محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "هـ" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يهم ملايين المتعاملين بـ"التوكيل"، رسخت خلاله لعدة مبادئ قضائية بشأن ضوابط ومعايير إلغاء "التوكيل"، والتصدي لاستغلال الوكالة كستار للسمسرة، قالت فيه: "جواز الغاء التوكيل دون موافقة الطرف الاخر ولو ورد به نص البيع للنفس أو للغير أو لا يجوز الغاؤه إلا بحضور الطرفين، ما لم يتضمن نصوص قاطعة وصريحة بوجود مصلحة للوكيل أو الغير باستمرار الوكالة"، وذلك في الطعن المقيد برقم 7910 لسنة 91 قضائية.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 7910 لسنة 91 قضائية، لصالح المحامى بالنقض يحيى سعد، برئاسة المستشارمحمد بدر عزت، وعضوية المستشارين عزالدين عبدالخالق، وهانى محمد صميده، وجمال أبو كريشة، وهشام عزالدين، وبحضور كل من رئيس النيابة محمد محمد مسعود، وأمانة سر مجدي حسن على.
الوقائع.. وكيل يستغل الوكالة
تبدأ القصة عندما قرر أحد المواطنين استغلال عقاره، وقام بإصدار عقد توكيل رقم 10151 لسنة 2016 توثيق مدينة نصر لشخص آخر ليعمل بوصفه وكيلاً عنه لبيع شقة سكنية، تضمن التوكيل البند التقليدي الشائع: "حق البيع للنفس وللغير" – ولكن - بعد مرور عامين كاملين، فوجئ صاحب العقار بأن "الوكيل" لم يقم ببيع الشقة، بل تبين أن التوكيل يُستخدم في حقيقته كـ "عقد سمسرة"؛ حيث كُلّف الوكيل ببيع الشقة بأعلى سعر ممكن لمصلحة المالك، دون أن يُصدر التوكيل أصلًا لمصلحة هذا الوكيل أو لإعفائه من التزاماته.
المواجهة القضائية
وعندما أدرك الموكل ذلك، تحرك قضائياً لإنهاء وإلغاء عقد الوكالة، ولِمَا وجده من خيبة أمل أولية رفع الموكل دعواه أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية بالدعوى رقم 4056 لسنة 2018 مدني كلي مطالياً بإلغاء التوكيل، لكن محكمة أول درجة رفضت الدعوى.
ولم ييأس الموكل، فاستأنف الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 1946 لسنة 23 ق، لكن محكمة الاستئناف أيدت الحكم الابتدائي ورفضت إلغاء التوكيل، واستندت في ذلك إلى أن عبارات التوكيل تُعطي الوكيل الحق في البيع للنفس أو للغير، مما يجعله في نظرها صادرًا لمصلحة الوكيل ولا يجوز عزله.
محكمة النقض:
وهنا جاء دور محكمة النقض كمرحلة أخيرة من مراحل التقاضى، ولتصبح كلمة الفصل وإرجاع الحقوق لنصابها، فلم يرض الموكل بهذا الحكم، ولجأ إلى محكمة النقض في الطعن رقم 7910 لسنة 91 قضائية، بجلسة 16 فبراير 2025م، رسخت الدائرة المدنية بمحكمة النقض برئاسة القاضي محمد بدر عزت نائباً عن رئيس المحكمة، رسالة قانونية صارمة وحاسمة:
المبدأ القانوني "المادة 715 مدني":
-الأصل أن عقد الوكالة هو عقد غير لازم، ويحق للموكل إنهاؤه أو عزل الوكيل في أي وقت بإرادته المنفردة.
-الاستثناء: لا يجوز للموكل عزل الوكيل أو إنهاء الوكالة فقط إذا كانت الوكالة صادرة لصالح الوكيل أو لصالح أجنبي ، بحيث يترتب على عزل الوكيل ضرر مباشرٌ به.
-حقيقة الصيغة الشهيرة: مجرد وجود عبارة "البيع للنفس أو للغير" في عقد التوكيل لا يعني حتماً أن الوكالة حررت لمصلحة الوكيل، ولا تكفي بحد ذاتها لإثبات وجود مصلحة تمنع الموكل من عزله.
-عبء الإثبات: تقع على عاتق الوكيل مسؤولية تقديم الدلائل والقرائن القاطعة التي تثبت أن الوكالة صُدرت في الأصل لحماية مصلحة خاصة له.
وأوضحت المحكمة أن الحكم المطعون فيه قد شابه القصور في التسبيب وإغفال دفاع جوهري؛ إذ لم يمحص حقيقة العلاقة بين الطرفين كونها مجرد عقد سمسرة بأعلى سعر وحجب نفسه عن بحث الإرادة المشتركة لطرفي الوكالة.
منطوق الحكم والتصرف القانوني:
بناءً على ذلك، أصدرت المحكمة حكمها بـ:
-نقض الحكم المطعون فيه.
-إعادة القضية والإحالة إلى محكمة استئناف القاهرة لتُعيد نظرها من جديد بهيئة أخرى.
-إلزام المطعون ضده "الوكيل" بالمصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

النقض تعيد رسم الحدود بين حقوق الموكل والوكيل 2

