جورجيا ميلونى - رئيسة وزراء إيطاليا
في تطور سريع ومفاجئ في عالم الذكاء الاصطناعي تقدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، بطلب لحماية حقوق ملكية صوتها كجزء من جهود مكافحة استخدامه في إنشاء نسخ صوتية مقلدة بواسطة الذكاء، وسجلت رئيسة الوزراء الإيطالية عبارة: "أنا جورجيا ميلوني" مرتين لإتمام إجراءات الطلب، الذي يمكن الاطلاع عليه عبر الموقع الإلكتروني للمكتب، ويصنف الطلب حالياً ضمن فئة "قيد الدراسة"، فيما يأتي هذا الإجراء في إطار جهود مكافحة استخدام صوت ميلوني في إنشاء نسخ صوتية مقلدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ما هو تعريف مصطلح الملكية الفكرية؟
ويشير مُصطلح الملكية الفكرية إلى إبداعات العقل من اختراعات ومُصنفات أدبية وفنية وتصاميم وشعارات وأسماء وصور مستخدمة في التجارة "العلامات التجارية"، وبرامج الكمبيوتر وغيرها، ويذهب الاستاذ الدكتور ياسر جاد الله فى مؤلفه الملكية الفكرية رؤية قانونية اقتصادية تنموية إلى القول: وتعرف حقوق الملكية الفكرية على أنها تلك الحقوق المرتبطة بالمجالات التالية:
1-الأعمال الأدبية والفنية والعلمية
2-الأعمال الخاصة بأداء الفنانين والنواحي المُرتبطة بالإذاعة والصوتيات
3-الإبتكارات فى كل مجالات السعر والمحاولات الإنسانية
4-الإكتشافات العلمية
5-التصميمات الصناعية
6-الماركات والعلامات التجارية
7-الحماية من المنافسة غير العادلة
8-جميع الحقوق الأخرى الناتجة عن نشاط الملكية الفكرية فى المجالات الصناعية والعلمية والأدبية والفنية
في التقرير التالي، يلقى "برلماني" الضوء على حزمة من الأسئلة وإجاباتها حول ما تقدمت به رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أبرزها أين تقع الحقوق الخاصة بالتسجيلات الصوتية؟ وما هو جوهر الحماية القانونية التسجيل الصوتي؟ وما هو حق المؤلف والإبداع الذى تحميل حقوق الملكية الفكرية؟ وهل التسجيل الصوت "بصمة الصوت" تحظى بالحماية المقررة لأصحاب الحقوق المجاورة لحق المؤلف؟ وما هو الموقف القانوني وفقاً لقانون وتعليمات المكتب الأوروبي للملكية الفكرية؟ وهل صوت السيدة "جورجيا ميلوني" قادر على أداء وظيفة العلامة التجارية أي هل المقطع الصوتي موضوع طلب التسجيل قادر على تعريف وتمييز مصدر سلع أو خدمات معينة؟ وفقاً لإرشادات مكتب الملكية الفكرية الأوروبي؟ وغيرها من الأسئلة – بحسب الخبير القانوني والمحامى المتخصص في الملكية الفكرية شيبة الحمد العيلى.
في البداية - ما يعنينا فى تلك الحقوق هو حقوق الملكية الأدبية أو حقوق التأليف والتى تضم الأدب والشعر والموسيقى والتصوير والنحت ويضاف إليها الحقوق المجاورة، وفى مجال تناول الطلب المُقدم من السيدة "جورجيا ميلوني" بطلب تسجيل صوتها كعلامة تجارية فإن نطاق تناولنا للموضوع من خلال الحديث عن قسمين من أقسام حقوق الملكية الفكرية، وذلك على النحو التالي – وفقا لـ"العيلى":
أولاً: الحديث عن التسجيلات الصوتية باعتبارها أحد الحقوق المجاورة لحق المؤلف فى الجانب الأدبي من حقوق الملكية الفكرية
ثانياً: الحديث عن العلامات التجارية والعلامة الصوتية والتي تقع فى الشق الصناعي من حقوق الملكية الفكرية
في مجال الحديث عن التسجيلات الصوتية فالسؤال.. أين تقع الحقوق الخاصة بالتسجيلات الصوتية؟
تقع هذه الحقوق ضمن الحقوق المجاورة لحق المؤلف، وتعرف المنظمة العالمية للملكية الفكرية الوايبو WIPO: الحقوق المجاورة بأنها الحقوق ذات الصلة التي تحمي المصالح القانونية لبعض الأشخاص والمؤسسات، التي تُـسهم في إتاحة المُـصنفات للجمهور أو تـُنتج مواد على قدر كاف من "الإبداع" أو من المهارات التقنية والتنظيمية يبرر الاعتراف لها بحق مُشابه لحق المؤلف وإن لم تف بشروط حق المؤلف في جميع البلدان، ويعتبر قانون الحقوق المجاورة نتاج أنشطة هؤلاء الأشخاص وتلك المُـؤسسات وتستحق حماية قانونية في حد ذاته إذ يجاور حماية مصنفات التأليف المحمية بموجب حق المؤلف، بيد أن بعض القوانين تنص بوضوح على أن ممارسة الحقوق المجاورة يجب ألا تؤثر بأي شكل من الأشكال في حماية حق المؤلف – الكلام لـ"العيلى".
وتمنح الحقوق المجاورة تقليدياً لثلاث فئات من المستفيدين هي:
1- فنانو الأداء
2- منتجو التسجيلات الصوتية (يشار إليها أيضاً بالفونوغرامات)
3-هيئات البث

لماذا تمنح حقوق الملكية الفكرية لهذه الفئات الثلاثة المندرجة تحت طائفة الحقوق المجاورة لحق المؤلف؟
ووفقاً للمنظمة العالمية للملكية الفكرية - الوايبو WIPO - فإنه يُعترف بحقوق فناني الأداء لأن تدخلهم الإبداعي ضروري لإحياء المُـصنفات السينمائية أو الموسيقية أو الرقصات أو المسرحيات مثلاً، ولأن لهم مصلحة يمكن تبريرها في حماية أدائهم الفردي، كما يُعترف بحقوق مُنتجي التسجيلات الصوتية، لأن مواردهم الإبداعية والمالية والتنظيمية ضرورية لإتاحة التسجيلات الصوتية التي تستند في الغالب إلى مُـصنفات موسيقية للجمهور في شكل تجاري، وبسبب مصلحتهم الشرعية في الحصول على وسائل قانونية لاتخاذ تدابير ضد استعمال تسجيلاتهم الصوتية، سواء بإعادة نسخ منها وتوزيعها "القرصنة" أو بثها أو نقلها إلى الجمهور دون تصريح كما ويُعترف، على غرار ذلك بحقوق هيئات البث لدورها في إتاحة المصنفات للجمهور وفي ضوء مصلحتها المشروعة في التحكم في إرسال أو إعادة إرسال برامجها – هكذا يقول "العيلى".
وكما أن القوانين الوطنية والمعاهدات النافذة فى شأن حقوق التأليف والحقوق المجاورة تمنح هذه الفئات الثلاثة حقوق فهي تلزمهم ببعض القيود والاستثناءات وتجيز هذه التقييدات استخدام الأداء والتسجيلات الصوتية وبرامج البث المحمية لأغراض التعليم أو البحث العلمي أو للاستخدام الخاص واستخدام مُقتطفات قصيرة في تقارير الأحداث الجارية، وتُـجيز بعض البلدان أنواع التقييدات ذاتها التي تفرضها قوانينها على حق المؤلف، من بينها إمكانية إصدار تراخيص إجبارية على أن معاهدة "الويبو" بشأن الأداء والتسجيل الصوتي تقضي بأن تكون هذه التقييدات والاستثناءات مقصورة على بعض الحالات الخاصة التي لا تتعارض والاستخدام العادي للأداء المُثبت للتسجيلات الصوتية ولا تُـلحق ضرراً بالمصالح المشروعة لأصحاب الحقوق بلا مبرر – طبقا للخبير القانوني.
والسؤال فى هذا الموضع ما هو جوهر الحماية القانونية التسجيل الصوتي؟
يُجيب "العيلى": جوهر حماية التسجيل الصوتي بحقوق الملكية الفكرية هى الإبداع، وللقول بإمكانية حماية التسجيل الصوتى بحق الملكية الفكرية يجب أن يكون هذا التسجيل متاح للجمهور أو ينتج فى شكل مواد تتضمن قدر كاف من "الإبداع" أو من المهارات التقنية والتنظيمية يبرر الاعتراف لها بحق مُشابه لحق المؤلف
وما هو حق المؤلف والإبداع الذى تحميل حقوق الملكية الفكرية؟
يشير الاستاذ الدكتور ياسر جاد فى مؤلفه النظام القانونى لحق المؤلف والحقوق المجاورة إلى أنه: يعد حق المؤلف - Copyright - بمثابة حق استئثاري "Exclusive Right" لإعادة انتاج "أو نسخ" العمل الأصلي – Original - ويقع هذا الحق لصالح من قام بإنتاج العمل الأصلي له أو لصالح جهة عمله، إذ أن حق المؤلف يتم منحه للعمل الأصلي بمجرد إنتاجه وظهوره لحيز الوجود فمثلا بمجرد قيام أي شخص طبيعي بإعداد مؤلف في صورة كتاب أو قصة أو حتى تسجيل أغنية معينة له، يتم حصول ما قام به من عمل ابداعي وأدبي على حق مؤلف أو ما يعرف أحيانا بحق التأليف ومن ثم يمكن لهذا الشخص أن يقوم بوضع الرمز ( © ) على النسخ التي يقوم بنسخها من العمل الأصلي أو الأصيل الذى قام بإنتاجه – كما أوضح "العيلى".
ويعرف العمل الأصيل للمؤلف (Original Work of Authorship - OWA) على أنه عمل ابداعي مؤثر ويتسم بالثبات لخاصية غير فنية ناتجة عن مؤلفها تعكس شخصيته ومستوى ابداعه، كما أن محكمة النقض المصرية قد أرست جملة من المبادئ القانونية فى هذا الشأن لتُـعضد وتؤازر ما انتهى إليه الفقه القانوني والمعاهدات الدولية النافذة فى شأن حق المؤلف والحقوق المجاورة وأشارت إلى أن جوهر حقوق الملكية الفكرية أنها ثمرة الابتكار ونتاج الإبداع، فقد أوردت فى حكمها فى الطعن بالنقض رقم 7133 لسنة 88 قضائية ما نصه: "والقانون المصري فى هذا الحكم يستخدم ذات العبارات التى استخدمها البند الثانى من المادة التاسعة من اتفاقية (تريس)، وأسبغ القانون الحماية الواردة بهما على مؤلفي المُصنفات أياً كان نوعها أو طريقة التعبير عنها أو أهميتها أو الغرض منها، بشرط أن يكون هذا المُصنف قد انطوى على شئ من الابتكار، بحيث يُـبين منه أن المُؤلف أضفى عليه شيئاً من شخصيته، وأن يتم إفراغه فى صورة مادية يبرز فيها إلى الوجود، وبغير ذلك فلا يرقى إلى مرتبة المُصنف الجدير بالحماية.
الخبير القانوني والمحامى المتخصص في الملكية الفكرية شيبة الحمد العيلى
حقوق الملكية الفكرية ثمرة الابتكار ونتاج الإبداع
إذ أن جوهر حقوق الملكية الفكرية أنها ثمرة الابتكار ونتاج الإبداع فى شتى مناحى النشاط الإنسانى وكلاهما – الابداع والابتكار – يُعدان نمطاً من أنماط التفكير ومستوى مُـتقدم فى سُلم القدرات الذهنية للإنسان يتميز به عن غيره ويتسم بالخروج عن المألوف، فالدلالة الإصلاحية (لإبتكار الشئ) فى اللغة هو الاستيلاء على بكورته، بمعنى أن يكون وليد أفكار المرء بالمبادرة إليه وإدراك أوله مُتسماً بالحداثة والابتداع وبطابعه الشخصى، ويقصد بالابتكار فى نطاق الحماية القانونية لحق المؤلف الطابع الشخصى الذى يعطيه المُؤلف لمُصنفه ، الذى يسمح بتمييز المُصنف عن سواه من المُصنفات التى تنتمى إلى ذات النوع.
حيث تبرز شخصية المؤلف إما فى مقومات الفكرة التى عرضها، أو فى الطريقة التى اتخذها لعرض الفكرة، فالجوهري فى الأمر هو تميز الإنتاج الذهنى بطابع معين يُبرز شخصية صاحبه سواء فى جوهر الفكرة المعروضة أو فى مجرد طريقة العرض أو التعبير أو الترتيب أو التبويب أو الأسلوب، والابتكار إما أن يكون مُطلقاً وإما أن يكون نسبياً ، فيكون مُطلقاً إذا لم يكن المُصنف يستند إلى إنتاج سابق، ويكون نسبياً إذا ما كان المُصنف – كمُصنف مُشتق من مُصنف سابق عليه – يقتبس عناصر شكلية من هذا الإنتاج السابق ولكن فى كلتا الحالتين لا بد من خلق ذهنى جديد فى جملته لكى يكون شرط الابتكار متوافراً، ليتقرر بذلك حق المُؤلف على مُصنفه، ولكى يتمتع بالحماية أو ليستحق صاحبه الاعتراف بملكيته الفكرية وما يترتب عليها من حقوق، ويكفى فى ذلك أن يضيف المؤلف إلى فكرة سابقة ما يجعل للفكرة طابعاً جديداً تختلف به عما كانت عليه من قبل".
وهنا تصل إلى نقطة فارقه: هل التسجيل الصوت "بصمة الصوت" تحظى بالحماية المقررة لأصحاب الحقوق المجاورة لحق المؤلف ؟
قوانين الملكية الفكرية سواء التشريعات الوطنية أو المعاهدات الدولية ذات الصلة تحمى المُحتوي والتسجيل الصوتي الإبداعي وليس "الذبذبات البيولوجية" للصوت نفسه كبصمة حيوية، فهناك فارق بين أمرين:
أولاً: تسجيل المحتوى الفكري "حق المؤلف والحقوق المجاورة"، فإذا قُمت بتسجيل شرح لعملية فكرية، أو ابتكار، أو فكرة مُصاغة بصوتك، فإن هذا التسجيل يحظى بحماية فورية بموجب قوانين الملكية الفكرية وكذلك حقوق مُنتجى التسجيلات الصوتية، فالقانون يمنحك بصفتك "منتجاً للتسجيل" أو "مؤلفاً للمحتوى" الحق الاستئثاري في منع أي شخص من نسخ هذا التسجيل، أو إعادة بثه، أو استغلاله عبر الإنترنت دون إذن كتابي مسبق منك.
-وقوانين الملكية الفكرية والمعاهدات الدولية فى شأن شرط الحماية القانونية لا تشترط وسيلة تسجيل معينة، بل تشترط أن تخرج الفكرة من مجرد "خاطرة في العقل" إلى العلن فى شكل قالب مادي ملموس "وهو الملف الصوتي المُسجل" لتصبح محمية تلقائياً بموجب حق المؤلف.
ثانياً: بصمة الصوت البيولوجية
إذا كان المقصود بحماية حقوق الملكية الفكرية هو "بصمة الصوت" أي الخصائص النبرية والترددية للأحبال الصوتية وحتى لو كانت هذه النبرة فريدة فإن حماية النبرة وترددات الصوت لا تصنف ضمن الفئات التى تحظى بحماية حقوق الملكية الفكرية، لأنها بصمة مجردة لا تنطوي على أي إبداع وليست متاحه للجمهور، وهذا لا يمنع صاحب بصمة الصوت فى الرجوع قانوناً فى حال الاعتداء على بصمة صوتية واستخدامها بواسطة وسائل التزييف العميق فى أي شكل من أشكال الاستعمال الضار بصاحبها ولكن ضمن طبقة حماية قانونية أخرى سوف نذكرها لاحقاً.
وهو نأتى إلى الطلب المقُدم من السيدة/ جورجيا ميلوني إلى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية "EUIPO" بتاريخ 5 أكتوبر 2026 ويتضمن تسجيل صوتي قصير مُدته 4 ثوانٍ تـُردد خلاله ميلوني مرتين عبارة "أنا جورجيا ميلوني" باللغة الإيطالية لتسجيل بصمتها الصوتية كعلامة تجارية من الاستخدام غير المُصرح به في المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي في خطوة تستهدف الحد من مخاطر استنساخ صوتها واستخدامه في مقاطع التزييف العميق فإن هذا الطلب وهو قيد الدراسة الآن نرى أنه لا يتفق والشروط القانونية التى تتطلبها التشريعات الوطنية المختلفة والمعاهدات الدولية النافذة فى شأن حماية حقوق الملكية الفكرية لأنه التسجيل الصوتي هو لبصمة الصوت مُجردة من اي ابتكار يـُدرجة ضمن الحماية المقررة لأصحاب التسجيلات الصوتية أو منتجو التسجيلات.

وفى مجال حديثنا عن القسم الثاني وهو تناول الطلب المقدم من حيث تسجيله كعلامة تجارية صوتية
بالنظر إلى طلب التسجيل المُقدم لمكتب الملكية الفكرية الأوروبي من السيدة/ جورجيا ميلوني فإن تسجيل بصمة الصوت الخاصة بها كعلامة تجارية "ضمن فئة العلامات التجارية غير التقليدية مثل علامات اللمس والرائحة"، هذا أيضاً وأن تم قبوله لا يمنحها الحماية القانونية من أي اعتداءات على بصمة الصوت ولا يمنع استخدام بصمة الصوت ضمن مُحتوي مُولد بالذكاء الاصطناعي لكنه قد يوفر أساس قانونى لمواجهة أي استخدام غير مُصرح به فى حالات ارتباط الصوت بمنتجات أو محتوى تجاري أو خدمي يخضع لحماية العلامة التجارية الصوتية ، وإن كُـنا لا نرى أن شروط تسجيل بصمة الصوت كعلامة تجارية غير متوفرة وهذا ما سوف نتناوله لاحقاً – كما يرى "العيلى".
ملحوظة:
إشكالية فقهية وقانونية تُشير إلى عدم توافر شروط منح الحماية القانونية الواردة بقوانين الملكية الفكرية والمعاهدات الدولية النافذة إلى بصمة صوتها كعلامة تجارية .
هناك الكثير من الدول تقر بعض العلامات التجارية غير التقليدية مثل "علامات اللمس والصوت والرائحة"، ولكن ما هو المفهوم القانوني للعلامة التجارية وفقاً لقوانين الملكية الفكرية وهل بصمة الصوت موضوع الطلب المُقدم لمكتب الملكية الفكرية الأوروبي تصلح قانوناً لتسجيلها كعلامة تجارية؟
يُجيب "العيلى": يأخذنا هذا التساؤل لضرورة التعريف العلامة التجارية وماهيتها، حيث يذهب الاستاذ الدكتور ياسر جاد الله فى مؤلفه النظام القانونى للعلامات التِجارية إلى القول بأن العلامة التِـجارية تُـعد بمثابة رمز مُعين مُرتبط لدى أذهان المُستهلكين بمُنتج معين بمواصفات معينة، بحيث يشمل في أذهانهم مجموعة من المواصفات والخصائص المختلفة التي تؤدي إلى إشباع احتياجاتهم، ويُعرف قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 في مادته رقم 63 العلامات التِجارية على أنها كـُل ما يتم استخدامه لتمييز أي مُنتج سواء كان سلعة أو خدمة عن غيره من المنتجات.
وقد تستخدم الأسماء بشكل مميز أو التوقيعات أو الكلمات أو الحروف أو الأرقام أو الرسوم أو الرموز أو عناوين المحال أو الدمغات أو الأختام أو التصاوير أو النقوش البارزة أو مجموعة من الألوان المستخدمة بشكل مميز وخاص أو أي مزيج مما سبق ذكره بشرط أن يكون ذلك الاستخدام بهدف تمييز منتجات عمل صناعي، أو استغلال زراعي أو استغلال للغابات أو لمستخرجات الأرض، وطبقاً لتعريف المنظمة العالمية للملكية الفكرية - الوايبو WIPO - فإن العلامة التِـِجارية هى رمز يـُميز سلع أو خدمات مؤسسة ما عن سلع أو خدمات المُؤسسات الأخرى، وتخضع العلامات التجارية لحماية حقوق الملكية الفكرية – كما أكد "العيلى".
هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يمكن أن تستخدم العلامة للإشارة إلى مصدر المُنتجات التي تحمل العلامة ، أو البضائع أو نوع تلك المُنتجات، أو مستوى تلك المنتجات أو ضمانها، أو تستخدم العلامة لتمييز طريقة إعداد المُنـتَـج أو للإشارة إلى أداء خدمة معينة، ومن ثم يكون القانون قد أوضح أن العلامة قد تكون موجودة على مُنتج سواء سلعة أو خدمة في كافة مجالات الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي أو أية بضاعة بمعنى أن العلامة تستخدم لتمييز المنتجات الصناعية أو الزراعية أو أية بضائع من أي صنف ونوع.
وقد اشترطت بعض التشريعات على أنه من الضروري ومن المهم أن تكون العلامة قابلة للإدراك بالبصر ومنها قانون الملكية الفكرية المصري غير أن بعض التشريعات تسمح بتسجيل نوع من العلامات يُطلق عليه الفقه العلامات غير التقليدية مثل علامة "اللمس، الرائحة" وعلامات الصوت مثل صوت أنظمة تشغيل الويندوز، إذن العلامة التِـجارية تُـستخدم لتمييز أي مُنتج سواء كان سلعة أو خدمة عن غيره من المنتجات فأين السلعة أو الخدمة التى يمكن تمييزها بصمة الصوت موضوع الطلب المقدم من السيدة جورجيا ميلوني.
ما هو الموقف القانوني وفقاً لقانون وتعليمات المكتب الأوروبي للملكية الفكرية؟
يؤكد الخبير القانوني: وفقاً لمكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية - EUIPO - فإن رئيسة الوزراء الإيطالية السيدة/ جورجيا ميلوني - Giorgia Meloni - قدمت طلباً لتسجيل علامة صوتية ويتكون الطلب من تسجيل صوتى مدته "4" ثوانى تقول فيه باللغة الإيطالية (Io sono Giorgia Meloni) أي (أنا جورجيا ميلوني)، وقد ارتبط هذا الطلب برغبتها فى مواجهة مخاطر استنساخ الصوت بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدى والتزييف العميق ( Deepfakes) ووفقاً للتقارير المنشورة فإن الطلب يغطى فئات من الخدمات التى تشمل المحتوى مُتعدد الوسائط القابل للتنزيل ، والأنشطة الثقافية، وتنظيم الفعاليات السياسية – الكلام لـ"العيلى".
ما هو موقف القانون الأوروبى من تسجيل العلامات التجارية الصوتية؟
القانون الأوروبي يسمح من حيث المبدأ بتسجيل الصوت كعلامة تجارية ولكن يشترط أن يكون الصوت قادراً على تمييز السلع أو الخدمات كما يشترط أن يكون موضوع الحماية قابلاً للتحديد بوضوح ودقة وتنص المادة "4" من اللائحة الأوروبية رقم 1001/2017 صراحة على إمكانية أن تتكون علامة الاتحاد الأوروبي من "الأصوات"، وتشترط أيضاً المادة "7" على ضرورة توافر الطابع المُميز وفى المقابل تمنح المادة "9" صاحب العلامة المُسجلة حقوقاً استئثارية ضمن النطاق الذي يحدده القانون متى توافرت الشروط .
غير أنه من الجدير بالذكر هنا أن الاتحاد الأوروبي يوفر قواعد حماية قانونية أخرى تتصل مباشرةً بحالات التزييف العميق (Deepfakes ) تأتى هذه القواعد ضمن قانون قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ( AI Act) فنجد المادة "50" تـُلزم مُشغلى أنظمة الذكاء الإصطناعي التي تـُولد أو تتلاعب بالصوت أو الصورة أو الفيديو بما يشكل - Deepfake - بالإفصاح عن أن المُحتوى مـُولد أو مـُعدل اصطناعيا وذلك مع وجود استثناءات مُحددة للأعمال الفنية أو الساخرة وغيرها، كما تُـلزم بعض الأنظمة بوضع علامات قابلة للقراءة آلياً على المخرجات الاصطناعية المُولدة بالذكاء الاصطناعي.
والسؤال هل صوت السيدة (جورجيا ميلوني) قادر على أداء وظيفة العلامة التجارية أي هل المقطع الصوتي موضوع طلب التسجيل قادر على تعريف وتمييز مصدر سلع أو خدمات معينة؟ وفقاً لإرشادات مكتب الملكية الفكرية الأوروبى؟
يُجيب "العيلى": من حيث المبدأ توضح إرشادات المكتب الأوروبى - EUIPO -أن العلامة الصوتية يجب أن تكون مُـمَـيزة بحيث يُدركها المُستهلك كعلامة تشير إلى ارتباط حصري بمشروع معين إذاً الأصوات البشرية مقبولة من حيث المبدأ، وتشير الإرشادات بأن العلامة الصوتية يمكن أن تتكون من أصوات متنوعة بما فيها الموسيقى أصوات الطبيعة ، الأصوات الواقعية ، الكلام المنطوق العناصر الصوتية الأخرى إذاً من حيث المبدأ لا يوجد مانع لمجرد أن العلامة صوت بشري، ولكن ذلك يصطدم بما تشترط المادة "7" من اللائحة الأوروبية التى تمنع تسجيل العلامات التي تفتقر إلى الطابع المُـميز، وهنا بيت القصيد فى موضوع الطلب المُقدم.
والسؤال التالي هو هل التسجيل الصوتي المُحدد مُميز بما يكفي لكي يؤدي وظيفة العلامة؟
والإجابة – وفقا لـ"العيلى": أن الصوت ليس مُحمياً لمجرد كونه صوتاً ولا يكفي أن يكون الصوت "صوت ميلوني" بحد ذاته علامة تجارية، فلو كان التسجيل مُجرد صوت بشري عادي فقد تكون هناك مشكلة في غياب الطابع المُـمَـيِّر، أما إذا أصبح الصوت معروفاً لدى الجمهور باعتباره مؤشراً لمصدر معين، فإن ذلك يدعم الحماية وفقاً لإرشادات المكتب الأوروبي التى تُـشدد على أن الصوت ينبغي أن يكون قابلاً للإدراك باعتباره علامة وأن الأصوات شديدة البساطة أو العادية قد تفتقر إلى الطابع المميز مناط الحماية.
والسؤال ماذا لو سُجل صوت السيدة ميلوني كعلامة تجارية صوتية؟
الإجابة هى أن الحماية المقررة بموجب القوانين الأوربية لا تشمل كل صوت يشبه صوت السيدة / جورجيا ميلوني، بل تشمل التسجيل الصوتي المُحدد (أنا جورجيا ميلوني) المُسجل كعلامة وقصر الحماية على النطاق التِجارى الذي تحميه العلامة وهو "السلع والخدمات" التى تميزها العلامة التجارية الصوتية.
ولكن ماذا عن مضمون طلب التسجيل المُقدم من السيدة (مليونى) وكيف يمكن النظر فى محتوي الطلب وفق القوانين الأوربية وقوانين حقوق الملكية الفكرية والمعاهدات النافذه ذات الصلة؟
ارتبط طلب السيدة (مليونى) برغبتها فى مواجهة مخاطر استنساخ الصوت بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدى والتزييف العميق ( Deepfakes) وهذا يقودنا لبحث نقطة أعمق وهي حقوق الشخصية والهوية حيث أنه وفقاً للقانون الإيطالي فى تقرير حقوق الهوية الشخصية وما يرتبط بالاسم والصورة والشهرة فإن المادة "10" من القانون المدني الإيطالي تقرر آلية قانونية للتعامل مع إساءة استخدام صورة الشخص وتعطى الحق فى طلب وقف الإساءة والتعويض في الحالات المنصوص عليها.
كما تقرر المادة "96" من قانون حق المؤلف الإيطالي قاعدة عامة بشأن عدم استخدام صورة الشخص أو توزيعها تجارياً دون رضاه مع إيرادو استثناءات تم النص عليها فى المادة "97" ولم يورد القانون الإيطالي نصوص تتعلق بالهوية الصوتية كالتي أوردها فى شأن الاستخدام الضار للصورة إلا أن القواعد القانونية الإيطالية تعترف وتـُقر بوجود مصلحة قانونية في حماية جوانب معينة من هوية الشخص، وتشير المنظمة العالمية للملكية الفكرية - WIPO - إلى أن حماية الصوت والملامح الشخصية تختلف بين الدول وقد تعتمد على مزيج من الملكية الفكرية والمنافسة غير المشروعة وحقوق الشخصية وحقوق الشهرة وقوانين أخرى.
كما ذكرنا سابقاً فإن الاتحاد الأوروبي يوفر قواعد حماية قانونية أخرى تتصل مباشرةً بحالات التزييف العميق ( Deepfakes ) تأتى هذه القواعد ضمن قانون قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي ( AI Act) فالمادة "50" تـُلزم مُشغلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تـُولد أو تتلاعب بالصوت أو الصورة أو الفيديو بما يشكل تزييف بالإفصاح عن أن المُحتوى مـُولد أو مـُعدل اصطناعيا وذلك مع وجود استثناءات مُحددة للأعمال الفنية أو الساخرة وغيرها كما تُـلزم بعض الأنظمة بوضع علامات قابلة للقراءة آلياً على المُخرجات الاصطناعية المُولدة بالذكاء الاصطناعي.
وخلاصة القول:
يقول "العيلى": إنه يحق للسيدة "ميلوني" من حيث المبدأ طلب تسجيل صوتها كعلامة تجارية لكن هذه العلامة حتى إذا سُجلت تحمي التسجيل الصوتي بوصفه علامة تجارية ضمن نطاق تجاري مُحدد يحمى السلع والخدمات موضوع العلامة ولا تمنحها ملكية مُطلقة لصوتها أو حقاً في منع جميع أشكال استنساخه بالذكاء الاصطناعي وفى حال استخدام الصوت، وفي تصريح سياسي مزيف فقد لا يكون قانون العلامات التجارية وحده كافياً وهنا تدخل القواعد القانونية التي تحمى حقوق الهوية الشخصية والتشهير والتضليل وغيرها بحسب الحالة وهذه لها ما يعضدها فى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي.
وتابع: وعلى غرار الجهود التى قامت بها - الـ Wipo - فى إنشاء شبكة عالمية لتوحيد معايير تقييم الأصول غير الملموسة نرى أنه من الأهمية بمكان تضافر الجهود الدولية عن طريق المنظمة العالمية للملكية الفكرية - Wipo - لإنشاء حق مُستقل فى الهوية الصوتية يمنح الإنسان سُلطة التحكم فى استنساخ صوته رقمياً وإتاحته تجارياً وتقرير العقوبات المقررة فى حالات التزييف العميق وتوحيد المعايير الدولية فى هذا الشأن فى ظل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقاطع ذلك مع حقوق الملكية الفكرية وتقرير ما يصلح للحماية المقررة بموجب قوانين الملكية الفكرية والمعاهدات النافذة وما يخرج من هذه الاستخدامات والوقائع عن فلك حقوق الملكية الفكرية ويدخل فى نطاق قوانين أخرى تحمى الهوية الشخصية من أفعال التشهير والتضليل.
