البرلمان العراقي
لم تعد أزمة الفساد في العراق مجرد ملفات قضائية تتداولها اللجان الرقابية أو تصريحات سياسية تتكرر مع كل حكومة جديدة، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى واحدة من أكبر المواجهات التي شهدتها البلاد منذ عام 2003. فمع انطلاق عملية أمنية واسعة حملت اسم “صولة الفجر”، وجدت شخصيات سياسية وبرلمانية بارزة نفسها خلف القضبان، بينما تعيش بغداد حالة استنفار أمني وترقب سياسي غير مسبوق، في وقت تؤكد فيه السلطات أن الحملة لن تتوقف عند الأسماء التي أُعلن عنها، وأن التحقيقات ما زالت مفتوحة وقد تكشف عن متورطين جدد.
الحملة، التي تزامنت مع انتهاء العطلة التشريعية لمجلس النواب، ألقت بظلالها على المشهد السياسي بأكمله، بعدما تحولت قضية الفساد من ملف مزمن إلى أزمة تهدد استقرار المؤسسة التشريعية نفسها، وسط تأكيدات رسمية بأن ما تكشف حتى الآن لا يمثل سوى بداية لمسار قضائي واسع يستهدف استعادة هيبة الدولة وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
“صولة الفجر”.. أكبر حملة ضد الفساد منذ 2003
وأكد رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي أن عملية "صولة الفجر" تعد الأكبر من نوعها منذ عام 2003، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية نفذت الاعتقالات بصورة متزامنة حفاظاً على سرية الإجراءات ومنع أي محاولة للهروب أو إتلاف الأدلة.
وأوضح الحلبوسي أن العملية جرت دون وقوع أي صدامات بين القوات الأمنية وحمايات النواب أو المسؤولين المطلوبين، مؤكداً أن ما كشفته التحقيقات حتى الآن يعكس حجم فساد وصفه بـ"الكارثي"، استناداً إلى ما عرضه رئيس مجلس القضاء الأعلى أمام الرئاسات الثلاث.
وشدد على أن الحصانة البرلمانية لن تكون عائقاً أمام ملاحقة أي متهم، قائلاً إن "لا حصانة لفاسد"، مؤكداً أن جميع النواب الذين ترد أسماؤهم في التحقيقات سيمثلون أمام القضاء دون استثناء.
رفع الحصانة عن النواب المتهمين
وصف الحلبوسي قرار رفع الحصانة عن النواب المتهمين بالفساد بأنه خطوة تاريخية، مؤكداً أن الرئاسات العراقية اتفقت على المضي في هذا الإجراء بصورة قانونية، حتى خلال فترة العطلة التشريعية.
وأشار إلى أن الدستور والقوانين العراقية يسمحان باتخاذ مثل هذه الإجراءات في حال وجود ملفات قضائية مكتملة، موضحاً أن الهدف يتمثل في تمكين القضاء من أداء دوره بعيداً عن أي ضغوط أو اعتبارات سياسية.
كما أكد أن الرئاسات الثلاث متفقة كذلك على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ورفض أي تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسساتها الرسمية، في رسالة تعكس رغبة السلطات في ربط مكافحة الفساد بفرض سلطة الدولة على مختلف المستويات.
47 متهماً بينهم نواب ومسؤولون كبار:
وبحسب وكالة الأنباء العراقية الرسمية، فقد أسفرت العملية الأمنية حتى الآن عن اعتقال 47 شخصية سياسية وإدارية بتهم تتعلق بالفساد، بينهم 12 نائباً في البرلمان، إضافة إلى مسؤولين حكوميين بارزين.
وجاءت الاعتقالات استناداً إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي يخضع للتحقيق منذ الشهر الماضي، حيث قادت إفاداته إلى الكشف عن شبكة واسعة من المتهمين.
وشملت قائمة المعتقلين رئيس تحالف عزم النائب مثنى السامرائي، وعدداً من أعضاء مجلس النواب، بينهم زياد الجنابي، وبهاء النوري، ومحمد الكربولي، وعالية نصيف، ومحمد جميل المياحي، وحسن الخفاجي، وعبد الرحمن اللويزي، ومضر الكروي، وهند العباسي، ومحمد فرمان الجبوري، وبشرى القيسي، إضافة إلى عضو البرلمان السابق محمد الصيهود، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج، فضلاً عن شخصيات أخرى وردت أسماؤها في التحقيقات.
كما أشار تقرير أمني اطلعت عليه وكالة أسوشيتد برس إلى اعتقال عدد من أعضاء البرلمان ومسؤولين ينتمي بعضهم إلى الكتلة السياسية المرتبطة برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
اعتقال هند العباسي يلفت الأنظار
ومن أبرز الأسماء التي أثارت اعتقالها اهتماماً واسعاً النائبة هند محمد صالح حسن العباسي، التي أوقفت داخل مجمع بروج بغداد السكني ضمن التحقيقات الجارية.
وتعد العباسي من الوجوه البرلمانية الجديدة، إذ فازت بعضوية مجلس النواب عن محافظة صلاح الدين خلال الدورة الحالية، وتحمل درجة الدكتوراه، وسبق أن شاركت في متابعة عدد من الملفات الخدمية والتنموية الخاصة بالمحافظة.
ويأتي توقيفها ضمن سلسلة اعتقالات طالت عدداً من النواب والمسؤولين، في وقت أعلنت فيه السلطات مصادرة مبالغ مالية ضخمة، وعملات أجنبية، وكميات كبيرة من الذهب عُثر عليها داخل منازل ومخابئ تعود لبعض المتهمين أو المقربين منهم.
البرلمان يدخل مرحلة الشلل
تزامنت الحملة مع انتهاء العطلة التشريعية لمجلس النواب، إلا أن استئناف الجلسات بات يواجه تحديات كبيرة نتيجة الاعتقالات الواسعة، وأكدت النائبة سروة محمد أن عقد جلسة برلمانية خلال الأسبوع الجاري يبدو مستبعداً، في ظل استمرار التحقيقات والإجراءات الأمنية.
وأضافت أن اعتقال عدد من النواب أحدث حالة من القلق داخل البرلمان، مشيرة إلى أن ما جرى ألحق ضرراً بصورة المؤسسة التشريعية أمام الرأي العام، رغم أهمية محاسبة المتورطين.
كما أفادت تقارير محلية بأن عدداً من النواب غادروا المنطقة الخضراء خشية تعرضهم للاعتقال، الأمر الذي يجعل تحقيق النصاب القانوني لعقد الجلسات أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الحالي.
بغداد تحت إجراءات أمنية مشددة
وشهدت العاصمة العراقية منذ انطلاق العملية انتشاراً أمنياً واسعاً، حيث أغلقت القوات الأمنية جميع مداخل المنطقة الخضراء، ونفذت عمليات دهم في عدد من المواقع الحكومية والسكنية داخلها، وتولت قوات جهاز مكافحة الإرهاب، بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى، تنفيذ الاعتقالات بصورة متزامنة، في محاولة لمنع تسريب المعلومات أو فرار المطلوبين.
وأكدت مصادر حكومية أن عمليات الملاحقة لا تزال مستمرة في بغداد وعدد من المحافظات، مع توقعات بارتفاع عدد المعتقلين خلال الأيام المقبلة إذا قادت التحقيقات إلى أسماء جديدة.
الحكومة تتعهد باستكمال الحملة
ونقلت مصادر عراقية عن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تأكيده أن الحكومة لن تتراجع عن ملاحقة جميع المتورطين في قضايا الفساد، وأن استعادة الأموال العامة تمثل أولوية خلال المرحلة الحالية، ويأتي هذا التحرك في ظل مطالب شعبية متكررة بمحاسبة المتورطين في هدر المال العام، بعد سنوات طويلة من الاتهامات التي طالت مسؤولين كباراً دون أن تصل في كثير من الأحيان إلى أحكام قضائية حاسمة.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في استكمال هذه الحملة قد يمثل اختباراً حقيقياً لقدرتها على تنفيذ وعود الإصلاح، خاصة إذا استمرت التحقيقات بعيداً عن الحسابات السياسية.
تداعيات سياسية مفتوحة
ولا تقتصر تداعيات الحملة على الجانب القضائي، إذ يتوقع مراقبون أن تترك آثاراً عميقة على موازين القوى داخل البرلمان والتحالفات السياسية، خاصة أن بعض المعتقلين ينتمون إلى كتل مؤثرة في المشهد العراقي.كما يرى محللون أن تداخل ملفات الفساد مع الصراعات السياسية قد يزيد من تعقيد المشهد خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب مناقشة مشاريع قوانين مهمة واستئناف العمل التشريعي، وفي المقابل، تؤكد السلطات العراقية أن الحملة تستند إلى إجراءات قضائية بحتة، وأنها تستهدف مكافحة الفساد دون تمييز أو استهداف سياسي.
هل يبدأ العراق مرحلة جديدة؟
تمثل حملة “صولة الفجر” نقطة تحول غير مسبوقة في مسار مكافحة الفساد بالعراق، سواء من حيث عدد الشخصيات التي شملتها، أو مستوى المناصب التي طالتها التحقيقات، أو حجم الأموال والمضبوطات التي أعلنت عنها السلطات.
لكن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد الاعتقالات وحده، بل بقدرة القضاء على استكمال التحقيقات بشفافية، وإصدار أحكام تستند إلى الأدلة، واستعادة الأموال المنهوبة، بما يعيد ثقة العراقيين بمؤسسات الدولة.