تجريم قطع الأشجار
الحماية القانونية لا تقتصر على الأشخاص والأموال، إنما حرص المشرع المصرى على أن تمتد كذلك لتشمل حماية البيئة، وصارت الجريمة البيئية من أخطر الجرائم التى يعاقب عليها القانون، فقد صدرت توجيهات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بمنع قطع وإزالة الأشجار، والإسراع بزراعة كل المحاور والطرق الرئيسية في مختلف المحافظات، والالتزام بعدم قطع الأشجار، والعمل على زيادة الرقعة الخضراء بها، والتوسع في زراعة الأشجار، وفقاً لتوجيهات فخامة الرئيس، حيث تم البدء بالقاهرة ولكن هذا التوجيه عاماً للجميع.
ومنذ أيام - أصدرت الدائرة "الثالثة والخمسون" أفراد - الإسكندرية ومرسى مطروح – المنعقدة بمحكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، بمجلس الدولة، حكماً قضائياً فريداً من نوعه، يضع ضوابط أعمال إزالة الأشجار وقطعها وإلزام الإدارة بتقديم دراسة تقييم أثر بيئي قبل أتخاذ مثل تلك القرارات، وذلك بالتزامن مع النقاش والحراك المثار حول قطع الأشجار وتدمير الغطاء الأخضر، وذلك في الدعوي المقيدة بالسجل العام تحت رقم 21271 لسنة 79 قضائية.
الحماية القانونية للأشجار والمسطحات الخضراء في مصر
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على الحماية القانونية للأشجار والمسطحات الخضراء في مصر، ففي ظل ازدياد الاهتمام العالمي بالبيئة وظهور مخاطر كبيرة للاحتباس الحراري، لم تعد الأشجار عناصر جمالية تُترك لتقدير أصحابها أو الجهات القائمة عليها، بل أصبحت محلًا لمنظومة حماية قانونية متعددة المستويات، تبدأ من الدستور وتمر بقانون العقوبات وقانون البيئة وقانون الموارد المائية والري وقانون الزراعة، وتتصل بالتزامات مصر الدولية، والسؤال القانوني الذي تثيره الأشجار؛ لا يقف عند بأي ذنب قطعت، وإنما يمتد لما هو أعمق من ذلك وأوسع نطاقاً ليشمل من ولماذا وكيف وما الجزاء؟ - بحسب الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار.
توطئة تاريخية:
في البداية - يحسن قبل الشروع في المقصود أن ننقل هذا الشاهد التاريخي ليكون بمثابة مقدمة لهذا البحث المختصر، حيث نقل الأستاذ البحاثة وائل أنور بندق عبر صفحته على فيسبوك عن القاضي الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة، في كتابه "التراث العظيم للأجداد الأوائل لنشأة مجلس الدولة في السيادة الوطنية" (ص120)، أن مجلس الدولة أصدر بتاريخ 26 يناير 1958 الفتوى رقم 280، بإلزام إدارة الكهرباء والغاز بتعويض وزارة الشؤون البلدية والقروية مبلغ 12.752 جنيهًا عن إتلاف شجرة واحدة بشارع حشمت بالزمالك أثناء استبدال مواسير الغاز – وفقا لـ"عمار".
وتظهر هذه الفتوى بجلاء قيمة الشجرة في الوجدان القانوني المصري، وأن هذه الحماية القانونية أقدم من التشريعات البيئية الحديثة؛ إذ كان مجلس الدولة يُلزم بالتعويض عن شجرة واحدة قبل صدور دستور 2014 بأكثر من نصف قرن، وقبل قانون البيئة بستة وثلاثين عامًا – الكلام لـ"عمار".
أولًا: الأساس الدستوري
تنص المادة (45) على التزام الدولة بحماية بحارها وشواطئها وبحيراتها ومحمياتها الطبيعية، وتضيف صراحةً: "تكفل الدولة حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر"، وتنص المادة (46) على أن: "لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني، وتُلزم الدولة بالاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية تحقيقًا للتنمية المستدامة وضمانًا لحقوق الأجيال القادمة – هكذا يقول "عمار".
غني عن البيان أن هاتين المادتين وإن كانتا لا تُنشئان بذاتهما جريمة؛ إذ التجريم خاضع لمبدأ الشرعية الجنائية، ويستلزم دومًا نصًا تشريعيًا خاصًا يحدد الفعل وأركانه وعقوبته. غير أنهما يؤكدان في الوقت ذاته على أهمية الأشجار والحفاظ على المسطحات الخضراء كالتزام دستوري على الدولة، وحق من حقوق الإنسان المصري – كما أوضح الخبير القانوني.
ثانيًا: الحماية الجنائية العامة (قانون العقوبات 58/1937)
نص قانون العقوبات بحسبانه القانون العام للتجريم على بعض الأفعال والتي تشكل صوراً إجرامية مؤثمة، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (162) من تجرّم قطع وكذا إتلاف الأشجار المغروسة في الأماكن المعدة للعبادة أو في الشوارع أو في المتنزهات أو في الأسواق أو في الميادين العامة وترصد لذلك عقوبة الحبس والغرامة أو إحداهما، مع دفع قيمة التلفيات – طبقا لـ"عمار".
كما رصدت المادة (367) عقوبة الحبس لكل من قطع أو أتلف الزرع والشجر أيًا كانت طبيعته، وكذا اقتلاع الشجرة أو قطعها أو تقشيرها بقصد إهلاكها، وجدير بالذكر أن بعض صور هذه الجريمة إذا اقترنت بظرف مشدد فإنها تصير جناية، هذا وقد اعتبرت أحكام محكمة النقض "القطع" ضربًا من الإتلاف.
ثالثًا: قانون البيئة رقم 4/1994 (المعدَّل بالقانونين 9/2009 و105/2015)
بينما وضعت المادة (27) التزاماً عاماً إيجابياً بتخصيص مشتل لإنتاج الأشجار في كل حي وقرية على مساحة محددة، فإن المادة (28) قد تضمنت حظراً على قطع أو إتلاف النباتات، وأحالت صراحةً إلى اللائحة التنفيذية لتحديد الأنواع المحمية، ومن ثم فإن اللائحة التنفيذية هي التي تحدد الأنواع المشمولة بهذه الحماية القانونية، وفضلاً عن ذلك، وتأكيداً لهذه الحماية فقد رصدت المادة (84) عقوبة جنائية هي الحبس وغرامة من 5 آلاف إلى 50 ألف جنيه، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، وذلك جزاء لمخالفة هذا الحظر، وغني عن البيان أن هذه الصياغة التي تفتح الباب لتطبيق النص الأشد عند تعدد الجرائم – كما يرى "عمار".
رابعًا: قانون الموارد المائية والري رقم 147/2021
هذا القانون الخاص بحماية الموارد المائية قد بسط هو الآخر حماية مكانية ووظيفية لبعض الأشجار والمسطحات الخضراء: فتحظر المادة "8": (التصرف بالقطع أو القلع في الأشجار والنخيل القائمة على الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والري إلا بترخيص، وتُقرر المادة (99) غرامة من ألف إلى خمسة آلاف جنيه عن الشجرة الواحدة، مع تأكيد المادة (98) عدم الإخلال بحق الوزارة في إعادة الحال إلى أصله أو بأي عقوبة أشد.
خامسًا: قانون الزراعة 53/1966
كذلك الحال فإن قانون الزراعة وفي نطاق سريان أحكامه قد تضمن بعض النصوص المتعلقة بالموضوع محل الدراسة، حيث نظمت المادة (65) تنظيم غرس الأشجار الخشبية على جسور الترع والمصارف، ونصت المادة (106) على تعويض قدره ثلاثة أمثال قيمة الشجرة عند تلفها أو قطعها بالمخالفة لأحكامه.
سادسًا: القاعدة الجامعة
من خلال ما سبق يتضح بجلاء أن الأشجار قد حظيت بحماية قانونية مركبة، وهي وإن كانت لا تُنشئ الجريمة بذاتها؛ وإنما ينشئها الفعل غير المشروع الذي ينصب عليها متى توافرت أركان النص الجنائي الواجب التطبيق، وجدير بالإشارة في هذا الصدد أنه لا يُعفي التذرع بمشروعات التنمية أو توسعة الطرق من هذه الحماية القانونية؛ فمشروعية المشروع العام لا تُبرر تلقائيًا طريقة التعامل مع الأشجار داخله، بل يجب -بحسب الأصل- اتباع هذه الأحكام القانونية.
سابعًا: منهج عملي مختصر للمحامي قبل بحث العقوبة، يُحدَّد:
(1) موقع الشجرة وملكيتها والولاية عليها،
(2) طبيعة الفعل (تقليم مشروع أم إتلاف)،
(3) هل النبات من الأنواع المحمية باللائحة التنفيذية لقانون البيئة،
(4) وجود الترخيص وصدوره عن الجهة المختصة،
(5) الدليل الفني (خبرة زراعية) لإثبات الخطورة أو عدمها،
(6) النص الخاص واجب التطبيق من بين النصوص المتقدمة.
ثامنًا: تعدد صور المسؤولية
لا يخفى أنه قد تجتمع في الواقعة الواحدة صوراً متعددة للمسئولية: مسؤولية جنائية (عند توافر أركان أحد الجرائم)، ومسؤولية مدنية (التعويض، وكما جسّدته فتوى 1958)، ومسؤولية إدارية (تجاوز الاختصاص أو مخالفة الترخيص)، دون أن يحجب انتفاء إحداها قيام الأخرى، طبقاً لقواعد المسئولية ونطاقها.
تاسعًا: الالتزامات الدولية
لا يفوتنا أن ننوه في نهاية هذا العرض الموجز وغير بعيد من هذا الإطار القانوني المنظم للحماية للأشجار والمسطحات الخضراء أن مصر طرف في عدة اتفاقيات دولية تنظم بشكل أو آخر مسألة حماية الأشجار والمسطحات الخضراء، مثل اتفاقية التنوع البيولوجي (تصديق 2 يونيو 1994، نفاذ 31 أغسطس 1994)، واتفاقية مكافحة التصحر (تصديق 7 يوليو 1995)، واتفاق باريس للمناخ (توقيع 22 أبريل 2016، تصديق 29 يونيو 2017)، وهذه الاتفاقيات وإن كانت لا تُنشئ تجريمًا مباشرًا لقطع الأشجار؛ إلا أنها تبقى مصدراً للالتزام قانوني على عاتق الدولة المصرية، وجزء من تشريعاتها الوطنية، استناداً إلى نص المادة (151)من الدستور والتي تجعل من الاتفاقيات الدولية المنضمة إليها مصر بمثابة تشريعات وطنية واجبة النفاذ.
من فتوى مجلس الدولة عام 1958 إلى دستور 2014 وقوانين البيئة والموارد المائية والزراعة، يتأكد أن الحماية القانونية للشجر في مصر أصيلة لا مستحدثة، وهي موزّعة النصوص، متفاوتة الجزاء، تستوجب تكييفًا دقيقًا لا تعميمًا، والقاعدة الحاكمة: لا إزالة إلا في أضيق الحدود ولسبب مشروع، ولا قطع إلا وفق الضوابط القانونية والفنية، ولا حماية فعالة إلا بنص واضح ورقابة جادة وجزاء رادع.
الحماية القانونية تضمنتها نصوص القانون لحماية البيئة، وبشكل خاص حماية الأشجار
القانون المصرى من القوانين الرائدة عالميًا فى تحقيق الحماية القانونية للحفاظ على البيئة، حيث أثم الجريمة البيئية ووضع تعريفًا واضحًا لها، نص على أنها كل اعتداء على البيئة سواء الهوائية أو المائية أو الأرضية، بما يقلل من قيمتها أو يشوه طبيعتها، أو استنزاف مصادرها، كما أفرد لحماية الأشجار عددًا من النصوص القانونية فى قوانين عدة، منها قانون العقوبات، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، وقانون الموارد المائية والرى رقم 147 لسنة 2021.
وحظر قانون حماية البيئة رقم 4 لسنة 1994 قطع الأشجار، حيث نصت المادة رقم 28 من هذا القانون على أنه: "يُحظر بأية طريقة قطع أو إتلاف النباتات أو حيازتها أو نقلها كلها أو أجزاء منها أو مشتقاتها أو منتجاتها، أو القيام بأعمال من شأنها تدمير موائلها الطبيعية، أو تغيير الخواص الطبيعية لها أو لموائلها"، ونصت المادة رقم 84 من ذات القانون على أنه: مع عدم الإخلال بأى عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، يعاقب كل من يخالف أحكام المادة 28 من هذا القانون بالحبس، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
جريمة قطع الأشجار
كذلك أثم قانون العقوبات المصرى جريمة قطع الأشجار فى المادة 162 منه، التى نصت على أن يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على 500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قطع أو أتلف أشجارًا مغروسة فى الشوارع أو المتنزهات أو الأسواق أو الميادين العامة أو الأماكن المعدة للعبادة، علاوة على الحكم عليه بدفع قيمة الأشياء التى أتلفها أو قطعها، ونصت المادة 367 على عقوبة الحبس مع الشغل لكل من يقطع أو يتلف أو يقلع أشجارًا أو زرعًا مغروسًا، ويجوز وضع الجانى تحت المراقبة لمدة سنة على الأقل.
كما تحظر المادة رقم 8 من قانون الموارد المائية رقم 147 لسنة 2021 التصرف فى الأشجار والنخيل التى زرعت أو تزرع فى الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والرى، سواء بقطعها أو قلعها، إلا بموجب ترخيص بذلك من وزارة الرى، ويعاقب من يخالف ذلك بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه عن الشجرة الواحدة أو النخلة الواحدة، وفقًا للمادة 99 من هذا القانون.