محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "أ" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، يرسى 4 مبادئ قضائية بشأن توجيه اليمين الحاسمة، قالت فيه فى الطعن المقيد برقم 25773 لسنة 94 قضائية:
1-لا يمكن النعى على الحكم الصادر عن اليمين الحاسمة فى الدعوى إلا إذا كان هناك بطلان فى إجراءات توجيهها أو بطلان إرادة من وجهها أو وجهت إليه كتصرف قانونى يجب أن تتوافر له شرائط صحته قانونا
2-توجيه اليمين الحاسمة عن الخصم فى حضوره بمحضر الجلسة أثناء توجييهها كاف فى حد ذاته لصحة توجيه اليمين الحاسمة حتى ولو لم يكن بيد الوكيل سند وكالة يبييح له توجيهها
3-لا يمكن التنصل من توجيه اليمين الحاسمة طالما قبلها الطرف الآخر والابتعاد عنها بإثارة جدل فى موضوع النزاع باوجه أدلة أخرى مغايرة لأن اليمين الحاسمة تحسم النزاع
4-الحكم المبنى على اليمين الحاسمة حكم نهائى ولا يجوز الطعن عليه إلا إذا كان هناك بطلان فى توجيه اليمين الحاسمة على النحو المشار إليه سلفا.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 25773 لسنة 94 قضائية، لصالح المحامى بالنقض أحمد أبو المعاطى، برئاسة المستشار فراج عباس، وعضوية المستشارين مصطفى الأسود، والدكتور محمود عبد الفتاح محمد، وخالد عادل عبد اللطيف، ومحمد فاروق الشيخ، وأمانة سر محمد أحمد عبد الله.

أهمية اليمين الحاسمة في الدعوى
جاء حكم محكمة النقض ليعيد التأكيد على أحد المبادئ الراسخة في قانون الإثبات والمرافعات، وهو أن اليمين الحاسمة متى وُجهت وقُبلت وحُلِفت وفق صحيح القانون، فإنها تنهي النزاع في الواقعة التي انصبت عليها، وتغلق الباب أمام إعادة مناقشتها أو الطعن على الحكم الصادر تأسيساً عليها، إلا في نطاق ضيق يتعلق ببطلان إجراءات توجيه اليمين أو حلفها أو توجيهها في غير الأحوال التي يجيزها القانون.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة، لأن الطاعن حاول بعد حسم النزاع باليمين الحاسمة العودة إلى مناقشة موضوع الدعوى من جديد، مستنداً إلى تقرير خبير يفيد تغييرا فى صلب الإيصال محل النزاع بإضافة كلمة بـ"صلب الايصال"، ومتمسكاً بوجود شبهة تزوير تستوجب إحالة الأوراق إلى التحقيق والنيابة العامة غير أن محكمة النقض وقفت موقفاً حاسماً مؤداه أن هذه المنازعات الموضوعية فقدت جدواها القانونية بمجرد أن أرتضى الخصم الاحتكام إلى اليمين الحاسمة وطلب توجيهها بنفسه إلى خصميه.

اليمين الحاسمة ليست مجرد وسيلة من وسائل الإثبات
ويكشف الحكم عن حقيقة قانونية كثيراً ما تغيب عن أذهان المتقاضين، وهي أن اليمين الحاسمة ليست مجرد وسيلة من وسائل الإثبات تتجاور مع غيرها من الأدلة، وإنما هي في حقيقتها تصرف قانوني إجرائي بالغ الخطورة، يتنازل بموجبه الخصم ضمناً عن الاحتكام إلى سائر وسائل الإثبات بالنسبة للواقعة محل اليمين، ويقبل مسبقاً أن يكون الفصل فيها معقوداً على ضمير خصمه.
فالمشرع عندما منح الخصوم حق الاحتكام إلى اليمين الحاسمة، إنما أراد تمكينهم من إنهاء الخصومات التي تعجز الأدلة التقليدية عن حسمها، فجعل منها دليلاً استثنائياً يسمو في أثره على ما عداه من أدلة الإثبات، ولذلك استقر قضاء النقض على أن الحكم الصادر بناءً على اليمين الحاسمة يكتسب قوة الأمر المقضي فيه، ولا يجوز النيل منه لمجرد المجادلة في تقدير الأدلة أو التمسك بأدلة أخرى كانت مطروحة أو يمكن طرحها أمام محكمة الموضوع.

الخصم لا يجوز له أن يجمع بين طريقين متعارضين
واللافت في هذا الحكم أن الطاعن تمسك أمام محكمة النقض بعدة أوجه دفاع موضوعية، من بينها ما ورد بتقرير الخبير وما أثاره من ادعاءات تتعلق بالتزوير، إلا أن المحكمة اعتبرت أن كل هذه المنازعات أصبحت غير ذات محل بعد أن حُسم النزاع باليمين الحاسمة، فالمحكمة لم تتعرض لتقدير تقرير الخبير أو لمناقشة شبهة التزوير من الناحية الموضوعية، لأن المسألة بالنسبة إليها لم تعد مسألة إثبات أو موازنة بين الأدلة، وإنما مسألة حجية ترتبت على وسيلة إثبات استثنائية ارتضاها الخصم بنفسه.
ومن أهم ما يرسخه هذا القضاء أن الخصم لا يجوز له أن يجمع بين طريقين متعارضين؛ فلا يصح أن يطلب توجيه اليمين الحاسمة باعتبارها الوسيلة الفاصلة في النزاع، ثم يعود بعد حلفها إلى التشكيك في الأدلة أو المطالبة بإجراءات تحقيق جديدة أملاً في الوصول إلى نتيجة مغايرة، إذ إن قبول هذا المسلك يهدر الغاية التي من أجلها شرعت اليمين الحاسمة ويحولها إلى مجرد إجراء شكلي فاقد لأثره القانوني.
اليمين الحاسمة لا ينبغي أن يكون إجراءً اعتيادياً أو ورقة ضغط تفاوضية
كما أكد الحكم مبدأ آخر لا يقل أهمية، حين رفض ما أثاره الطاعن بشأن عدم وجود توكيل خاص يجيز طلب توجيه اليمين الحاسمة، تأسيساً على أن الثابت بالأوراق حضوره بشخصه أمام محكمة أول درجة وطلبه توجيه اليمين بنفسه، وهو ما يعكس اتجاهاً قضائياً مستقراً مؤداه أن مباشرة الخصم للإجراء بنفسه تقطع كل جدل يتعلق بحدود سلطة الوكيل أو نطاق وكالته.
والحقيقة أن هذا الحكم يحمل رسالة عملية مهمة للمحامين والمتقاضين على السواء؛ فطلب توجيه اليمين الحاسمة لا ينبغي أن يكون إجراءً اعتيادياً أو ورقة ضغط تفاوضية داخل الخصومة، وإنما قرار قانوني بالغ الخطورة يجب أن يسبق بتقدير دقيق لآثاره، فالخصم الذي يملك دليلاً فنياً أو مستندياً أو يعلق آماله على إجراءات تحقيق لاحقة قد يفقد جميع هذه الوسائل بمجرد اختياره الاحتكام إلى اليمين الحاسمة.

اليمين الحاسمة تظل من أخطر وسائل الإثبات أثراً
ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لهذا الحكم لا تكمن فقط في تأكيد قاعدة مستقرة، وإنما في تذكير المشتغلين بالقانون بأن اليمين الحاسمة تظل من أخطر وسائل الإثبات أثراً، لأنها لا تحسم النزاع فحسب، بل قد تغلق نهائياً كل سبيل للعودة إلى مناقشة موضوعه، مهما بدت بعد ذلك قوة الدفوع أو الأدلة التي يتمسك بها من اختار بإرادته الاحتكام إلى ضمير خصمه.
ولهذا يمكن اعتبار الحكم محل التعليق تطبيقاً واضحاً لمبدأ قضائي راسخ مؤداه: "من ارتضى الاحتكام إلى اليمين الحاسمة، فقد ارتضى سلفاً نتائجها القانونية، ولا يملك بعد حلفها أن يفتح من جديد باباً أغلقه القانون بحكم حجية الأمر المقضي".

الحيثيات: الحكم الصادر بناء على اليمين الحاسمة له قوة الشئ المقضى فيه
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: لما كان من المقرر - بقضاء هذه المحكمة - أن الحكم الصادر بناء على اليمين الحاسمة له قوة الشئ المقضى فيه، ولا يقبل الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن في الاحكام ما لم يكن الطعن مبنيا على بطلان في الاجراءات الخاصة بتوجيه اليمين أو حلقها لما كان ذلك، وكانت اليمين التي وجهها الطاعن إلى المطعون ضدهما أمام محكمة أول درجة قد وجهت في واقعة غير مخالفة للنظام العام ومنصبه على موضوع النزاع وحاسمة فيه ومتعلقة بشخص من وجهت إليهما وقد حلفها المطعون ضدهما وصدر الحكم الابتدائي بإجابة المطعون ضده الأول إلى طلباته بناء على تلك اليمين الحاسمة.
وبحسب "المحكمة": وإذ انتهى الحكم المطعون فيه إلى القضاء بعدم جواز نظر الاستئناف لابتناء الحكم الابتدائي على اليمين الحاسمة التي تم توجيهها وحلفها طبقا للقانون، ولم يكن الطعن مبنياً على بطلان في الإجراءات الخاصة بتوجيه اليمين أو حلقها أو أنها وجهت في غير حالاتها، فلا يجوز الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن في الأحكام، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون، ويضحى النعي على الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص على غير أساس، وأن البين من الأوراق أن الطاعن قد مثل بشخصه أمام محكمة أول درجة بجلسة 1 نوفمبر 2023 وطلب توجيه اليمين الحاسمة إلى المطعون ضدهما بالصيغة المبينة بالأوراق وهو ما يغنى عن بحث سعة توكيل المحامي فإن ما يثيره الطاعن من عدم وجود توكيل خاص يبيح طلب توجيه اليمين الحاسمة يكون قائما على غير أساس.
القضاء بعدم جواز نظر الاستئناف لصدور الحكم الابتدائي على اليمين الحاسمة
وتضيف "المحكمة": وما ينعاه الطاعن بخصوص التفات محكمة الموضوع بدرجتيها عن الثابت بتقرير الخبير أنه لم يوقع صلب الإيصال، وأن اليمين الحاسمة قد شابها البطلان، وعن طلبه بإحالة الدعوى إلى النيابة العامة للتصدى الواقعة التزوير، وإحالتها للتحقيق لإثبات عدم انشغال ذمته بالمبلغ المطالب به، وكان الحكم المطعون فيه قد وقف عند حد القضاء بعدم جواز نظر الاستئناف لصدور الحكم الابتدائي على اليمين الحاسمة ولم يكن الطعن مبنياً على بطلان في الإجراءات الخاصة بتوجيه اليمين أو حلقها أو أنها وجهت في غير حالاتها فإن ما ينعاه الطاعن لا يصادف محلا من قضاء الحكم المطعون فيه ومن ثم يكون غير مقبول، ويضحى الطعن مقاماً على غير الأسباب المبينة في المادتين 248، 249 من قانون المرافعات ويتعين الأمر بعدم قبوله عملا بالمادة 263/3 من ذات القانون.
لذلك:
أمرت المحكمة - في غرفة المشورة - بعدم قبول الطعن، وألزمت الطاعن المصروفات، ومانتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، مع مصادرة الكفالة.

النقض تؤكد: الحكم المبنى على اليمين الحاسمة حكم نهائى ولا يجوز الطعن عليه 2
