التصالح فى جرائم الدم - أرشيفية
لأول مرة فى تاريخ التشريع المصري أجاز قانون الإجراءات الجنائية الجديد لورثة المجنى عليه إثبات الصلح مع المتهم فى جرائم: "القتل العمد مع سبق الإصرار أو الترصد، والقتل العمد بالسم، والقتل العمد، والقتل العمد المقترن، والضرب أو الجرح أو إعطاء المواد الضارة المفضي إلى الموت"، ولا يترتب على الصلح فى الجرائم المشار إليها انقضاء الدعوى الجنائية، وإنما يترتب عليه فقط تخفيف العقوبة طبقا للمادة 17 من قانون العقوبات، على أن يكون ميعاد سريان القانون فى أول أكتوبر 2026.
ويرى الخبراء أن المادة المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد تتيح تخفيف عقوبة الإعدام في حال التصالح بين ورثة المقتول - المعروف باسم ولي الدم – والجاني، إلا أنه يرى آخرين أنها خطوة تهدف لتعزيز المصالحات المجتمعية وتقليل أحكام الإعدام، ويحذرون من تداعياته القانونية والحقوقية، وهى مادة مستحدثة بمشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، تمنح الحق لولي الدم في التصالح بشأن جرائم القتل، للحد من قضايا الثأر، وتنص المادة الجديدة على أنه: "يجوز لورثة المجني عليه أو وكيله الخاص إثبات الصلح في الجرائم المنصوص عليها في المواد 213، 223، 234، 235 من قانون العقوبات، وذلك إلى أن يصدر فيها حكم بات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقاً للمادة 17 من قانون العقوبات، مع الحفاظ على سلطة رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها".
التصالح في "جرائم الدم".. قراءة قانونية في أثر المادة "22" من قانون الإجراءات الجنائية الجديد
وحول هذا الأمر – يقول الخبير القانوني والمحامى بالنقض صالح جمال عمار - أثار قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 -الصادر في 12 نوفمبر 2025 والمقرر العمل به اعتبارًا من أول أكتوبر 2026- جدلًا قانونيًا وفقهيًا واسعًا، ولعل أبرز ما استحدثه المشرع في هذا الصدد تنظيمُ الصلح في طائفة محددة من الجرائم التي اصطلح على تسميتها بجرائم الدم، وقد شاع فهمًا مغلوطًا مؤداه أن هذا التصالح في هذه الجرائم يُسقط الدعوى الجنائية، أو يبرئ ساحة المتهم بالكلية، وهو فهمٌ خاطئ يستوجب وقفة تأصيلية دقيقة مع النص وبيان حقيقة أثره.
أولًا: نص المادة (22) ومضمونها
ويضيف "عمار" في تصريح لـ"برلماني": تنص المادة (22) من القانون على أنه: "مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات، في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234/الفقرتين الأولى والثانية، 235، 236/الفقرة الأولى من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات".
ووفقا لـ"عمار": واللافت أن المشرع لم يرتب على هذا الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، بل قصر أثره على تخفيف العقوبة عملًا بالمادة 17 عقوبات، وهو ما يستوجب تمييزه بدقة عن صور الصلح الأخرى التي يرتب عليها القانون انقضاء الدعوى صراحة في جرائم محددة أخرى، ولعل اللغط والغلط الشائع في فهم أثر الصلح بالنسبة لهذه الجرائم مرده أولاً لعدم القراءة المتأنية للنص، وثانياً أن هذا النص قد ورد في الفصل الثالث المعنون (انقضاء الدعوى الجنائية)، والحق أن هذا أمر غير موفق من ناحية الصياغة التشريعية؛ لا في موضع المادة، ولا وضعها بين مواد تتناول بالتنظيم أحكام انقضاء الدعوى الجنائية.
ثانيًا: نطاق الجرائم المشمولة
وتابع "عمار": جاء نص المادة "22" محدداً نطاق تطبيقه على سبيل الحصر لا المثال، فاقتصر تطبيقه على الجرائم الواردة في المواد 230 و233 و234 "الفقرتين الأولى والثانية" و235 و236 "الفقرة الأولى" من قانون العقوبات، وبطبيعة الحال لا يجوز التوسع في نطاقه أو القياس عليه لغيرها من الجرائم. تطبيقا للقواعد الأصولية التي تقضي بأن التعداد في مقام البيان يفيد الحصر، وأن ما ورد على خلاف القياس عليه لا يقاس.
الخبير القانوني والمحامى بالنقض صالح جمال عمار
ثالثًا: أصحاب الحق في إثبات الصلح وحدوده الزمنية
اختص المشرع بهذا الحق حصرًا ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص، يلاحظ هنا أن الوكالة العامة لا تصلح سنداً لإثبات هذا الصلح - هذا وقد - أجاز إثباته في أية حالة كانت عليها الدعوى، على أن يُشترط ذلك قبل صدور حكم بات فيها؛ فإذا استقرت الدعوى بحكم بات، فلا مجال لإعمال أثر هذه المكنة، بحسبان أن تخفيف العقوبة يستلزم -بداهة- بقاء الدعوى، ومن ثم لا يمكن ذلك حال انتهاءها بحكم بات – الكلام لـ"عمار".
رابعًا: الأثر القانوني للصلح — تخفيف لا إسقاط
لا يمحو الصلح الجريمة، ولا ينفي وقوعها، ولا يحول دون استمرار نظر الدعوى والفصل فيها موضوعًا؛ وإنما ينحصر أثره فيما رسمه المشرع صراحة، وهو تخفيف العقوبة طبقًا للمادة 17 عقوبات، التي تخوّل المحكمة النزول بالعقوبة درجة أو درجتين في الحدود والضوابط التي رسمها القانون، طبقاً لتقدير المحكمة في إطار سلطتها الموضوعية، والفارق بين انقضاء الدعوى واستمرارها مع تخفيف الجزاء فارقٌ جوهري لا شكلي – طبقا لـ"عمار":
فالأول: ينهي الخصومة الجنائية، بحيث لا يكون ثمة مجال للحكم على المتهم.
والثاني: يُبقيها قائمة مع تعديل في الجزاء المقرر لها بالتخفيف.
كما ينبغي عدم الخلط بين هذا الأثر وبين اختصاص رئيس الجمهورية بالعفو عن العقوبة أو تخفيفها، وهو ما أكدته المادة (22) صراحة بعبارة "مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها".
خامسًا: تطبيق قضائي مبكر - مبدأ القانون الأصلح للمتهم
جدير بالذكر أن محكمة النقض طبّقت أحكام المادة "22" قبل حلول الموعد المقرر لنفاذ القانون (أول أكتوبر 2026)، استنادًا إلى مبدأ "القانون الأصلح للمتهم" المقرر بالمادة 5 من قانون العقوبات، وأعملت أثرها في تخفيف عقوبات صادرة في جرائم قتل عمد عقب ثبوت التصالح مع ورثة المجني عليه، ويكشف هذا التطبيق القضائي المبكر عن الأثر العملي الفعلي للنص، وإن كان بدء العمل بالقانون ذاته لا يزال مقررًا في موعده الرسمي.
سادسًا: الدلالة العملية للمحامي
عند التعامل مع واقعة صلح في إحدى الجرائم المشمولة بالمادة "22"، يتعين على المحامي التحقق من:
1-اندراج الجريمة محل الدعوى ضمن الجرائم المحددة حصرًا بالنص.
2-صدور الصلح من ورثة المجني عليه أو ممن يملك قانونًا إثباته عنهم (الوكيل الخاص).
3-إثبات الصلح بالإجراءات القانونية أمام المحكمة المختصة.
4-حصول ذلك قبل صدور حكم بات في الدعوى.
فإذا توافرت هذه الشروط، انصرف الأثر القانوني إلى تخفيف العقوبة في حدود المادة 17 عقوبات، دون أن يمتد إلى انقضاء الدعوى ذاتها.
وفى الأخير يقول "عمار": إن أدق تعبير قانوني عن أثر التصالح في الجرائم المشمولة بالمادة (22) ليس أن "التصالح يُسقط القضية، أو يعني براءة المتهم"، بل أن "التصالح في هذه الجرائم يظل أثره محصورًا في نطاق تخفيف العقوبة، دون أن يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية"، وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يعكس توجه المشرع نحو تقليص نطاق تطبيق عقوبة الإعدام في بعض الجرائم دون المساس بمبدأ استمرار المساءلة الجنائية عن الفعل المرتكب.
تعديل يساهم في تقليل النزاعات الثأرية المنتشرة في بعض المجتمعات
وسياق أخر – تقول نعمه مصطفى عبدالهادى، الخبير القانوني والمحامية، أن هذه المادة تهدف لمنح ولي الدم الحق في الصلح، مما يساهم في تقليل النزاعات الثأرية المنتشرة في بعض المجتمعات، وتحقيق التوازن بين القانون والشريعة الإسلامية، حيث يتماشى التعديل مع أحكام الصلح والعفو في الشريعة، وأولياء الدم في الشريعة الإسلامية، هم في الحقيقة ورثة المقتول جميعاً من الرجال والنساء، كبارهم وصغارهم، فإن اختاروا القصاص جميعاً وجب القصاص، وإن عفوا جميعاً سقط القصاص، وإن عفا أحدهم سقط القصاص أيضاً ولو لم يعفِ الباقون.
وأوضحت "عبدالهادى" في تصريحات خاصة: التعديل في حقيقة الأمر جاء لتشجيع الناس أو أولياء الدم على التصالح وإنهاء الخصومات التي تؤدي لسلسلة من القتل لا تنتهي – ولكن – السؤال الذى يطرح نفسه هل ذلك التعديل أو تلك الإضافة فتحت الباب للتصالح في جميع القضايا؟ وتُجيب يترتب على هذا الصلح تخفيف العقوبة للحد الأدنى وفقاً للمادة 17 من قانون العقوبات، وقضايا الدم المقصود بها الجرائم التي ترتكب وتحاكم أمام محكمة الجنايات، وهي لا تقتصر على القتل فقط، لكن يضاف إليها أيضاً الضرب الذى يفضي إلى الموت والضرب الذى يسبب عاهة مستديمة.
ملحوظة:
القانون يسمح بالتصالح فقط في قضايا القتل الخطأ.
وتابعت الخبير القانوني: المادة 17 من قانون العقوبات تتحدث عن تخفيف العقوبة للدرجة الأدنى، ولا تنقضي الدعوى الجنائية بالتصالح ولا تنتهي انتهاءً كلياً بالنسبة للمتهم، ولكن تساهم في تخفيف العقوبة على المتهم للحد الأدنى مباشرة، بمعنى أدق حسب ما ورد في تفسيرات وشرح بعض النواب، بأن تُخفف العقوبة للدرجة الأدنى، فإذا حكم بالإعدام يخفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وإذا حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة تخفف إلى الأشغال الشاقة المؤقتة، ثم تليها عقوبة السجن ثم الحبس وهكذا بحسب حكم الدرجة الأولى.
ينص الدستور المصري الصادر عام 2014 في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، تظهر هذه المادة للوهلة الأولى أن النظام التشريعي والقضائي المصري هو نظام إسلامي صرف، إلا أن الحقيقة الواقعة منذ نشأة النظام القضائي في مصر في القرن التاسع عشر أنه يتبع المدرسة اللاتينية متأثراً في ذلك بالنظام الفرنسي، وتعاقب التشريعات المصرية على أكثر من 50 جريمة بعقوبة الإعدام – هكذا تقول "عبدالهادى".
كيف يرى بعض المتخصصين تلك الإضافة أو ذلك التعديل؟
وتؤكد الخبير القانوني: التصالح كان في القتل الخطأ، لأنه نوع من القتل يجوز فيه التصالح، لكن هناك أنواع أخرى من القتل، وهي القتل العمد، والقتل العمد مع سبق الإصرار، وهناك القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وهذا هو أعلى درجة وعقوبته دائماً ما تفضي إلى الإعدام، ويرى البعض أن وضع النص على هذا النحو يعني أن المادة تطبق حتى على جريمة القتل ذات سبق الإصرار والترصد، وليس قضايا الثأر فقط، لأن العقوبات تطبق على الجريمة، وليس اسمها سواء ثأر أو شرف أو ما إلى ذلك.
ويرى فئة كبيرة من المتخصصين والقانونيين أن الكلام عن حق ولي الدم – طبقا لـ"عبدالهادى" - هو نظام موجود في معظم الدول العربية مثل السعودية وليبيا والإمارات والكويت، وهو الأخذ بنظام الحدود من أحكام الشريعة الإسلامية، التي تعطي الحق لولي الدم التصالح في جرائم القتل، ولكن النظام المصري دائماً لم يكن يطبق حدوداً، ولكنه يأخذ بنظام التعزير ونظام التعزير هو البديل لأحكام الشريعة الإسلامية من السجن والغرامة وما إلى آخره، وتتعامل به الدولة الحديثة المصرية وهي المرجع حتى يومنا هذا، لذلك يتخوف البعض من أن التعديل الجديد يجعل القوانين تبتعد عن فكرة الدولة المدنية، فضلاً عن أنه لأول مرة في تاريخ مصر يكون هناك تمييز في تنفيذ العقوبات والجرائم، حيث يسمح للقادرين مادياً التصالح، لأنه دائماً في قضايا التصالح، يعرض الجاني أموالاً كفدية مقابل التنازل عن الدعوى، وهذه المادة على هذا النحو فيها استغلال كبير لضعف إرادة المواطنين الذين في حاجة للمال، فلابد من التصدي لهذا الأمر.
تقليل تطبيق عقوبة الإعدام
بينما يرى بعض المتخصصين والقانونيين أن الجانب الإيجابي هو تقليل تطبيق عقوبة الإعدام – وفقا لـ"عبدالهادى" - فالحد من عقوبة الإعدام كان مطلب دائم للحقوقيين، ولكن يرى البعض أيضاً أنه ما كان يجب أن يُعلَّق التصالح على أولياء الدم من المنظور الشرعي، بل كان يجب أن يكون ذلك بإرادة الدولة المصرية لإيقاف مثل هذه العقوبة، لأن ولي الدم في الدولة المدنية الحديثة هو الدولة، وليس الأسرة، فلم يثبت أن عقوبة الإعدام ساهمت في ردع أي جريمة، حتى في جرائم الثأر في صعيد مصر، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، وبالتالي لا يجب التذرع ببقائها، بل يجب بذل جهد مجتمعي لمعالجة أسباب انتشار بعض الظواهر الإجرامية والبحث عن حلول أخرى.