مجلس الدولة - صورة أرشيفية
ردود الأفعال ما زالت مستمرة بشأن الدعوى القضائية المقامة من عدد من المحامين، كوكلاء عن عدد من الرجال المتضررين من قانون الأسرة، أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، للمطالبة بإنشاء "المجلس القومي للرجل"، قُيدت تحت رقم 50345 لسنة 80 ق، شق عاجل، مطالبين خلالها بوقف تنفيذ القرار السلبي المتمثل في امتناع الجهة الإدارية عن تأسيس المجلس، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أبرزها تمثيل الرجل في مشروعات القوانين المرتبطة بالأسرة والأحوال الشخصية، ووضع نظام أساسي له وفقًا للدستور، كما دعت لإلغاء القرار السلبي، وإلزام الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإنشاء المجلس.
ويرى بعض المتخصصين أن إنشاء المجلس القومى للرجال ليس معناه أن الرجال تطالب بالمساواة حتى لا يتم أخذ الأمر على محمل السخرية، ولكن إنشاء مجلس قومى للرجال الهدف منه تحقيق توازن قانونى بحيث يكون هناك ممثل للرجال لطرح وجهت نظرهم بشكل أفضل، خاصة وأن إنشاء مجلس قومي للمرأة دون إنشاء مجلس قومي للرجل، يُعتبر تمييزا، وبالتالي يُعتبر بمثابة جريمة، خاصة أن جميع القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية منذ عام 2000 مع إنشاء المجلس القومي للمرأة صدرت لصالح المرأة فقط.

نحو ضوابط إنشاء المجالس القومية الحقوقية
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على ضوابط إنشاء المجالس القومية الحقوقية: بين الاعتبارات الدستورية ومتطلبات الواقع، فقد تحدث الفصل الحادى عشر من الباب الخامس الخاص بنظام الحكم عن المجالس القومية المتخصصة باعتبارها أحد المجالس المهمة فى البلاد والتى تقوم بالعديد من الأدوار الهامة مثل المجلس القومى لحقوق الإنسان، وفيما يلى يعرض "برلمانى" المادة 214 من الدستور والمتعلقة بدور واختصاص المجالس القومية المتخصصة – وفقا للخبير القانوني والمحامى بالنقض هانى صبرى.
مادة 214.. دور وأهمية المجالس القومية المتخصصة
يحدد القانون المجالس القومية المستقلة، ومنها:
- المجلس القومى لحقوق الإنسان.
- المجلس القومى للمرأة.
- المجلس القومى للطفولة والأمومة.
- المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة.
ويبين القانون كيفية تشكيل كل منها واختصاصاتها، وضمانات استقلال وحياد أعضائها، ولها الحق فى إبلاغ السلطات العامة عن أى انتهاك يتعلق بمجال عملها، وتتمتع تلك المجالس بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفنى والمالى والإدارى، ويُؤخذ رأيها فى مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بها، وبمجال أعمالها، ويثير الطرح المتجدد بشأن إنشاء مجلس قومي لحقوق الرجل – على غرار المجلس القومي للمرأة – تساؤلات قانونية جوهرية تتعلق بمدى توافر الأساس الدستوري والمعايير الموضوعية اللازمة لإنشاء مثل هذه الكيانات، ويستوجب ذلك الوقوف على الضوابط الحاكمة لإنشاء المجالس القومية الحقوقية في ضوء الدستور، وعلى رأسها المادة (53) التي تقرر مبدأ المساواة وعدم التمييز – بحسب "صبرى".

المجالس القومية المتخصصة من قبيل الهيئات المستقلة التي تُنشأ بقانون
وتُعد المجالس القومية المتخصصة من قبيل الهيئات المستقلة التي تُنشأ بقانون، وتستند في وجودها إلى فلسفة دستورية قوامها حماية فئات بعينها ثبت تعرضها لتمييز أو تهميش تاريخي أو بنيوي، وقد نص الدستور المصري صراحة على بعض هذه المجالس، مثل المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، بما يعكس إدراك المشرّع الدستوري لحاجة المجتمع إلى آليات مؤسسية داعمة للعدالة الاجتماعية – هكذا يقول الخبير القانونى.
وتؤكد المادة "53" من الدستور على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم…"، كما تُلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، ومن ثم، فإن إنشاء أي مجلس قومي يجب أن يكون متسقاً مع هذا الالتزام، لا أن يؤدي إلى ازدواجية غير مبررة أو تمييز عكسي، ويمكن استخلاص عدد من المعايير القانونية التي ينبغي توافرها قبل إنشاء أي مجلس قومي حقوقي، وذلك على النحو التالي – الكلام لـ"صبرى".
1- وجود مصلحة عامة حقيقية
يجب أن يستند إنشاء المجلس إلى ضرورة اجتماعية وقانونية واضحة، تتمثل في وجود انتهاكات ممنهجة أو قصور تشريعي أو مؤسسي يتطلب تدخل كيان مستقل لمعالجته.
2- ثبوت وجود تمييز هيكلي أو تاريخي
المجالس القومية لا تُنشأ لمجرد التماثل الشكلي، وإنما لمعالجة اختلالات قائمة بالفعل، كما هو الحال في دعم حقوق المرأة أو الطفل أو ذوي الإعاقة.

3- عدم كفاية الأطر القائمة
يتعين التحقق من أن المؤسسات القائمة – سواء كانت قضائية أو تنفيذية أو رقابية – غير كافية لمعالجة الإشكال المطروح، بما يبرر إنشاء كيان جديد.
4- التناسب وعدم التضخم المؤسسي
يجب أن يراعي المشرّع مبدأ التناسب، بحيث لا يؤدي إنشاء المجالس إلى تضخم إداري أو ازدواج في الاختصاصات، بما يهدر الموارد العامة.
5- تحديد اختصاصات دقيقة وواضحة
ينبغي أن يحدد القانون المنشئ للمجلس اختصاصاته بشكل دقيق، مع تجنب التداخل مع جهات أخرى، وضمان فعاليته واستقلاله.
6- الالتزام بمبدأ المساواة وعدم التمييز
لا يجوز أن يؤدي إنشاء مجلس لفئة معينة إلى الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص أو خلق تمييز إيجابي غير مبرر دستورياً.

ويضيف "صبرى": بالنظر إلى المعايير المتقدمة، يثور التساؤل حول مدى انطباقها على فكرة إنشاء مجلس قومي للرجل، فمن حيث الأصل، لا يُعد الرجل – في السياق القانوني العام – فئة تعاني من تمييز هيكلي أو حرمان ممنهج من الحقوق، بل يتمتع بكافة الضمانات الدستورية والقانونية التي تكفل له المساواة الكاملة، كما أن إنشاء مجلس موازٍ لمجالس قائمة لمجرد تحقيق "التناظر" قد يفتقر إلى السند الموضوعي، ويؤدي إلى ازدواج مؤسسي لا يخدم الغاية المرجوة، بل قد يُضعف من كفاءة العمل الحقوقي.
الإشكالية لا تكمن في غياب الكيانات
وفى الأخير يؤكد "صبرى": إن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب الكيانات، بل في مدى الالتزام الفعلي بتطبيق أحكام الدستور والقانون، فالمادة (53) لا تكتفي بإقرار المساواة، بل تُلزم الدولة بضمانها فعلياً - ومن ثم - فإن تعزيز سيادة القانون، وتفعيل آليات الرقابة، وضمان حياد المؤسسات، يُعد الطريق الأجدى لتحقيق العدالة، في تقديري، لا تُعد الدعوة إلى إنشاء مجلس قومي لحقوق الرجل ضرورة قانونية أو دستورية في ظل توافر إطار تشريعي يكفل المساواة للجميع، فالأولوية يجب أن تنصرف إلى التطبيق العادل والفعّال لأحكام الدستور والقانون دون تمييز، بدلاً من التوسع في إنشاء كيانات قد لا تضيف قيمة حقيقية، وفى الحقيقة العدالة لا تتحقق بتعدد المجالس، بل بحسن تطبيق القواعد، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، بحيث يكون الجميع – رجالاً ونساءً – سواء أمامه، بلا حاجة إلى تقسيمات مؤسسية لا يبررها واقع أو ضرورة.
يشار إلى أن الهدف من إنشاء المجالس القومية، هو إنشاء مجالس للفئات الضعيفة في المجتمع مثل المرأة، الطفل، ذوي الإعاقة أو للموضوعات المؤثرة والمهمة مثل حقوق الإنسان، السكان، الإجور، والشهداء والمصابين والذي تم ضمه مؤخرا لوزارة التضامن وخرج من قائمة المجالس القومية المستقلة.

