محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة العمالية "أ" - بمحكمة النقض – حكماً قضائياً يهم العمال والموظفين، أبطلت خلاله حكم محكمة الاستئناف الذي كان قد قضى بفصل المضيفة، وذلك بعد اتهامها بطلب "إكرامية" تُقدر 100 دولار من أحد المسافرين على متن الطائرة، مستندة على أن ثبوت المخالفة العمالية الموجبة للفصل يجب أن يكون يقينيّاً لا يداخله شك، حيث يحمي هذا المبدأ حقوق العاملين من القرارات التعسفية المبنية على تحقيقات غامضة أو غير جازمة، وطبقت المحكمة التعديل التشريعي الجوهري الوارد في قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025
صدر الحكم في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 28081 لسنة 95 قضائية عمال، برئاسة المستشار منصور العشري، وعضوية المستشارين محمد خلف، ووليد رستم، وبهاء صالح، ومحمد العبد، وبحضور كل من رئيس النيابة خالد سعد الدين، وأمانة سر محمد عوني النقراشي.
الوقائع.. نزاع قضائى بفصل مضيفة من إحدى شركات الطيران
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن المطعون ضدها - شركة "...." للخطوط الجوية - أقامت على الطاعنة الدعوى رقم 2422 لسنة 2024 عمال شمال القاهرة الابتدائية بطلب الحكم بفصلها من العمل، وقالت بياناً لها إن الطاعنة من العاملين لديها بوظيفة مضيفة جوية، وإذ خالفت نص المادة 59 من لائحة جزاءاتها لطلبها مبلغ 100 دولار من أحد المسافرين على متن الطائرة، وانتهى الرأي القانوني بعد التحقيق معها إلى عرض أمر فصلها على المحكمة العمالية، فأقامت الدعوى.
الشركة اتهمت المضيفة بأنها طلبت إكرامية من مسافر 100 دولار
وفى تلك الأثناء - قضت المحكمة برفض الدعوى، ثم استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 7762 لسنة 28 قضائية، وبتاريخ 6 يوليو 2025 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف، وأجابت المطعون ضدها لطلبها، طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفضه عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
الشركة تطلب من المحكمة العمالية فصل "المضيفة"
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، ومخالفة الثابت بالأوراق والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، وفي بيان ذلك تقول : إن أوراق الدعوى قد خلت من ثمة دليل على قبولها إكرامية من أحد المسافرين على متن الطائرة، إذ لم يتضمن محضر التحقيق الإداري رقم 36 لسنة 2004 سؤال هذا المسافر أو سؤال مسئول أمن الطائرة أو قائدها؛ حسبما تقضي التعليمات حال حدوث ثمة مخالفة أثناء رحلة الطيران، بل إن حقيقة الواقعة أن أحد المسافرين طلب منها شراء زجاجة عطر من مبيعات الطائرة وتمت عملية الشراء بالفعل بموجب إيصال شراء، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وقضى بفصلها من العمل رغم عدم وجود أية دليل على ارتكابها للمخالفة فهو ما يعيبه ويوجب نقضه.
محكمة أول درجة تقضى برفض الدعوى.. والشركة تستأنف الحكم لإلغاءه
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: إن هذا النعي في محله، ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن المادة 178 من قانون المرافعات قد أوجبت أن تشتمل الأحكام على الأسباب التي بنيت عليها وإلا كانت باطلة، بما مقتضاه أنه يتعين على المحكمة أن تبين الوقائع والأدلة التي استندت إليها في حكمها وكونت منها عقيدتها بحيث تستطيع محكمة النقض أن تراقب ثبوت الوقائع وأدلة هذا الثبوت لتتحقق من أنه من الأدلة التي يصح قانوناً بناء الحكم عليها، وأنه متى ذكرت المحكمة في حكمها أنها كونت اقتناعها في عبارة مجهلة معماة من أقوال الشهود فإن مجرد الإشارة إلى أسمائهم دون بيان مؤداها أو وجه ما استدل به منها بعد قصوراً مبطلاً له.
محكمة ثانى درجة تستجيب لشركة الطيران.. وتقضى بفصل المضيفة
وبحسب "المحكمة": لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بثبوت خطأ الطاعنة وارتكابها الفعل المؤثم بالمادة 59 من لائحة جزاءات المطعون ضدها لقبولها هدية من أحد الركاب بما يوجب فصلها بقالة وقد ثبت في حقها ثبوتاً قطعياً عن قيامها بالحصول على مبالغ مالية من الراكب بشهادة كل من "...." و"....."، وكان هذا الذي أورده الحكم قد جاء بعبارات عامة ولم يبين على التفصيل ماهية أقوال من سئل وأوجه ما استدل به منها حتى يمكن الوقوف على ما أثير حول هذا التحقيق من دفاع والتحقق من كفايته في تكوين عقيدة المحكمة، فإن الحكم المطعون فيه يكون قاصر البيان بما يعجز محكمة النقض عن مراقبة تطبيقه للقانون ويستوجب نقضه.
مضيفة الطيران تطعن على الحكم أمام النقض لإلغاءه
وتضيف "المحكمة": وحيث إنه ولما كان النص في المادة 186/5 من قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 على انه واستثناء من أحكام الفقرة الثانية من المادة "269" من قانون المرافعات المدنية والتجارية المشار إليه، وإذا قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه حكمت في موضوع الدعوى ولو كان الطعن لأول مرة" يدل على أن المشرع في منازعات العمل، قد خرج على القاعدة العامة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 269 من قانون المرافعات، التي تقضي بأن محكمة النقض إذا نقضت الحكم المطعون فيه فإنها تتصدى للفصل في موضوع الدعوى متى كانت صالحة للفصل فيها، وإلا أعادتها إلى المحكمة التي أصدرته لتحكم فيها من جديد، فقرر - استثناء - أن تتولى محكمة النقض الفصل في موضوع الدعوى العمالية متى قضت بنقض الحكم المطعون فيه، ولو كان الطعن بالنقض مرفوعا لأول مرة، ودون توقف على مدى صلاحية الدعوى للفصل فيها بحالتها .
وأوضحت "المحكمة": ومؤدى ذلك أن المشرع قد بسط ولاية محكمة النقض في الخصومات العمالية بمدها إلى الفصل في موضوع النزاع ذاته، حتى في الأحوال التي كانت تقتضي - وفقاً للأصل العام - إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع لاستكمال عناصرها أو إجراء ما يلزم من تحقيق، إدراكاً منه لخصوصية المنازعة العمالية، وارتباطها الوثيق بأهمية استقرار علاقات العمل، وما يترتب على إطالة أمد التقاضي فيها من آثار اقتصادية واجتماعية تتصل بالنظام العام.
محكمة النقض تنصف المضيفة وتعيدها لعملها
وتؤكد "المحكمة": وحيث إن المحكمة - وهي بصدد وزن أقوال من سئل بالتحقيق الإداري والذي ابتنت عليه المطعون ضدها طلبها فصل الطاعنة - لا تطمئن إلى ما انتهت إليه جهة التحقيق من ثبوت الواقعة على النحو الذي يندرج تحت نص المادة (59) من لائحة الجزاءات، والتي قصرت الجزاء الأشد وهو الفصل من الخدمة على قبول العامل هدايا، أو مكافات، أو عمولات، أو قروض بسبب العمل، ذلك أن الثابت من مجموع أقوالهم أن واقعة تسلم المبلغ محل المخالفة لم تُجمع الشهادات على توصيفها كعطية مجردة أو منفعة شخصية بسبب العمل، بل جاءت الأقوال مضطربة في تحديد طبيعتها، ما بين القول بكونها هدية، أو إكرامية، أو مقابل شراء من مبيعات الطائرة، وهو اختلاف جوهري يحول دون الجزم بانطباق نص المادة المشار إليها، لاسيما ما قرره أحمد محمد حسن مسئول مبيعات الطائرة من أن الطاعنة طلبت منه بار العطور كطلب أحد ركاب الدرجة الأولى.
وما قررته مديرة الرحلة "م. س"؛ من أنه عند عرض عطر على الراكب بقيمة (134دولارًا) رفض الأخير هذا السعر وقرر صراحة أن الاتفاق كان على مبلغ (100) دولار فقط، وهو ما أسفر بالفعل عن تسليمه عطرا بقيمة هذا المبلغ، وهو الأمر الذي يرجح - في ضوء منطق الأمور ومجريات الواقعة - صحة ما ذهبت إليه الطاعنة من أن المبلغ الذي تسلمته كان تنفيذاً لرغبة الراكب في شراء عطر من مبيعات الطائرة، وليس قبولا لهدية أو منفعة بغير مقابل. وإذ كان نص المادة (59) قد جاء محددًا وقاطعًا في تأثيم قبول الهدايا، أو المكافات، أو العمولات، أو القروض بسبب العمل، ورتب على ذلك جزاء الفصل، وكان استخلاص هذا السلوك الموجب للفصل يقتضي ثبوتًا يقينيًا لا يداخله شك في أن المبلغ قد قدم للطاعنة على هذا النحو المجرد، وهو ما لم تستظهره الأوراق على وجه الجزم، فإن المحكمة لا تطمئن إلى اقتراف الطاعنة للفعل المؤثم بتلك المادة ولا تطمئن إلى نسبة هذه المخالفة لها.
وتابعت: ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد ثبت من تجاوز الطاعنة حدود اختصاصها الوظيفي أو مخالفتها بعض التعليمات التنظيمية بتعاملها مع راكب في درجة غير المكلفة بها، إذ إن هذا السلوك - على فرض ثبوته يغاير في طبيعته ومضمونه الفعل المؤثم الذي استهدفه نص المادة (59)، ولا ينهض بذاته سندًا لتوقيع جزاء الفصل من الخدمة.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وحكمت في موضوع الاستئناف رقم 7762 لسنة 28 ق القاهرة برفضه وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المطعون ضدها بمصروفات الطعن ودرجتي التقاضي، ومبلغ ثلاثمائة وخمسة وسبعين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.
وجاءت أسباب النقض كالتالي:
العبارات المجهلة والمعماة: استند الحكم المطعون فيه إلى شهادة الشهود دون بيان مؤدى أقوالهم أو تفصيل أوجه الاستدلال منها، وهو ما يعد قصوراً مبطلاً للحكم يعجزه عن مراقبة تطبيق القانون وفقاً للمادة 178 من قانون المرافعات.
عدم كفاية التحقيق الإداري: خلت الأوراق من سؤال الركاب المعنيين، أو مسئول أمن الطائرة، أو قائدها، مما يفقد الواقعة دليلها اليقيني.
الفصل في الموضوع وتطبيق قانون العمل الجديد لعام 2025
إعمالاً لنص المادة 186/5 من قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، تصدت محكمة النقض مباشرة للفصل في موضوع الدعوى دون إحالتها لمحكمة الموضوع "وهو استثناء ممتد لبسط ولاية محكمة النقض في الخصومات العمالية استقراراً للمراكز القانونية"، وجاء قضاؤها برفض دعوى الفصل وتأييد حكم أول درجة برفض فصل المضيفة، بناءً على الآتي:
1- الشك يفسر لصالح العامل: تبين للمحكمة اضطراب أقوال الشهود في التحقيق الإداري؛ حيث لم تجتمع الشهادات على توصيف المبلغ كـ "عطية أو منفعة مجردة بسبب العمل"، بل رجحت المحكمة صحة دفاع المضيفة بأن المبلغ ($100) كان قيمة زجاجة عطر طلبت شراءها للراكب من مبيعات الطائرة (وفقاً لما أيده مسئول المبيعات ومديرة الرحلة).
2- التفرقة بين المخالفة التنظيمية والموجبة للفصل: أكدت المحكمة أن تجاوز العامل لحدود اختصاصه الوظيفي (مثل التعامل مع راكب في درجة غير مكلف بها) هو سلوك تنظيمي مغاير تماماً للفعل المؤثم بالمادة (59) من لائحة الجزاءات، ولا ينهض بذاته سنداً لتوقيع جزاء الفصل الذي يتطلب ثبوتاً يقينيّاً لا يداخله شك.

الخلاصة: الأحكام الصادرة بالفصل من الخدمة يجب أن تبتني على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين، ومتى تداخل الشك في طبيعة المخالفة، تعين تفسيره لصالح العامل استبقاءً لعيشه واستقراراً لعلاقات العمل.
