توسعت حملة مكافحة الفساد في العراق، حيث قادت التحقيقات إلى أسماء جديدة، مع ملاحقة متهمين داخل البلاد وخارجها، واستمرار التدقيق في ثروات وعقارات بملايين الدولارات، وسط تأكيد حكومي بعدم وجود خطوط حمراء في المحاسبة.
والأسبوع الماضي، شنت السلطات العراقية عملية أمنية وقضائية واسعة حملت اسم "صولة الفجر"، واستهدفت مسؤولين وشخصيات سياسية متهمة بقضايا فساد في بغداد ومحافظات أخرى، وتجاوز عدد المعتقلين أكثر من 50 شخصًا من النواب والمسؤولين، وفي المقابل، يوجد ما لا يقل عن ضعف هذا العدد من المسؤولين الذين يواجهون اتهامات تتعلق بـ"تضخم الأموال" أو ما يعرف بالكسب غير المشروع، وتأتي هذه الإجراءات في لحظة مالية هي الأصعب منذ سنوات، إذ يواجه العراق أزمة سيولة خانقة، بينما تتجاوز الديون العامة 83 مليار دولار.
فيما تتواصل الدعوات السياسية والشعبية في العراق باتجاه توسيع نطاق حملة مكافحة الفساد، والتي كشفتها التحقيقات في قضية المتهم وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، مع التأكيد على ضرورة استمرار الإجراءات وعدم التراجع عنها، وسط مطالبات بأن تتجاوز عمليات الملاحقة الحالات الفردية لتصل إلى الجهات والشخصيات التي تقف خلف شبكات الفساد، وكانت التحقيقات مع الجميلي أسفرت قبل أيام عن ضبط مبالغ مالية نقدية بلغت أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار.
وقد أصدر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، توجيها يخص تعقب وضبط مرتكبي جرائم الفساد واسترداد الأموال العامة، وقال مكتب الزيدي في بيان، "ترأس رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي اجتماعاً ضمّ قيادات الأجهزة الأمنية والرقابية، جرى خلاله استعراض مجمل الأوضاع الأمنية والاقتصادية، ومناقشة الإجراءات الحكومية المتخذة في مجال مكافحة الفساد، وآليات تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يحقق أعلى مستويات الأداء في حماية المال العام وإنفاذ القانون".
وأشار رئيس مجلس الوزراء، بحسب البيان، إلى أن "الحكومة ماضية في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، وذلك انسجاماً مع المنهاج الوزاري في مجال مكافحة الفساد والوقاية منه، واستمرار الحكومة في نهجها الثابت بملاحقة الفاسدين وتقديمهم إلى القضاء".
ووجه بتنسيق جهود أجهزة الرقابة وجهات إنفاذ القانون في تعقب وضبط مرتكبي جرائم الفساد، واسترداد الأموال العامة، والعمل على التدابير الوقائية، تعزيزاً لتكامل الأدوار وفاعليتها، وتكون الأجراءات شاملة للقطاعات الحكومية كافة دون استثناء.
كما أكد الزيدي بذل أقصى الجهود في مجال مكافحة آفة المخدرات؛ لما لذلك من أهمية تقتضي إجراءات فعالة لحماية المجتمع ومنع انتشارها وتحقيق الأمن والاستقرار.وشدد رئيس مجلس الوزراء على أن مكافحة الفساد تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكامل الأدوار بين الأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية، واعتماد أعلى معايير النزاهة والشفافية في أداء الواجبات، ووجّه بتكثيف الجهود الاستخبارية والرقابية لملاحقة شبكات الفساد والجريمة الاقتصادية، ومتابعة تنفيذ القرارات الحكومية ذات الصلة، والإسراع في إنجاز التحقيقات المتعلقة بملفات التعدي على المال العام، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
فيديوهات لكنوز من الذهب والأموال في منزل عالية نصيف
وتداول عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، فيديوهات وصور تظهر حجم الأموال وكميات من الذهب في منازل عدد من النواب المتهمين، وبحسب الرواد فإنه عثر على أكثر من 20 مليار دينار عراقي (نحو 15 مليونا ونصف المليون دولار)، وكميات من الذهب في منزل النائبة العراقية عالية نصيف والتى وصفت بالنائبة تهاجم الفساد إلى متهمة به، وقد تم اعتقالها مع ابنها الذي كان يشغل مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني.
كما شارك عدد من العراقيين مشاهد لمداهمة مزرعة خيول يملكها ابنها ساجد، مشيرين إلى أن قيمة تلك الخيول فاقت 7 ملايين دولار، لكن الحكومة العراقية لم تصدر أي بيانات رسمية حول تلك الأرقام المذكورة.
رفع الحصانة عن نواب
ورفع القضاء العراقي الحصانة عن عدد من نواب البرلمان، بتهمة الفساد، وقد أكد مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق، أن التحقيقات في قضية المتهم وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي مستمرة على ضوء الأدلة، فيما بين أنه سوف تتخذ الإجراءات القانونية بحق شخصيات سياسية وأشخاص آخرين خلال الفترة القادمة تزامناً مع تطور مجريات التحقيق.
وقال قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية القاضي ضياء جعفر في بيان، إن "التحقيقات في قضية المتهم (عدنان الجميلي/ وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية) قد بدأت في الشهر العاشر من عام 2025، إثر تلقي المحكمة مجموعة من الإخبارات التي تتضمن قيام عدد من المرشحين بصرف مبالغ مالية طائلة لدعم دعايتهم الانتخابية مستغلين موارد الدولة، وبدعم من شخصيات نافذة في الحكومة السابقة".
وأضاف، أنه "لأهمية ودقة هذه الجريمة، استمرت جهود جمع الأدلة والمعلومات عدة أشهر، وعقب إلقاء القبض على المتهم المذكور، كشفت مجريات التحقيق عن تورط مجموعة من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة للدعاية الانتخابية، والانتفاع من العقود الحكومية بصورة مباشرة أو بالواسطة للحصول على عمولات ومنافع شخصية لأنفسهم ولغيرهم، الأمر الذي اقتضى إجراء التحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم".
الأموال المنهوبة منذ 2003 تتجاوز تريليوني دولار
كشف المستشار القانوني القاضي منير حداد، عن تفاصيل ومستجدات تتعلق بالحملة الحكومية المستمرة لمكافحة الفساد، مؤكداً أن حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز التريليونين (أكثر من ترليوني دولار)، واصفاً أرقام السرقات وعقارات المتهمين بأنها تفوق مستوى العقل والمنطق، فيما أشار إلى أن محكمات المتهمين بالفساد ستكون علنية.
وقال حداد في في حوار متلفز: إن "التحقيقات مع المتهمين الملقى القبض عليهم مستمرة ولا إحصائيات نهائية عن عدد المقبوض عليهم مع استمرار كونها في تزايد مستمر، مستندةً إلى عمليات ومداهمات يومية متواصلة"، مبيناً أن "المتهمين الرئيسيين الحاليين أدلوا باعترافات تفصيلية قادت الأجهزة الأمنية والقضائية إلى جلب متهمين آخرين، حيث حاول بعض المطلوبين الإفلات والهروب خارج العراق أو اللجوء إلى إقليم كردستان الذي أبدى تعاوناً وسلم ثمانية متهمين حتى الآن".
ولفت إلى أن "قائمة المتهمين تضم فاسدين من كبار المسؤولين من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون ونواب، وأن الجرائم المنظورة لا تقتصر على الاختلاس التقليدي بل تشمل أيضاً قضايا تضخم الثروة المالية غير الطبيعي والتي تخضع بشكل مباشر لمبدأ "من أين لك هذا" وتُصنف قانونياً ضمن جرائم غسيل الأموال".
ووصف حداد الأرقام المضبوطة بحوزة وكلاء وزارات ومسؤولين بأنها لا تُقرأ ولا تصدق، لدرجة قيام زوجة أحد المتهمين بشراء عقار بقيمة خمسة ملايين دولار وهو مبلغ يكفي لبناء أكبر فيلا في باريس أو أمستردام، فضلاً عن ضبط مسؤولين يمتلك كل واحد منهم أكثر من خمسين عقاراً مسجلاً باسمه أو بأسماء عائلته".
وأشار إلى أن "القوانين العراقية المتعلقة بحماية المال العام تلزم بمحاسبة ومحاكمة المسبب والجهات التي كانت خلف تعيين هؤلاء الفاسدين أو وضعهم في مناصبهم الحساسة”، مستغرباً من “كيفية قفز موظفين أو مهندسين بسطاء فجأة إلى منصب وكيل وزير دون كفاءة تؤهلهم لذلك، سوى بدافع التغطية على السرقات".
وأكد في الوقت ذاته أن "جميع الأموال المستردة والعقارات المحتجزة ستعود بالكامل إلى خزينة الدولة العراقية، معرباً عن “ثقته المطلقة بجدية رئيس الوزراء ووصفه بأنه ثائر على الفساد وشاب ناجح ومتمكن"، لافتاً إلى “عدم وجود أي ضغوط دولية تعيق الحملة بل على العكس هناك دعم دولي قوي جداً لمكافحة الفساد في العراق.
وفي ما يخص امتداد الحملة، كشف حداد عن “تفاصيل الإطاحة بشبكات جديدة في المحافظات مستشهداً بما حدث في دائرة كهرباء البصرة والقبض على أكثر من 28 شخصية، مؤكداً أن "الحملة ستطال الدوائر في الناصرية والعمارة وبقية المحافظات دون أي استثناءات أو خطوط حمراء ولن يكون هناك أي سقف زمني لإنهاء هذه الصولة".
وأوضح أن "التحقيقات والمداهمات تجري بسرية تامة في الوقت الحالي؛ لضمان عدم هروب المطلوبين، وأن رئيس الوزراء أظهر حزماً شديداً ورفض ضغوطاً واعتراضات من جهات سياسية تخشى على نفسها من حبل الاعترافات”، جازماً بأن “الحملة ستصل حتماً إلى مرحلة المحاكمات العلنية والجلسات المفتوحة لبثها أمام المواطنين تماماً كالمحاكمات التي جرت للمقبور صدام حسين ونظامه السابق".
وشدد حداد على “عدم إمكانية الإفراج عن المتهمين المدانين”، مؤكداً أن "الشخص المدان مكانه السجن وحتى في حال خروج أحدهم بكفالة فإن ذلك لا يعني براءته بل هناك محاكمة تنتظره ولن يفلت، خاصة وأن إطلاق السراح المشروط بكفالة يتطلب دفع مبالغ تعادل حجم المبالغ المسروقة”، مشيداً بـ"قضاة محاكم النزاهة"، ووصفهم بـ"الشجعان والمحايدين والأشداء الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم".
11 مليون دولار و4 مليارات دينار بحوزة متهم واحد
أعلنت قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية في جمهورية العراق، أن التحقيقات الأولية مع المتهم الموقوف علي معارج صويدج البهادلي، وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، أسفرت عن ضبط مبالغ مالية بلغت 11 مليون دولار و4 مليارات دينار عراقي، فضلاً عن ضبط عدد من العقارات، مؤكدا أن التحقيقات في القضية مستمرة.