانون بالمادة السادسة منه؟
"الشروع في القتل.. الشريك في القتل العمد البسيط.. العاهة المستديمة.. والضرب أو الجرح المفضي إلى الموت مع سبق الإصرار أو الترصد".. 4 إشكالات دقيقة تكشف أزمة المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 والتي تثير مسألة أعمق من مجرد تحديد الجرائم التي يجوز فيها الصلح كسبب مستحدث يخفف العقوبة في حدود المادة 17 عقوبات.

هل يستفيد المتهمون المعنيون بالمادة 22 منه؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على حزمة من الأسئلة والإشكاليات والإجابة عليها أبرزها هل يستفيد المتهمون المعنيون بالمادة 22 منه؟ وكيف طبقت محكمة النقض المصرية هذه الاستفادة استباقا للموعد المحدد لتطبيق نصوص القانون بالمادة السادسة منه؟ وهل يُفهم النص من ألفاظه وحدها، أم يتعين استظهار دلالاته وقراءة أحكامه في مجموعها، والوقوف على الغاية التي استهدفها المشرع؟ - بحسب أستاذ القانون الجنائى والمحامى بالنقض ياسر الأمير فاروق.
في البداية - المشرع أجاز الصلح في جرائم قتل محددة، وأحال إلى مواد وفقرات بعينها من قانون العقوبات، لكنه لم يذكر الشروع في القتل صراحة، فهل يعني السكوت عن الشروع استبعاده؟ أم أن دلالة النص تقود إلى امتداد الصلح إليه؟ وإذا كان المشرع قد أحال صراحة إلى المادة 235 الخاصة بالمشاركين في جريمة القتل، فهل يعني ذلك استبعاد الشريك في القتل العمد البسيط المنصوص عليه في المادة 234؟ - وفقا لـ"فاروق".

أستاذ القانون الجنائى والمحامى بالنقض ياسر الأمير فاروق
وماذا عن جريمة إحداث العاهة المستديمة؟
وماذا عن جريمة إحداث العاهة المستديمة؟ ولماذا لم تدخل ضمن الجرائم التي أجاز المشرع فيها الصلح، رغم اتصالها بالاعتداء على سلامة الجسم؟ ثم الإشكال الأدق: لماذا قصر المشرع الإحالة في جريمة الضرب أو الجرح المفضي إلى الموت على الفقرة الأولى من المادة 236؟ وماذا عن ارتكاب جريمة الضرب المفضي إلى موت مع سبق الإصرار أو الترصد؟ وهل يكفي الوقوف عند ظاهر اللفظ؟ أم أن قراءة النص في مجموعه، والاستعانة بدلالاته، واستظهار غايته، قد تكشف عن حكم لم يظهر من مجرد عبارته؟ - الكلام لـ"فاروق".
القانون الأصلح للمتهم
القانون الأصلح للمتهم هو القاعدة القانونية الراسخة التي تخفف العقوبة، أو تلغي التجريم، أو توفر مركزاً قانونياً أفضل للمتهم مقارنة بالقانون القديم، ويُطبق بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة قبل صدوره طالما لم يصدر فيها حكم بات.
مفهوم القاعدة واستثناء عدم الرجعية
• الأصل العام: القوانين الجنائية لا تسري على ما وقع في الماضي "عدم رجعية القوانين الأشد".
• الاستثناء الدستوري: يُستثنى من ذلك "القانون الأصلح للمتهم"؛ إذ يجب تطبيقه بأثر رجعي صوناً للحرية الشخصية وتخفيفاً للعبء عنه.
صور القانون الأصلح للمتهم
• إلغاء التجريم: أن يصبح الفعل مباحاً بعد أن كان مجرماً، وهنا يُقضى ببراءة المتهم أو انقضاء الدعوى ولو صار الحكم نهائياً.
• تخفيف العقوبة: استبدال العقوبة بأخرى أخف، أو تقليل مدتها، أو جعلها عقوبة تخييرية "حبس أو غرامة بدل حبس وجوبي".
• تقليص نطاق المسؤولية: تعديل أركان الجريمة أو إضافة شروط تضيق دائرة التجريم.

شروط تطبيقه
• ألا يكون الحكم باتاً: يشترط لسريان القانون الجديد ألا تكون الدعوى قد انتهت بحكم نهائي لا يقبل الطعن "باستثناء إلغاء التجريم الذي يسري حتى على الأحكام الباتة".
• القانون العام: ألا يكون القانون الجديد استثنائياً أو مؤقتاً بطبيعته.
• سلطة القاضي: تلتزم محكمة الموضوع ومحكمة النقض بتطبيق القانون الأصلح من تلقاء نفسها دون إلحاح أو تمسك من المتهم أو دفاعه.
النص الجديد
تنص المادة 22 من قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 على أنه: "مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات".
والحالات المتاح فيها بهذه المادة التصالح تتعلق بالجرائم التالية: القتل العمد مع سبق الإصرار أو الترصد (230) والقتل باستخدام جواهر مخدرة أو السم (233) والقتل العمد دون سبق إصرار أو ترصد، وإذا اقترنت بجناية أخرى (234) والاشتراك في القتل الذي يستوجب الحكم على فاعله بالإعدام (235) والضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة المفضي إلى الموت مع سبق الإصرار أو الترصد أو دونهما (236)، واستثنت مادة التصالح الفقرات الخاصة بالأغراض الإرهابية في تلك المواد العقابية.

تطبيقات محكمة النقض:
التطبيق الأول للمادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م ؛وقبل التطبيق الرسمي لقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 والذي كان مقررًا بدء تفعيله رسمياً في أول أكتوبر من العام القضائي (2026-2027)، وقد تم تأجيله للعام القضائي (2028/2027)
في حكم هو الأول من نوعه قضت محكمة النقض بالاعتداد بأثر التصالح الذي أبرمه دفاع متهمين مدانين اثنين بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد مع ورثة المجني عليه المقتول، وقررت في حكمها البات تخفيف العقوبة من الإعدام للاثنين إلى السجن المؤبد للمتهم الأول والسجن المشدد 10 سنوات للمتهم الثاني.

صدر الحكم من دائرة الخميس (و) برئاسة القاضي أحمد سيد سليمان، وعضوية القضاة عطية أحمد عطية وأشرف فريج ومحمود عاصم درويش ود. عاصم عسران، نواب رئيس المحكمة، وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض المستشار علي ماهر، وأمانة سر طارق عبدالمنعم، طبقا للطعن رقم 11458 لسنة 94 ق.
وكانت النيابة العامة قد أسندت إلى المتهمين بعد القبض عليهما أنهما قتلا عام 2022 شخصًا بعدما عقدا العزم وبيّتا النية على إزهاق روحه جزاء له على فعلته بالاستيلاء على مال المتهم الأول، بعدما أوهمه بمشروع ربح وهمى وانكشفت له خديعته، حيث حضرا له من أجل مخططهما من بلدتهما وتقفيا أثره حتى عثرا على محل إقامته بقسم ثالث أكتوبر.

فأعدا سلاحين أبيضين بهدف الإجهاز عليه إن لم يذعن لهما برد تلك الأموال، وقصداه في محل سكنه مرات عدة فلم يكن متواجدًا، لكن ذلك لم يمنعهما من تكرار الحضور للبحث عنه، حتى تأكدا من تواجده بالمسكن، فاقتحماه، وأفزعاه من نومه، فأجهز عليه المتهم الأول بطعنة في عنقه بينما كان المتهم الثاني موجودًا بجواره على مسرح الواقعة للشد من أزره، فحققا غرضهما بإزهاق روحه.
وفي ديسمبر 2023 صدر حكم محكمة جنايات الجيزة بإعدام المتهمين الاثنين بعد استطلاع رأي مفتي الجمهورية، ثم طعن دفاع المتهمين بالنقض وأوصت نيابة النقض برفض الطعن وإقرار الحكم بالإعدام.

وفي حكمها رفضت محكمة النقض جميع أوجه الطعن على الحكم مثل الإخلال بحق الدفاع وخلو محضر الجلسة من إثبات دفاع الخصم كاملًا وصدور الحكم من ثلاثة قضاة مع ذكر اسم عضو رابع في محضر الجلسة.
لكن ثبت للمحكمة من أوراق القضية أن الدفاع تقدم بما يفيد إثبات ورثة المجني عليه المقتول تصالحهم مع القاتلين وفقًا للمادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، فاعتبرته قانونًا أصلح للمتهمين، فطبقت المحكمة هذه المادة وقضت بتعديل الحكم بتخفيف عقوبة الأول من الإعدام إلى السجن المؤبد، وتخفيف عقوبة الثاني من الإعدام إلى السجن المشدد 10 سنوات.

لماذا التطبيق المبكر للمادة 22؟
وإذا كان هذا الحكم هو الأول الذي يطبق المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، فإنه لم يكن الأول الذي يشير إلى تلك المادة وصلاحيتها للتطبيق قبل حلول موعد سريان القانون في أول أكتوبر 2026 مع بداية السنة القضائية إلاّ أنه تقرر تأجيل العمل بهذا القانون للعام القضائي المقبل 2028/2027 كما سبق بيانه .
استندت المحكمة إلى أن القانون من لحظة صدوره (في 12 نوفمبر 2025) وليس من موعد سريانه هو "القانون الأصلح للمتهم" تطبيقًا للمادة 5 من قانون العقوبات التي تنص على تطبيق القانون الأصلح للمتهم –إذا صدر- واتباعه دون غيره، مما يعني استفادة المتهم منه "بمجرد صدوره وبصرف النظر عن التاريخ الذي حُدد لسريانه والعمل به".

وقالت المحكمة إنه: "لا محل هنا لتطبيق قاعدة عدم سريان القانون إلّا من تاريخ العمل به، لأن الأمر لا يتعلق بضمان علم الناس بالقانون قبل مساءلتهم عما تضمنه من أحكام، بل إنه واجب التطبيق باعتباره قانونًا أصلح للمتهم، بمجرد صدوره، وحتى دون الحاجة لنشره في الجريدة الرسمية أو فوات مدة معينة بعد النشر".
وبذلك ميّزت المحكمة بين نفاذ القانون وسريانه بشكل عام وبين تطبيقه بمجرد صدوره كقانون أصلح للمتهم، وقالت إن هذا الفارق كان واضحًا في ذهن المشرع (في المادة 95 من الدستور والمادة 5 من قانون العقوبات) عندما اشترط النفاذ لتطبيق القانون بأثر فوري ومباشر، بينما اكتفى فقط بالإصدار لتطبيقه بأثر رجعي واعتباره قانونًا أصلح للمتهم.
كما استندت المحكمة إلى مبدأ أصدره المجلس الدستوري الفرنسي يقضي بـ"عدم جواز تأخير نفاذ النصوص الجنائية الأصلح للمتهم" وانتهت في حيثياتها إلى الإيذان بتطبيق المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد حال إبرام التصالح.
شروط الاعتداد بالتصالح
ولتطبيق المادة 22 والاعتداد بالصلح بين ورثة المجني عليه المقتول والجاني في جرائم الدم، تشترط أحكام النقض الصادرة مؤخرًا تقديم ما يفيد إثبات الصلح أو طلب أجل لذلك قبل صدور الحكم البات في الدعوى، كما يُشترط أن تكون العقوبة المقررة على إدانة المتهم أو التي أدين بها بالفعل، تستند إلى حالات القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت سالفة الذكر والمنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، فلا يُعتد بالتصالح في غيرها من المواد الجنائية.
وعلى ضوء المادة 22 تلتزم المحكمة التي يُعرض عليها الصلح (بأي من درجات التقاضي) بتطبيق المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بإعمال قواعد الرأفة وتخفيف العقوبة، وهي لا تملك رفض إعمال الرأفة تطبيقًا لصريح نص المادة 22، لكنها تملك سلطة تقديرية في اختيار العقوبة البديلة المخففة:
1- السجن المؤبد أو المشدد بدلًا من الإعدام.
2- السجن المشدد أو السجن بدلًا من المؤبد.
3- السجن أو الحبس ستة أشهر على الأقل بدلًا من السجن المشدد.
4- الحبس ثلاثة أشهر على الأقل بدلًا من السجن.
إن المادة 22 التي بدأت محكمة النقض تطبيقها مبكرًا تصنع واقعًا قانونيًا جديدًا مغايرًا للأوضاع المستقرة منذ نشأة القضاء الحديث من عدم جواز الصلح في الجنايات حفاظًا على حق المجتمع وضمان تطبيق أقصى العقوبات للردع العام. حيث لم يُسمح بالتصالح في الدعاوى الجنائية إلّا عام 2006 عندما استُحدثت المادة 18 مكرر (أ) بقانون الإجراءات الجنائية القديم (والتي تقابلها المادة 21 من القانون الجديد) وهي تطبق على مجموعة محددة من الجرائم أبرزها جنحة القتل الخطأ عدا حالة التسبب في قتل أكثر من 3 أشخاص، والضرب البسيط والإصابة الخطأ وخيانة الأمانة والتبديد والإتلاف.
يفتح هذا الحكم السبيل أمام إبرام التصالح بين الجناة وورثة المجني عليهم في قضايا القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت، وإثباته أمام المحاكم بدرجاتها المختلفة حتى صدور الحكم البات غير القابل للطعن.