محكمة - أرشيفية
>>التوكيل الخاص لا يعتبر بيعاً وإنما مجرد تفويض بالبيع ويلتزم الوكيل بتقديم كشف حساب عن ذلك البيع لموكله أو ما يثبت سداد الثمن .
>>أن دفع الأقساط نيابة عن المالك لا يعني أن الوكيل دفع من ماله الخاص، وإنما قد يكون من مال الموكل نفسه .
>>ليس معنى صدور حكم قضائي نهائي بصحة التوكيل وعدم تزويره أن يصبح غير قابلاً للطعن له بأسباب أخرى مثل عدم سداد الثمن أو سبب يعود إلى عيب من عيوب الإرادة مثل الغش والتدليس أو الغلط .
>>في عمليات شراء عقار لا بد من إثبات دفع الثمن ولو بإيصال تحويل بنكي أو شيك أو توقيع البائع على عقد البيع وإقراره باستلام كامل الثمن .
>>عند شراء عقار لا بد من إثبات واقعة الاتفاق على ثمن العقار وقيمته وكيفية سداد الثمن .
>>التوكيل ليس مستند ملكية وإنما أداة تستخدم في نقل الملكية، وهي بمفردها لا يمكن أن تثبت الملكية أو تثبت عملية بيع وشراء وإنما مجرد تفويض بالبيع، ولذلك يلزم أن يرافقه إيصال سداد الثمن .
>>كن حريصاً كل الحرص على حضور عدد من الأصدقاء أو الجيران أو الأقارب ليشهدوا عملية البيع بحيث إذا تعرض العقد للطعن بأي سبب من أسباب البطلان لا يضيع حقك في إثبات واقعة البيع وسداد الثمن .
>>عملية البيع والاتفاق على الثمن هي بذاتها واقعة مادية يجوز إثباتها بشهادة الشهود .
>>يجوز الإثبات بشهادة الشهود سداد مبلغ أكبر من ألف جنيه إلا إذا اعترض صاحب المصلحة وصمم على الإثبات بالطرق المقررة قانوناً وهي الكتابة .
>>في المعاملات التي اشترط القانون إثباتها بالكتابة لا يجوز إثباتها بشهادة الشهود، إلا إذا سكت الخصم .
أصدرت الدائرة "22" مدنى كلى – المنعقدة بمحكمة القاهرة الجديدة الإبتدائية – حكماً فريداً من نوعه، بإلغاء التوكيل الرسمي الخاص لعدم سداد الثمن، بعدما قامت شقيقة المتوفى بنقل ملكية عقار باسمها تُقدر قيمته بـ100 مليون جنيه من خلال ذلك التوكيل الرسمي الخاص، وبعد تداول القضية في المحاكم لمدة 6 سنوات، انتصرت المحكمة لورثة المتوفى بإلغاء التوكيل بعد الطعن عليه، وأرست ورسخت خلاله لـ10 مبادئ قضائية أبرزها في الدعوى المقيدة برقم 8695 لسنة 2025 مدنى كلى:
1-التوكيل الخاص لا يعتبر بيعاً وإنما مجرد تفويض بالبيع ويلتزم الوكيل بتقديم كشف حساب عن ذلك البيع لموكله أو ما يثبت سداد الثمن .
2-أن دفع الأقساط نيابة عن المالك لا يعني أن الوكيل دفع من ماله الخاص، وإنما قد يكون من مال الموكل نفسه .
3-ليس معنى صدور حكم قضائي نهائي بصحة التوكيل وعدم تزويره أن يصبح غير قابلاً للطعن له بأسباب أخرى مثل عدم سداد الثمن أو سبب يعود إلى عيب من عيوب الإرادة مثل الغش والتدليس أو الغلط .
4-في عمليات شراء عقار لا بد من إثبات دفع الثمن ولو بإيصال تحويل بنكي أو شيك أو توقيع البائع على عقد البيع وإقراره باستلام كامل الثمن .
5-عند شراء عقار لا بد من إثبات واقعة الاتفاق على ثمن العقار وقيمته وكيفية سداد الثمن .
صدر الحكم في الدعوى المقيدة برقم 8695 لسنة 2025 مدنى كلى، لصالح المحامى محمد مبروك، برئاسة المستشار أحمد شاهين، وعضوية المستشارين محمود الرابط، وشهاب الدين أيمن، وأمانة سر محمد كمال.

الوقائع.. نزاع قضائى حول إلغاء توكيل رسمي
الوقائع تتحصل في أن مالك عقار كان مهندساً قضى عمره يعمل بالسعودية، وجمع مدخراته واشترى قطعة الأرض رقم "..." بالتجمع الخامس بمساحة 960 متر مربع، وأقام عليها بناء مكون من أربعة طوابق وفقاً لرخصة البناء الصادرة من جهاز مدينة القاهرة الجديدة، والعمارة اليوم يقارب سعرها 100 مليون جنيه، وكان قد حرر توكيلاً خاصاً لشقيقته الكبرى كي تتابع له أعمال التراخيص والإنشاءات خلال فترة تواجده بالمملكة العربية السعودية، وقد اعتاد أن يرسل لها الأموال بالتحويلات البنكية، وحرر لها توكيل بنكي يبيح لها السحب من حساباته البنكية لإدارة أعماله في مصر وإتمام بناء العمارة وتشطيبها .
شقيقة المهندس تقوم بنقل الأملاك لحسابها
وفي غضون عام 2021 أصيب المهندس بالسرطان، وتم نقله إلى مصر مشمولاً بالعناية المركزة على متن الطائرة، ولم يبق سوى أسبوع له في مصر حتى توفى، ونظراً لأن شقيقته على خلافات مع زوجته، فقد استغلت التوكيل المحرر لها من شقيقها قبل وفاته، وقررت نقل ملكية العقار لنفسها من الزوجة وأبنائها، فأقام الورثة دعوى تزوير أصلية حملت رقم "..." مدني كلي بور سعيد، فصدر حكم المحكمة بصحة التوكيل، واستؤنفت برقم ".... ق ..."، فحكمت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف وتأييد حكم أول درجة الذي قضى بصحة التوكيل، وحملتهم الرسوم والمصروفات .

الورثة أقاموا دعوى تزوير أصلية.. ومحكمة أول درجة تقضى بصحة التوكيل
فأقاموا الدعوى مجدداً أمام محكمة القاهرة الجديدة الابتدائية، وطلبا في صحيفتها الحكم برد وبطلان التوكيل ذاته، فدفعت المدعى عليها بسابقة الفصل في موضوع هذا التوكيل أمام محكمة بور سعيد بحكم نهائي غير قابل للطعن عليه، لكن الورثة جادلوا في كون ذلك الحكم النهائي يمثل سابقة فصل في الدعوى من عدمه، وهل تمتد آثار ذلك الحكم إلى تحصين التوكيل من كل شيء، وأوردت المذكرة أنه وإن كان الخصوم هم أنفسهم والموضوع ذاته التوكيل رقم "..." بشأن بيع العمارة رقم "..." بحي الأندلس بالتجمع الخامس، إلا أن الفرق بين الدعويين يكمن في اختلاف السبب في كل دعوى، فليست كل سابقة فصل تمتد في أثرها لتحصين المستند من كافة أوجه الطعن عليه ، فالدعوى الأولى كانت طعن بالبطلان للتزوير، بينما الثانية طعن بالبطلان لعدم سداد الثمن أو الاتفاق عليه .
لكن المدعى عليها تمسكت بسابقة الفصل في موضوع هذا التوكيل أمام محكمة بورسعيد وصدور حكم نهائي، وقدمت دعوى فرعية ضد ورثة شقيقها طلبت في ختامها عقابهم على إساءة استغلال حق التقاضي وإزعاجها بدعاوى كيدية كل مرة وطلبت من المحكمة إلزامهم بأن يدفعوا لها تعويض عن إساءة استخدام حق التقاضي.
الورثة يستأنفون الحكم لإلغائه.. و"الاستئناف" ترفض
وقد أحالت المحكمة الدعوى للتحقيق، فتمسك المدعين بعدم جواز إثبات دفع الثمن بشهادة الشهود لتجاوزه مبلغ الألف جنيه وفقاً لنص المادة 60 من قانون الإثبات وهي الحد الأقصى لقبول شهادة الشهود، وذلك لعلمهم أنها قد تستأجر شهوداً لم يشاهدوا شيئاً ولا علاقة لهم بالموضوع كي يشهدوا لصالحها ، فهي امرأة عنيدة وذات نفوذٍ طاغٍ وعلاقاتها متشعبة وبإمكانها فعل الكثير وهم يعلمون مسبقاً أنها لن تستسلم بأي حال في صراعها مع والدتهم .
وخلال التحقيق استجوبت المحكمة شهود المدعى عليها وهم ابن أخيها والمهندس الاستشاري الذي أشرف على إنشاء العمارة، ورغم أنهما معاً شهداً بأن المدعى عليها هي مشترية العقار وهي من تعاقدت مع المهندس للإنشاء والتشطيب ودفعت التكاليف بيدها، ودفعت رسوم إدخال المرافق (مياه - كهرباء - غاز ..إلخ ) وأن التوكيل يبيح لها البيع لنفسها وللغير، وكذلك قدمت هي إيصالات تفيد سدادها لبعض الأقساط المستحقة على قطعة الأرض لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، وقدمت شهادات أخرى موثقة بالشهر العقاري تدلل من خلالها على شرائها العقار وسداد ثمنه بالكامل من حر مالها، قدمت في جلسة واحدة خمسة عشر حافظة مستندات طالعتها المحكمة وألمت بمضمونها .
الورثة أقاموا الدعوى مجدداً أمام محكمة القاهرة الجديدة
إلا أن المدعى عليهم قدموا صورة رسمية من حكم المحكمة الاقتصادية رقم "..." الصادر لصالحهم ضدها بإلزامها بدفع ما تبقى في ذمتها من أموال كانت قد سحبتها من الحسابات البنكية لوالدهم قبل وفاته بموجب وكالة مصرفية، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً كافياً على أن المدعى عليها كانت تنفق على إنشاء وتشطيب العمارة من أموال شقيقها بموجب تلك الوكالة المصرفية، وأنها لم ترد لورثته ما تبقى بيدها من أمواله، بل وانقضت على حسابه البنكي يوم وفاته وسحبت كل رصيده من حسابه المصري والدولاري وحولت الأموال على حساب زوجها، ولما سألتها المحكمة عن السبب، قالت إنها وصية المرحوم لها بأن تتصدق على روحه وأن تنفق تلك الأموال على حفر بئر في غرب أفريقيا وأن تذبح شاة في تنزانيا ، وقالت أنها أنفقت نصف مليون جنيه على شادر عذاء شقيقها المرحوم، برغم أنه توفى في ظروف حظر التجوال والاجتماعات بسبب تفشي وباء كرونا .
لكن المحكمة التقطت من بين هذا الكلام وشهادة شهودها بضع كلمات بنت عليها عقيدتها، وأثبتت عدم الاتفاق على البيع وعدم الاتفاق على ثمن وعدم الاتفاق على كيفية وموعد سداد هذا الثمن، وهي الأركان الأساسية لعقد البيع كما وصفه القانون، واستدلت المحكمة من إشارة المهندس الاستشاري المكلف بإنشاء العمارة إلى أنه كان يعود إلى المرحوم بشأن التوجيهات الفنية خلال أعمال الإنشاء، استدلت المحكمة من هذه الإشارة إلى أن المرحوم ما زال مالكاً للعقار ولم يكن هناك أي بيع لشقيقته وأن ذلك التوكيل إذا صح فقد كان محرراً فقط لغرض إدارة أعمال الإنشاءات وإدخال المرافق ليس أكثر، ولم تنصرف نية الطرفين إلى بيع العقار مطلقاً .
الورثة طلبوا الحكم برد وبطلان التوكيل ذاته
والغريب أن هذا التوكيل الذي أظهرته يبيح لها التصرف الكامل في العقار بالبيع للنفس والغير من شقيقها، لم يكن موجوداً أبداً قبل تاريخ الوفاة، ولم يظهر في أي مناسبة على الإطلاق، بل إنها أنهت كافة الإجراءات بموجب توكيل إداري آخر، وبموجب هذا التوكيل الإداري تعاقدت مع المكتب الهندسي الاستشاري واستخرجت التراخيص وسددت الأقساط، ولم يكن لهذا التوكيل أي وجود على الإطلاق قبل الوفاة، لكنه ربما ظهر نكاية في زوجة شقيقها بعد وفاته، ورغم أن الورثة طعنوا عليه بالتزوير رسمياً إلا أنها تمكنت من كسب الدعوى بحيلة، حيث أنها عند وصوله محمولاً على متن الطائرة، حملته في سيارتها فوراً إلى مستشفى القطامية ، وتسلمت كافة متعلقاته وحقائبه الخاصة وأوراقه الثبوتية ومستنداته كاملة ، فقد عاش ما يقارب أربعين سنة خارج البلاد ولم يكن له أي مستند يحمل توقيعه داخل مصر يصلح كورقة مضاهاة، فقدمت هي مستندات مزورة أمام الخبيرة بنفس خط يد الشخص الذي زور لها توكيل البيع.
ولذلك قام الخبير بعملية مضاهاة مزورة بكاملها، لأن المضاهاة تمت بين مستند مزور ومستند آخر مزور بنفس الخط ، ولذلك جاء تقرير الخبير بعد الفحص أن التوقيع متطابق، وهو في الحقيقة متطابق فعلاً لكنه ليس توقيع الشخص الموكل، بل إنه التوكيل مزور بنفس خط يد الشخص الذي زور أوراق المضاهاة التي قدمت للخبير، ولم يستطع الورثة تقديم أي مستند يحمل توقيع والدهم الحقيقي لأن عمتهم هي من تسلمت حقائبه ومتعلقاته وكافة مستنداته بالمطار وأخفتها في منزلها، ورفضت تسليم أي شيء من متعلقاته لهم، اللاب توب، البطاقة الشخصية، جواز السفر، الفيزا البنكية، وكافة مستنداته الأخرى ... فقط سلمتهم ملابسه الأخيرة التي تم نزعها من جسده عند الغسل بعد وفاته.

المحكمة تنتصر للورثة بإلغاء التوكيل الرسمي الخاص لعدم سداد الثمن
ولما صدر الحكم لصالحها من محكمة استئناف بورسعيد الذي قضى بصحة التوكيل ورفض الدعوى، اعتبرت ذلك الحكم بمثابة صك الملكية النهائي المحصن، ولذلك عندما لجأوا إلى محكمة القاهرة الجديدة وطعنوا على ذات التوكيل بالبطلان والإلغاء لعدم سداد الثمن سارعت بالتمسك بسابقة الفصل في موضوع التوكيل أمام محكمة بورسعيد، وقدمت دعوى فرعية طلبت فيها التعويض عن إساءة استخدام حق التقاضي، لكن المحكمة كان لها رأيٌ آخر.
دفاع الزوجة يحذر من شركات التطوير العقارى
وفى هذا الشأن – يقول الخبير القانوني والمحامى مقيم الدعوى محمد مبروك - في ظل موجة التطوير العقاري التي راجت خلال السنوات القليلة الماضية، وزحزحت رؤوس الأموال الراكدة تحت البلاط لتنشط اقتصادياً، فات الكثير من المواطنين أن عملية تحريك الأموال هذه تحتاج إلى عملية تأمين بالغة الأهمية، فخلال كل عملية بيع أو شراءٍ لعقار، نحتاج لفحص وتدقيق المستندات بدقة بالغة، ولا يكفي الإنسان وعيه العادي البسيط لتأمين هذه العملية، بل لا بد من الرجوع إلى مستشارك القانوني لتأمين كل خطوة، حتى لا تبقى مهددة بالطعن بالبطلان لسبب لا تعلمه ولم تتوقعه، فكثير من الناس تشتري عقار وتدفع ملايين الجنيهات وربما كانت هي حصيلة شقاء العمر كله، ثم عند الشراء تكتفي بما هو شائع بين الناس.

وبحسب "مبروك" في تصريح لـ"برلماني": والشائع هنا لا يمثل الحقيقة ولا يمثل رأي القانون بل يمثل رأي الأغلبية وما يجري عليه السوق، وهو رأي السماسرة، وهؤلاء لا يهمهم تأمين رؤوس أموالك أو مدخرات عمرك بل يهمهم إتمام الصفقة لتحصيل العمولة، ولذلك فهم يكتفون بأقل قدر ممكن من المستندات، ويعتبرونها صفقة آمنة تماماً، بينما لرجال القانون رأي آخر، وأقرب مثال على ذلك، فقد انتشر البيع بالتوكيل، حيث يقوم المشتري بدفع الثمن نقداً ليقوم البائع بتحرير توكيل رسمي عام أو خاص بالبيع للنفس والغير وغير قابل للإلغاء، ويعتبر المشتري هذا التوكيل بهذه الصياغة المُحكمة مستنداً كافياً لنقل الملكية أمام الشهر العقاري، بينما هذا التوكيل هو مجرد تفويض بالبيع وليس بيع، لأنه ينقصه ركنين:
الأول: هو ركن الاتفاق على الثمن وتحديده.
والركن الثاني: هو واقعة دفع الثمن.
ويؤكد "مبروك": وبينما المشتري قام بدفع الثمن نقداً فلا يمسك بيده دليل على أن البائع قد قبض منه الثمن أو دليل على أنه تم الاتفاق على رقم محدد يكون ثمناً، وهناك فئة أخرى من الناس تبالغ في الثقة في غيرها سواء من الأقارب أو الأصدقاء، فيقوم المالك بتحرير توكيل للأخ أو الأخت أو الزوجة أو صديق بالبيع والتصرف الكامل في قطعة أرض أو عقار، متمنياً أن يقوم الوكيل بإدارة شؤون العقار لصالحه، فيستغل الوكيل هذه الثقة العمياء ليقوم ببيع العقار لنفسه وتسجيل الملكية، لكن هذا ليس نهاية المطاف، فالحكم الماثل موضوع اليوم هو بإلغاء التوكيل الرسمي الخاص لعدم سداد الثمن.
