الأربعاء، 26 أغسطس 2026 01:28 م

في ميزان الدستور: حين تنقلب الحماية إلى قيد.. شبهة عدم دستورية المادة 372 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. حين يتحول الحكم الغيابي لقيد شامل على الملكية وحق التقاضي.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة والحلول

في ميزان الدستور: حين تنقلب الحماية إلى قيد.. شبهة عدم دستورية المادة 372 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. حين يتحول الحكم الغيابي لقيد شامل على الملكية وحق التقاضي.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة والحلول الحكم الغيابى - أرشيفية
الأربعاء، 26 أغسطس 2026 12:47 م
كتب علاء رضوان

>>أول أكتوبر.. حكم غيابي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد يمنعك من أموالك ورفع الدعاوى.. هل المادة 372 دستورية؟

 

المستشار بهاء المري، رئيس محكمة الجنايات، كتب اعتبارًا من الأول من أكتوبر القادم (2026)، فإن كل حكم يصدر بالإدانة في غيبة المتهم "يستلزم حتمًا" حرمانه من التصرف في أمواله أو إدارتها أو رفع أية دعوى باسمه، وبطلان ما يجريه من تصرفات أو التزامات، ولا يقصر النص هذا الأثر على الجرائم التي تتصل بالأموال، وإنما يمتد إلى كل حكم غيابي بالإدانة، أيا كانت الجريمة، من جنايات التزوير والمخدرات والسلاح الناري إلى القتل إلخ من الجنايات.

 

ولا تكمن المشكلة في مجرد الحراسة – الكلام لـ"المرى" - فالدستور يجيز فرضها على الملكية الخاصة في الأحوال التي يحددها القانون بحكم قضائي، وإنما تثور الشبهة حول الكيفية التي أنشأ بها المشرع هذا الأثر ومدى توافقها مع الحماية الدستورية للملكية وحق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، وأخطر ما في النص عبارة "يستلزم حتمًا"، إذ تنقل المسألة من مجال التقدير القضائي إلى الأثر القانوني الآلي، فالمحكمة، بحسب ظاهر النص، لا تبحث في قيام خطر حقيقي يتهدد المال، ولا في ضرورة الحراسة أو نطاقها، وإنما يفترض القانون الخطر بمجرد صدور الحكم الغيابي. 

 

ططس

 

شبهة عدم دستورية المادة 372 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد

 

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 26 لسنة 12 قضائية "دستورية"، جلسة 5 أكتوبر 1996، على الطبيعة التحفظية للحراسة، وعلى ضرورة أن يكون فرض القيود على الأموال في إطار الضمانات القضائية اللازمة، ومن ثم يثور التساؤل: هل يجوز أن تتحول الحراسة من تدبير يقدره القضاء عند قيام الضرورة إلى أثر حتمي يفرضه القانون على جميع أموال المحكوم عليه؟ وتزداد الشبهة اتصالًا بالمادة 35 من الدستور التي تصون الملكية الخاصة، إذ إن الملكية لا تعني مجرد بقاء المال في ذمة صاحبه، وإنما تشمل سلطات التصرف فيه وإدارته واستغلاله – هكذا يقول "المرى".

 

الضمانات الدستورية التي تواجه النص:

 

المادة 35 من الدستور تحمي الملكية الخاصة، والمادة 97 تحمي حق التقاضي، والمادة 96 تقرر أصل البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، والمادة 92 تمنع القيود التشريعية على الحقوق والحريات من بلوغ حد المساس بأصل الحق أو جوهره، والمادة 94 تجعل سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتربط استقلال القضاء وحيدته بحماية الحقوق والحريات. 

 

images (3)

 

أقوى مواضع الشبهة:

 

إن أقوى مواضع الشبهة يبدو في حرمان المحكوم عليه من "أن يرفع أية دعوى باسمه"، فالمادة 97 من الدستور تقرر أن "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة"، والنص لا يقصر المنع على الدعاوى المتعلقة بالأموال المحروسة، بل يطلقه على "أية دعوى"، ولو كانت متعلقة بحق لا صلة له بالجريمة أو بالحراسة، وهو ما يمس بحق التقاضي، ومن هنا تتصل المادة 372 كذلك بالمادتين 92، 96 من الدستور، فضلًا عن مبدأ سيادة القانون، فالمشرع لا يُمنع من حماية الأموال أو ترتيب آثار على الأحكام الغيابية، لكنه يظل مقيدًا بألا تتجاوز الوسيلة التشريعية الضرورة أو تمس جوهر الحق – طبقا لـ"المرى".  

 

ومن ثم، فإن موضع الشبهة ليس في أصل الحماية التحفظية، وإنما في تحويل الخطر المحتمل إلى خطر مفترض، والحراسة إلى أثر حتمي، ثم تجاوز الغرض التحفظي إلى حرمان المحكوم عليه من حق التقاضي إطلاقًا، فإذا كانت العقوبة تحفظية، فلا بد أن تكون مرتبطة بخطر وضرورة وتناسب، وإلا فقد التدبير مبرره التحفظي وتحول إلى جزاء فعلي يمس المركز المالي للشخص. 

 

خخي

 

عبارتين في غاية الخطورة

 

ولذلك، إذا أثير الطعن، فقد يكون الأوفق ألا ينصب على المادة 372 بأكملها، وإنما على عبارتين تحديدًا: "يستلزم حتمًا حرمانه من أن يتصرف في أمواله أو أن يديرها"، و "أو أن يرفع أية دعوى باسمه"؛ إذ تكمن فيهما، على نحو خاص، شبهة تجاوز حدود السلطة التشريعية في تنظيم حقوق كفلها الدستور وصان جوهرها، وإن كان هذا وأي فقيه قانوني كبير ومازالت الأراء مختلفة في القانون الجديد ومازالت عليه تحفظات من العديد من القانونيين، فهل ستكون هذه التحفظات سببا لحدوث تعديلات بالقانون أم سيتم تنفيذه في الميعاد المحدد لذلك؟ - كما يرى "المرى".

 

وفى هذا الشأن – يقول الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي - تناولت شبهة عدم دستورية المادة 372 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وما رتبه النص من آثار على أموال المحكوم عليه غيابيا، وعلى حقه في التقاضي، وقد أثارت المقالة جملة من المسائل الدقيقة التي أوافقها في بعضها، وأخالفها في بعضها الآخر، وأرى أن أعمق ما في المسألة ليس مجرد القول بدستورية النص أو عدم دستوريته، وإنما الوقوف على الحد الفاصل بين سلطة المشرع في تنظيم الحقوق، وسلطانه على تقييدها، وبين الحماية المشروعة للمال والتحفظ عليه، وبين التحول بالتدبير التحفظي إلى قيد آلي يستغرق المال وصاحبه معا. 

 

ههسيي

 

المشرع أن يحوط الأموال بالحماية

 

ويضيف "الديب" في تصريح لـ"الديب": فلا خلاف في أن للمشرع أن يحوط الأموال بالحماية، وأن يحول دون تهريبها أو تبديدها أو العبث بها متى قامت ضرورة تبرر ذلك، وإنما الخلاف في أن تتحول الضرورة من واقعة تستظهر وتقدر إلى افتراض لا يحتاج إلى إثبات، وأن يتحول التدبير من وسيلة لمواجهة خطر محدد إلى أثر حتمي يلازم الحكم الغيابي أيا كانت الجريمة، وأيا كان المال، وأيا كانت الصلة بينهما، وهنا تبرز عبارة "يستلزم حتما" باعتبارها أكثر عبارات النص إثارة للتأمل؛ إذ إن الحتمية التشريعية تضيق مجال التقدير القضائي، وتنقل التدبير من ميزان الضرورة إلى آلية النص، ومن تقدير الخطر إلى افتراضه، ومن سلطة القاضي في الموازنة إلى إلزامه بترتيب أثر لا يبدو للنص أنه يترك له مجالا في تقدير موجبه أو مداه.

 

وأوضح "الديب": والحراسة في أصلها تدبير تحفظي، والتحفظ لا يعيش بغير ضرورة، والضرورة لا تقوم بغير خطر، والخطر لا يفترض حيث يمكن التحقق منه، فإذا غابت العلة وبقي القيد، وإذا زالت الضرورة واستمر المنع، وإذا استحال التدبير غاية في ذاته، فقد يخرج عن طبيعته التحفظية، ويقترب من جزاء مستتر في ثوب إجراء، ولست أرى أن مجرد تقييد سلطة المالك في التصرف أو الإدارة يمثل، بذاته، افتئاتا على الملكية الخاصة؛ فالملكية حق مصون، لكنها ليست حقا معزولا عن التنظيم، وللمشرع أن ينظم ممارستها متى كانت غايته مشروعة، ووسيلته لازمة، وقيده متناسبا، ولم يبلغ من التضييق حدا يفرغ الحق من مضمونه. 

 

311516

 

المسألة إذن ليست في وجود القيد وإنما في مداه

 

وتابع الخبير القانوني: فالمسألة إذن ليست في وجود القيد، وإنما في مداه؛ وليست في أصل التنظيم، وإنما في غايته ووسيلته؛ وليست في أن يمس المشرع بعض سلطات المالك، وإنما في أن يجعل من التنظيم سيفا يستأصل من الملكية جوهرها، ومن القيد أصلا، ومن الاستثناء قاعدة، أما موطن الشبهة الأشد في تقديري، فيتمثل في امتداد الأثر إلى "أن يرفع أية دعوى باسمه"، فهنا لا يعود القيد محصورا في المال محل الحراسة، ولا في دعوى تتصل بالجريمة أو بالحكم أو بالمال، وإنما يبدو ـ على إطلاق العبارة ـ شاملا لكل دعوى، ولو انقطعت صلتها بالجريمة انقطاعا تاما.

 

وفند الإشكالية بقوله: وهنا يتعاظم السؤال الدستوري: ما وجه الصلة بين حكم غيابي في جريمة معينة وبين حرمان المحكوم عليه من ولوج محراب القضاء في حق آخر لا علاقة له بالجريمة ولا بالمال محل الحراسة؟ وهل حماية مال معين تقتضي إغلاق أبواب القضاء كلها؟ وهل يجوز أن تمتد آثار الجريمة من محلها إلى حقوق أخرى لا صلة لها بها؟ إن حق التقاضي ليس ترفاً إجرائياً، ولا منحة يهبها المشرع متى شاء ويحجبها متى شاء، وإنما هو حق دستوري أصيل؛ ولذلك فإن تنظيمه شيء، وتعطيله شيء آخر، وتقييد وسيلة اقتضائه شيء، وإغلاق باب القضاء في وجه صاحبه شيء آخر.   

 

20250117195750274

 

صراع بين حماية المجتمع وحماية المحكوم عليه

 

وأكد "الديب": ومن هنا فإنني أرى أن المسألة لا ينبغي أن تطرح في صورة صراع بين حماية المجتمع وحماية المحكوم عليه، ولا بين سلطان القانون وحقوق الأفراد، فالدستور لا يحمي الجريمة، كما أن حماية الحقوق لا تعني تعطيل العدالة، وإنما السؤال الحقيقي هو: هل الوسيلة التي اختارها المشرع لتحقيق غاية مشروعة قد بقيت في حدود الضرورة والتناسب، أم جاوزتها حتى أصبح القيد أوسع من علته، والمنع أبعد من غايته؟ فالمشرع يملك أن ينظم الحق، لكنه لا يملك أن يفرغه من مضمونه؛ ويملك أن يقيد الملكية، لكنه لا يملك أن يستأصل سلطاتها بغير ضرورة؛ ويملك أن يحمي المال، لكنه لا يملك أن يجعل الحماية حراسة على صاحبه؛ ويملك أن يرتب آثارا على الحكم، لكنه لا يملك أن يجعل الحكم سببا في محو حق التقاضي محوا مطلقا.

 

ويشير الخبير القانونى إلى أن: ومن ثم فإن موطن الشبهة، في تقديري، لا يكمن في أصل الحماية التحفظية، وإنما في اجتماع ثلاثة أوصاف قد تجعل النص جديرا برقابة دستورية دقيقة: "الحتمية، والإطلاق، وعدم التناسب"، حتمية تجعل الأثر لازما بمجرد الحكم، وإطلاق لا يميز بين جريمة وأخرى، ولا بين مال ومال، وعدم تناسب قد يجعل حماية المال ذريعة إلى تقييد الملكية، وحماية الإجراء ذريعة إلى تعطيل التقاضي، فالضرورة تقدر بقدرها، والحراسة بقدر خطرها، والملكية لا تصان بإهدار سلطاتها، والتقاضي لا ينظم بإغلاق أبوابه، والحكم لا ينبغي أن يلد من الآثار ما لا تمتد إليه علته. 

 

images (2)

 

المادة 372 تستحق قراءة دستورية متأنية

 

وخلاصة الأمر – على حد قول "الديب" - أنني أوافق على أن المادة 372 تستحق قراءة دستورية متأنية، ولا سيما فيما يتعلق بحتمية حرمان المحكوم عليه من إدارة أمواله والتصرف فيها، وبالأخص فيما رتبته من حرمانه من رفع "أية دعوى باسمه"، غير أنني لا أرى أن مجرد ترتيب قيد على الملكية يكفي وحده للقول بعدم الدستورية؛ وإنما العبرة بحقيقة القيد ومداه وضرورته وتناسبه وصلته بالغاية التي شرع من أجلها، فالفرق بعيد بين أن يحرس القانون المال، وأن يحبس المال؛ وبين أن يقيد التصرف، وأن يصادر الملكية؛ وبين أن ينظم التقاضي، وأن يغلق طريق التقاضي؛ وبين أن يكون الحكم سببا في إجراء تحفظي، وأن يتحول الحكم إلى قيد شامل يستغرق صاحبه وماله وحقه في الخصومة.

 

وفي النهاية – يقول "الديب":  يبقى الميزان الدستوري هو الفيصل: أن تكون الحماية بقدر الخطر، والقيود بقدر الضرورة، والوسائل بقدر الغايات، وأن يبقى الحق حقا وإن نظمه القانون، والملك ملكا وإن قيده التنظيم، والقضاء ملاذا لا يغلق بابه في وجه من طرقه، فالقانون إذا حمى الحق أقامه، وإذا بالغ في قيده أضعفه؛ والتدبير إذا لازم ضرورته كان حماية، فإذا فارقها صار عقوبة؛ والحراسة إذا صانت المال كانت تحصينا، فإذا جاوزت غايتها غدت حصارا، وتلك هي المسألة في جوهرها: أن نحرس المال دون أن نحاصر الملكية، وأن ننظم التقاضي دون أن نعطل القضاء، وأن نردع الجريمة دون أن نجعل من آثارها قيودا تتجاوز محلها، وأن يبقى المشرع قويا بسلطته، لا متجاوزا لحدوده، وأن يبقى الدستور حارسا للحقوق، لا شاهدا على اتساع القيود.   

 

oopertwqrq

310417-الديب
 
الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي 
 

موضوعات متعلقة :

"الستر" في القانون الجنائي.. لا يعني إنكار الجريمة ولا تعطيل الملاحقة ولا حماية الجاني.. يعنى أن المشرع لا يترك الحقيقة تسير لساحة القضاء بلا ضابط.. ولا يسمح لسلطة الاتهام أن تمتد لكل ما يمكن علمه أو إثباته

غسل الأموال.. الجريمة الأبرز فى قائمة اتهامات صبرى نخنوخ.. المشرع اعتبرها جريمة عابرة للقارات.. 3 مراحل متداخلة لتكوينها تبدأ بالإيداع.. وتُحدث تشوهات فى السوق والاقتصاد الوطنى.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة

بعد وقائع النخانيخ.. التحقيقات المالية الموازية وأثرها في مكافحة الجرائم المالية.. المشرع استحدث بعض أحكام قانون مكافحة غسل الأموال للقضاء على الظاهرة.. والنائب العام نظم القانون بالكتاب الدوري رقم 3 لسنة 2022

للمتقاضين.. هل يجوز التماس إعادة النظر في حكم صادر من النقض؟.. المشرع حدد 8 حالات استثنائية للالتماس أمام النقض.. والالتماس ليس درجة ثالثة من درجات التقاضي.. والنقض تتصدى.. وخبراء يُجيبون عن الأسئلة الشائكة


الأكثر قراءة



print