يتواصل التصعيد العسكري في السودان بوتيرة متسارعة، مع اتساع رقعة المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائها، ما ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية والخدمية.
وبينما تتكثف الهجمات بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي في عدة ولايات، تتزايد التحذيرات من انهيار القطاع الصحي وتفاقم معاناة المدنيين، في ظل تحركات عسكرية تعكس اتجاهاً نحو تصعيد أوسع في مناطق استراتيجية.
تصاعد الهجمات في الخرطوم وامتدادها إلى الولايات
شهدت العاصمة الخرطوم عودة لافتة لهجمات الطائرات المسيّرة بعد فترة من التراجع، حيث استهدفت مواقع في جنوب المدينة، لا سيما في منطقة جبل أولياء.
وأسفر أحد هذه الهجمات عن مقتل خمسة مدنيين إثرقصف استهدف مركبة في الريف الجنوبي لأم درمان، وفق ما أفادت به مجموعة “محامو الطوارئ”، التي اتهمت قوات الدعم السريع بالوقوف وراء العملية.
وفي تطور موازٍ، طالت الضربات ولاية الجزيرة، حيث استهدفت مسيّرة منزل أسرة قائد قوات “درع السودان” المتحالفة مع الجيش، أبو عاقلة كيكل، ما أدى إلى مقتل ستة من أفراد أسرته، بينهم شقيقه.
ويعكس هذا النمط من الهجمات اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق سكنية وشخصيات مرتبطة بالمعسكرين المتحاربين.
القطاع الصحي في الدلنج على حافة الانهيار
في ولاية جنوب كردفان، تبدو مدينة الدلنج واحدة من أكثر المناطق تضرراً، بعد خروج عشرة مرافق صحية رئيسية عن الخدمة نتيجة القصف الجوي والمدفعي خلال الأسابيع الماضية.
وأوضحت “شبكة أطباء السودان” أن الهجمات، التي نُسبت إلى قوات الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، أدت إلى تدمير واسع للمستشفيات والمراكز الصحية، بما في ذلك مرافق تقدم خدمات التغذية والصحة الإنجابية.
وبحسب البيان، يعمل المستشفى التعليمي في المدينة بشكل جزئي فقط، بينما توقف مستشفى التومات المرجعي عن الخدمة منذ فترة، وتعرض مستشفى السلاح الطبي للتدمير الكامل، في حين اقتصر نشاط مستشفى الأم بخيتة على خدمات الولادة.
نقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية
وحذرت شبكة الأطباء من انهيار شبه كامل للنظام الصحي في الدلنج، في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية وانعدام الأدوية والمعدات الأساسية. كما أشارت إلى تعطل أجهزة الأشعة والحاجة الملحة إلى صيانتها، إلى جانب عجز المرافق القليلة العاملة عن توفير المستهلكات الطبية الضرورية.
ويضع هذا الوضع آلاف المدنيين، خاصة النساء والأطفال، أمام مخاطر صحية جسيمة، مع تراجع القدرة على تقديم الخدمات المنقذة للحياة في المدينة.
دعوات عاجلة لتدخل إنساني في مواجهة هذا التدهور
دعت الشبكة إلى وقف فوري لاستهداف المرافق الصحية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لتأمين وصول الإمدادات الطبية والكوادر الصحية.
كما ناشدت المنظمات الدولية والإقليمية التدخل العاجل لإعادة تأهيل المؤسسات الصحية، محذرة من تفاقم الكارثة الإنسانية إذا استمر الوضع الراهن.
النيل الأزرق.. تحركات عسكرية في منطقة استراتيجية
بالتزامن مع التدهور الإنساني، يشهد إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد تحركات عسكرية مكثفة، حيث أعلن الجيش السوداني تعزيز وجوده في المنطقة المحاذية لإثيوبيا.
وأجرى الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة، جولة ميدانية في مدينة الدمازين، التقى خلالها بحاكم الإقليم أحمد العمدة، لبحث الترتيبات الأمنية لاستعادة السيطرة على مناطق الكرمك وقيسان وباو.
وأكد العطا التزام الجيش بدعم القوات المنتشرة، مشيداً بصمود الفرقة الرابعة مشاة، ومعلناً عن إرسال تعزيزات جديدة لرفع مستوى الجاهزية وحماية المدنيين.
تحديات حدودية واتساع رقعة الصراع
من جانبه، أشار حاكم الإقليم إلى أن الأوضاع الأمنية على الحدود مع إثيوبيا تزداد تعقيداً، خاصة بعد سيطرة قوات الدعم السريع، بالتعاون مع الحركة الشعبية – شمال، على منطقة الكيلي الأسبوع الماضي.
وتبرز أهمية النيل الأزرق كمنطقة استراتيجية تمثل بوابة حيوية نحو العمق السوداني، ما يجعلها محوراً رئيسياً في مسار العمليات العسكرية.
بين التصعيد العسكري والأزمة الإنسانية
تعكس هذه التطورات تداخلاً متزايداً بين المسارين العسكري والإنساني في السودان، حيث يقود التصعيد الميداني إلى تدهور حاد في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها القطاع الصحي، وفي ظل استمرار القتال واتساع نطاقه، تبدو فرص احتواء الأزمة مرهونة بوقف استهداف المدنيين والبنية التحتية، وفتح المجال أمام تدخلات إنسانية عاجلة تحد من تفاقم الوضع.