مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تجاوزت 44 درجة مئوية في عدد من ولايات السودان، تتفاقم أزمة الكهرباء بصورة غير مسبوقة، لتتحول ساعات انقطاع التيار الطويلة إلى عبء يومي يهدد حياة المواطنين والخدمات الأساسية على حد سواء.
وفي ظل اتساع رقعة الشكاوى والاحتجاجات الشعبية، خرجت وزارة الطاقة السودانية ببيان رسمي أقرت فيه بتراجع الإمداد الكهربائي، كاشفة عن خطة إسعافية لإعادة تأهيل الشبكة القومية التي تعرضت لخسائر ضخمة جراء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
الأزمة الحالية لم تعد مجرد أعطال فنية أو نقص موسمي في الإمداد، بل أصبحت انعكاسًا مباشراً للدمار الذي أصاب البنية التحتية لقطاع الكهرباء، بعد تعرض محطات التوليد وخطوط النقل والتوزيع لعمليات تخريب واستهداف واسع، ما أدى إلى تراجع قدرات الإنتاج وارتفاع الضغط على الشبكة القومية بصورة حادة.
دمار واسع يضرب البنية التحتية
وزارة الطاقة أوضحت أن قطاع الكهرباء يواجه ظروفًا تشغيلية معقدة نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بمحطات التوليد وخطوط النقل والتوزيع، الأمر الذي تسبب في تراجع مساهمة التوليد الحراري إلى مستويات غير مسبوقة، مقابل الاعتماد بصورة أساسية على التوليد المائي.
وبحسب تقديرات رسمية، تعرضت خطوط نقل وتوزيع بطول يقارب 150 ألف كيلومتر لأضرار متفاوتة خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى، فيما قدرت خسائر قطاع الكهرباء بنحو 3 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب، وفق بيانات لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
هذا الواقع أدى إلى تراجع استقرار الشبكة القومية، خاصة مع دخول فصل الصيف وارتفاع الأحمال الكهربائية بصورة كبيرة، في وقت تعاني فيه المحطات الحرارية من صعوبات تشغيلية تتعلق بالصيانة وتوفير الوقود.
ساعات القطوعات تمتد لأكثر من 20 ساعة
في عدد من الولايات السودانية، بات انقطاع الكهرباء يستمر لأكثر من 20 ساعة يوميًا، ما تسبب في تفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية، خصوصًا في المدن التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة.
وتصاعد الغضب الشعبي خلال الأيام الماضية، حيث شهدت مدينة عبري شمال السودان احتجاجات ضد استمرار القطوعات الكهربائية.
ويقول مواطنون إن استمرار انقطاع التيار يؤثر بشكل مباشر على إمدادات المياه والخدمات الصحية وحفظ الأدوية والأغذية، إلى جانب تعطيل الأنشطة التجارية والإنتاجية.
خطة حكومية لإعادة التأهيل
في مواجهة الأزمة، أعلنت وزارة الطاقة بدء تنفيذ خطة متكاملة لإعادة التأهيل والتشغيل، تشمل إصلاح خطوط النقل والتوزيع والمحطات التحويلية ومراكز التحكم، إلى جانب تسريع أعمال الصيانة في محطات التوليد الحراري، خاصة محطتي أم دباكر ومجمع قري.
كما أكدت الوزارة العمل على تأمين الوقود وخطوط الإمداد اللازمة لاستقرار التشغيل، بالتزامن مع إدخال وحدات جديدة بمحطتي قري1 وقري4، وزيادة سعات التوليد المائي، بهدف تقليل ساعات القطوعات تدريجيًا خلال الفترة المقبلة.
وترى الحكومة أن استعادة جزء من كفاءة الشبكة القومية يتطلب وقتًا وإمكانات ضخمة، في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعيق عمليات الإصلاح والصيانة.
أولوية للمستشفيات ومحطات المياه
الوزارة شددت على أن الأولوية الحالية تتركز على تأمين الكهرباء للمرافق الحيوية المرتبطة بحياة المواطنين، وعلى رأسها المستشفيات ومحطات المياه والمؤسسات التعليمية والخدمية.
كما أعلنت المضي في تنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية والطاقة المتجددة في عدد من المواقع الحيوية، إلى جانب التوسع في مشروعات الربط الكهربائي الإقليمي وتعزيز التعاون مع دول وشركات صديقة لإعادة تأهيل القطاع.
ويرى مختصون أن الاتجاه نحو الطاقة الشمسية قد يشكل أحد الحلول العملية لتخفيف الضغط على الشبكة القومية، خاصة في المناطق الطرفية والولايات التي يصعب فيها استقرار الإمداد التقليدي.
إنتاج محدود مقابل طلب متزايد
وفق البيانات الرسمية، يبلغ إجمالي الطاقة المنتجة في السودان من مصادر التوليد المائي والحراري نحو 3000 ميجاوات، موزعة بين عدد من السدود والمحطات الرئيسية.
ويتصدر سد مروي قائمة مصادر التوليد بطاقة تبلغ 1250 ميجاوات، يليه سد الروصيرص بنحو 565 ميجاوات، وسدا أعالي عطبرة وستيت بطاقة 320 ميجاوات، إلى جانب خزان سنار بطاقة 15 ميجاوات وخزان جبل أولياء بطاقة 22 ميجاوات.
أما المحطات الحرارية فتشمل محطة أم دباكر بمدينة كوستي بطاقة 520 ميجاوات، ومحطة بحري الحرارية بطاقة 410 ميجاوات، إضافة إلى مجمع محطات قري بطاقة تصل إلى 500 ميجاوات.
لكن خبراء يؤكدون أن القدرات النظرية للإنتاج تختلف عن القدرة الفعلية المتاحة حاليًا، بسبب الأعطال ونقص الوقود وخروج أجزاء من الشبكة عن الخدمة.
ترشيد الاستهلاك وتحذيرات من التوصيلات المخالفة
وفي ختام بيانها، دعت وزارة الطاقة المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء والمحافظة على الشبكة القومية، محذرة من خطورة التوصيلات غير القانونية التي تؤثر سلبًا على استقرار الإمداد وتزيد من الضغوط الفنية على الشبكة.
وأكدت الوزارة التزامها الكامل بإعادة بناء ما دمرته الحرب والعمل على تحقيق استقرار تدريجي للخدمة، رغم ما وصفته بالتحديات الكبيرة والمعقدة التي يواجهها القطاع في المرحلة الحالية.