الطلاق بين الأزواج - أرشيفية
منذ سنوات أطلق القضاء إنذارًا مبكرًا لما تعيشه الأسر اليوم لكننا لم نستمع، حتى أصبحت الأزمات واقعًا لا يمكن تجاهله، فإن ما يحدث داخل آلاف الأسر لم يعد خلافات عابرة، بل أزمات تهدد استقرار الأبناء ومستقبل المجتمع، وإصدار قانون جديد للأحوال الشخصية لم يعد خيارًا، بل ضرورة مُلحة لإنقاذ ما تبقى من توازن الأسرة.
وفى إحدى القاعات عام 2022 لم تكن القاعة مزدحمة، لكن الهواء كان ثقيلًا كأن كل كلمة ستُغيّر مصيرًا، زوج - مدرس ابتدائى - بإدارة بسيون التعليمية معار بالسعودية 17 سنة، وحدث خلافات زوجية مع زوجته، فقد نزل إلى مصر على أثر خلاف بينهما، وقام بتبديد منزل الزوجية واختلسها لنفسه نكاية فى زوجته، ثم غادر إلى السعودية.
حكم منذ 4 سنوات.. صرخة من قلب البيوت
وفى تلك الأثناء - قامت الزوجة بمقضاة زوجها أمام القاضى الجنائى، وصدر حكم بحبس الزوج غيابيا 3 سنوات مع الشغل، ومن جانبه قام الزوج بالتواصل مع محاميه لإستئناف الحكم، لكن تم الرفض وتأيد الحكم .
وعند نزول الزوج مصر تم القبض عليه، وقام بتنفيذ العقوبة وبعد انقضاء مدة العقوبة حاول الزوج العودة للسعودية لكن الزوجة كانت له بالمرصاد لم تكتف بحبسه 3 سنوات، وإنما لجأت لحيلة شيطانية حتى تستطيع تنفيذ أحكام بالنفقة التى مازالت منظورة أمام القضاء، دفع الزوج نفقة سنة واحدة المحكوم بها، فقدمت شكوى إلى النيابة الإدارية قبل سفره واحالته الى المحكمة التأديبية التى أصدرت حكمها عليه بخصم أجر خمسة عشر يوما .
الزوج يطعن على الحكم لإلغاءه
فقام الزوج بالطعن على هذا الحكم، لأن جريمة التبديد تعتبر من الجرائم المخلة بالشرف، وحضر الزوج أمام القاضى المصرى المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة أمام دائرة الفحص بالمحكمة الإدارية العليا.
حضر الزوج باكيا ليس كمتهم فقط…بل كأب يخاف على مستقبل أولاده....صوته خرج مكسورًا: "أنا غلطت…واعترف…إنى بددت منقولات زوجتى، وتم حبسى ثلاث سنوات ودفعت نفقة سنة.... لكن يا سيادة القاضي…:" ما تكتبش على أولادي إن أبوهم بلا شرف….. ذنبهم إيه يعيشوا طول عمرهم مكسورين بسببي؟!".
سكت…..وانخفض رأسه…كأنه ينتظر حكمًا… أو رحمة...
لحظة صمت…
طويلة… عميقة…
كل من في القاعة كان ينتظر ردًا قانونيًا…
لكن ما حدث… لم يكن عاديًا.
القاضي الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة
لم يرد فورًا…
لم يتعجل…
لم يكتفِ بالنصوص…
بل فكّر…
وبحث…
واجتهد…
كأن القضية لم تعد أمامه أوراقًا…
بل مجتمعًا كاملًا يحتاج إلى إجابة.
وتوقع الجميع أنه سأل نفسه :
هل نحاسب الرجل فقط؟
أم نحكم على مستقبل أبنائه معه؟
هل كل تبديد…وصمة شرف؟
أم أن هناك فرقًا…بين جريمة في الشارع…وجرح داخل بيت؟
هنا… لم يكن يكتب حكمًا…
بل كان يكتب فكرا للمجتمع .
وجاءت اللحظة نطق بالحكم:
العقوبة قائمة… فالخطأ لا يُبرر
لكن…هذه ليست جريمة مخلة بالشرف.....
كلمة واحدة…غيّرت مصير أسرة كاملة.
لم ينقذ الأب…بل أنقذ أبناءه من حكم قاسٍ لا ذنب لهم فيه.
ثم جلس القاضى العادل الجليل يكتب حيثياته…..ليس كقاضٍ يفصل نزاعًا…
بل كمفكر يضع قاعدة للمجتمع.
و حيثيات مصنوعة من سلاسل الذهب .....تفرق بين القانون… والإنسان… والأسرة.
وهنا السؤال الذي يجب أن يؤلمنا:
هذا هو الحكم الثاني لهذا القاضي…الذي يسبق الزمن فى مجال الأسرة المتصلة بمرافق الدولة …
ويضع حلولًا لأعقد القضايا قبل أن تنفجر.....!
فهل سمعنا؟
هل قرأنا؟
هل استوعبنا؟
أم ننتظر…حتى تتحول كل بيت إلى قضية؟
هذه الأحكام لا يجب أن تمر مرور الكرام…
بل يجب على كل المختصين…
أن يقفوا أمامها… يدرسوها… ويبنوا عليها....
لأن بعض القضاة…
لا يحكمون فقط…
بل يكتبون مستقبل أمة.
ونجتزء سبعة مبادئ ذهبية للعلاقات الأسرية التى سطرها هذا الحكم الخالد:
المبدأ الأول قائمة منقولات منزل الزوجية بكافة مشتملاتها تعد مِلكًا للزوجة مِلكًا كاملاً بالدخول
قالت المحكمة: " قائمة منقولات منزل الزوجية بكافة مشتملات هذا الجهاز يعد مِلكًا للزوجة مِلكًا كاملاً بالدخول، يستوى أن تكون المرأةُ قد قامت بتجهيز بيت الزوجية بمقدم صداقها، ويستوى أن يكون الزوج قد أَمْهَرَهَا الصداقَ نَقدًا أو قَدَّمَه إليها في صورة جهازٍ أَعَدَّه لبيت الزوجية، وبهذه المثابة فإنّ قائمة منقولات منزل الزوجية تمثل حفظاً لحقوق الزوجة ولا يَضُرُّ الزوجَ منها شيئاً، وعَدَمُ وجودها في صدر ظهور الإسلام لا ينال من مشروعيتها، فهى وليدة البيئة الحديثة والشريعة الغراء صالحة لكل زمان ومكان وهى بهذا النسق تتفق مع المقاصد العامّة للشريعة مِن السعي لضمانِ حقوق المرأة من العسف والعصف بها فى زمن كثرت فيه المنازاعات الأسرية".
المبدأ الثانى: قائمة المنقولات الزوجية نشأت قاعدة عرفية ثم تلقفها المشرع وجرم تبديدها
قالت المحكمة: "قائمة المنقولات الزوجية نشأت فى البداية قاعدة عرفية قبل أن يتلقفها المشرع ويجرم تبديدها، فقد درجت الأسر المصرية على أن العريس عندما يتقدم للزواج يحرر له أهل العروس قائمة المنقولات الزوجية أو ما يسمى (قايمة العروسة)، مما ترتب على ذلك الكثير من قضايا التبديد بسبب تبديد الزوج لها، وبالتالى نشأت قائمة المنقولات فى البداية كوثيقة عرفية تتم بين أهل العروسة والزوج سواء قبل إتمام الزواج ليتم إثبات منقولات الزوجية في تلك القائمة بما فيها من أثاث وسجاد ومفروشات وأواني وأجهزة كهربائية وكماليات البيت وكافة ما يحتويه المنزل من أغراض ويتم إثبات أن الزوج قد تسلم تلك الأشياء من الزوجة على سبيل الأمانة وعلى سبيل عارية الإستعمال ليقوم بردّها على الحالة التي تسلّمها بها عند الطلب، وحينما تعددت المشاكل القانونية المتعلقة بقائمة المنقولات بما يهدد حياة الأسر المصرية تدخل المشرع ورصد عقوبة لتبديد قائمة المنقولات الزوجية".

المبدأ الثالث: قائمة المنقولات الزوجية من أهم المشكلات المجتمعية رغم أنهة وسيلة حمائية وضمانية لحقوق المرأة المادية
دقت المحكمة ناقوس الخطر وقالت: "وقد باتت قائمة المنقولات الزوجية من أهم المشكلات المجتمعية إلا أن القائمة أضحت وسيلة حمائية وضمانية لحقوق المرأة المادية وقد حشد أهلها أقصى ما يمكن أن يقدموه من إمكانيات لإنشاء أسرة جديدة للزوجين ولها عدة أهدف تتمثل فيما تمنحه من الثقة والأمان الاجتماعي وتعزيز المكانة الاجتماعية للزوجة وتعويض أسرة الزوجة عن الخسائر التي تكبدتها من جراء العلاقة الزوجية، وأخرها توفير الأمان النفسى للزوجة بإثبات حسن النية والرغبة الصادقة في إقامة علاقة زوجية مستقرة دائمة".
المبدأ الرابع: قائمة منقولات منزل الزوجية وإن كانت حقا للمرأة لكنها ليست من شروط صحة عقد الزواج
ووفقا لـ"المحكمة": "أن قائمة منقولات منزل الزوجية وإن كانت حقا للمرأة فإنها ليست من شروط صحة عقد الزواج، فهناك الكثير من الحالات يكون الزوج أحد أقارب الزوجة وتنشأ موانع أدبية تحول دون كتابه القائمة بين الزوجين وتثور المشكلة فى اثبات عنصر التسليم بخلاف القائمه ؟أن قائمة منقولات الزوجية لا تمت بصلة بشروط الزواج، بل هي أمر أوجدته البيئة المستحدثة بعدما ساءت سلوكيات بعض الناس و خربت الذمم والضمائر، فنشأ لأهل الزوجة ضمانة حق ابنتهم حال حدوث الخلافات أو الإنفصال، ومن ثم فإن كانت قائمة منقولات الزوجية مشروعة وجائزة إلا أن الزواج صحيح بدونها والقول بغير ذلك مؤداه نتيجة شاذة يأباها المنطق، هي عدم صحة الزواج الذي لم تلازمه تلك القائمة ومن ثم فإن أي مانع يخضع لتقدير قاضي الموضوع لظروف كل حالة وملابساتها على حدة".

المبدأ الخامس: تبديد منقولات الزوجة جريمة عائلية ليست مخلة بالشرف
وبحسب "المحكمة": "قضاء هذه المحكمة يسجل أن تبديد منقولات الزوجة ليست جريمة مخلة بالشرف، لأن الأحكام القضائية الصادرة من أعلى محكمة فى قضاء مجلس الدولة وتستوى على القمة من بين محاكمه، ترسى العدل بميزان القسط وتعالج القضايا المجتمعية التى تمس حياة الأسر المصرية فى علاقتها بجهات الإدارة فى بوتقة الحق ولا تبترها بتراً ينال من وجودها وبقائها، فلو انتهت المحكمة إلى أنها جريمة مخلة بالشرف ترتب على ذلك فصل الموظف عن عمله، وتلك سياسة تناقض العدالة ولا تتفق والإرادة المجتمعية نحو استقرار المجتمعات، ولا تتسق والإرادة التشريعية نحو الإصلاح والتقويم، خاصة وأن الجرائم المخلة بالشرف لم تتحدد في قانون العقوبات أو في أي قانون سواه تحديداً جامعاً مانعاً ويتعذر وضع معيار مانع، والقدر المتيقن منه أنها تلك الجرائم ترجع إلى ضعف في الخلق وانحراف في الطبع أخذاً في الاعتبار طبيعة الوظيفة ونوع العمل الذي يؤديه العامل المحكوم عليه ونوع الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها والأفعال المكونة لها ومدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وسوء السيرة والحد الذي ينعكس إليه أثرها على العمل وغير ذلك من الاعتبارات.
وبهذه المثابة فإن طبيعة جريمة تبديد منقولات الزوجة هى فى الأصل وليدة الخلافات العائلية والمشاحنات الزوجية والنزاعات الأسرية، ومن ثم فإن جريمة تبديد منقولات منزل الزوجية لها خصوصية فى أنها تكون بين زوجين وتقع في محيط أسرتيهما العائلي، ومن ثم فإنها وإن وصفها القانون بأنها جريمة تبديد إلا أن ذلك لا يعد كافياً بذاته لاعتبارها جريمة مخلة بالشرف".
المبدأ السادس: نحمى سمعة الأبناء والبنات فى مجتمعهم المدرسى ومستقبلهم من كون أبيهم مخلا شرف
وتضيف "المحكمة": "نظرتنا تعود إلى صلة الزوجية والاعتبارات العائلية بما يقتضى الحفاظ على سمعة الأبناء والبنات فى مجتمعهم المدرسى ومستقبلهم بعد التخرج والحفاظ على كيان الأسرة من الضياع، وهى لا تتعدى كونها تبديدا لمنقولات زوجته تكون إثما جنائيا يقتضى العقاب الجنائى الموصوف فى نموذج التجريم وأيضا ذنباً إدارياً يسوغ مؤاخذته تأديبياً رغم ارتكاب هذا الذنب خارج نطاق العمل الوظيفي، لأن هذا العمل يكون في حد ذاته سلوكاً معيباً ينعكس أثره على كرامة الوظيفة ويمس اعتبار شاغلها ويزعزع الاطمئنان إلى استقامة القائم بأعبائها ويتنافى مع ما ينبغي أن يتحلى به من طيب الخصال، خاصة إذا كان الطاعن يعمل معلماً إنما يكون قواماً على تربية النشء وتهذيب التلاميذ وتثقيف عقولهم وتغذية أرواحهم بالقيم من مبادئ الأخلاق وغرس الفضائل في نفوسهم يجب أن يكون قدوة مُثلى في سلوكه وأن ينأى بتصرفاته عن مواطن الريب فلا ينزلق إلى مسلك موصوم بالانحراف الجور على حقوق زوجته فإذا ما تنكب الطريق السوي وجب مؤاخذته ومجازاته عن ذلك".
المبدأ السابع: قوانين الأسرة تحتاج إلى إعادة صياغة مستجدة تتفق وصحيح حكم الدين والأخلاق والوطنية
وأخيراً قالت المحكمة: "تسجل المحكمة فى حكمها أنه من حق كل زوج على زوجه إحسان كلٍّ منهما إلى الأخر، وعدم إيذائه، فإن ذلك من حسن العشرة والبر، ومحاسن الأخلاق، وهي دليل على المروءة وحسن الخلق، وسبب قوي لإدامة العِشرة بين الزوجين وتوطيد العلاقة بين أسرتيهما، وله أثر طيب تحمد عقباه على الذرية، فإكرام الأصهار وتَبجيلهم وتوقيرهم من الأمور التي حرصت الأديان عليها ونص الدستور المصرى على أن الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وهى من أرفع وأطهر العلاقات البشريّة وأنقاها تحتاج إلى إعادة صياغة مستجدة سليمة للمجتمع تتفق وصحيح حكم الدين والأخلاق والوطنية".
.jpg)
هل جريمة تبديد منقولات الزوجية مخلة بالشرف كغيرها من جرائم التبديد؟
وبعد هذه الحيثيات التاريخية بات المجتمع بحاجة إلى قانون جديد للأحوال الشخصية ينهي هذا العبث ويحمي الأطفال قبل أن يتحولوا إلى ضحايا في معارك لا ذنب لهم فيها بعض الأحكام لا تُنهي القضايا فقط بل تكتب تاريخًا، لذلك كان التساؤل: هل جريمة تبديد منقولات الزوجية مخلة بالشرف كغيرها من جرائم التبديد؟ فقد تصدت دائرة الفحص برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي لهذه المسألة بحكم قضائي يحمل تأصيلًا علميًا رصينًا، وانتهت إلى أن جريمة تبديد منقولات الزوجية ليست مخلة بالشرف، وهي تختلف عن بقية جرائم التبديد، ورغم أنها قد انتهت إلى صحة مسلك المحكمة التأديبية؛ إلا أنها، حرصًا على مستقبل الرجل والأولاد من أن تطاردهم آثار الجرائم المخلة بالشرف، حرصت المحكمة على تأكيد أن جريمة تبديد منقولات الزوجية ليست جريمة مخلة بالشرف.
وهنا قتطف الفقرة الأخيرة من الحكم لروعتها، حيث جاء فيها:
"وتسجل المحكمة في حكمها أنه من حق كل زوج على زوجه إحسان كل منهما إلى الآخر، وعدم إيذائه، فإن ذلك من حسن العشرة والبر، ومحاسن الأخلاق، وهي دليل على المروءة وحسن الخلق، وسبب قوي لإدامة العشرة بين الزوجين وتوطيد العلاقة بين أسرتيهما، وله أثر طيب تحمد عقباه على الذرية، فإكرام الأصهار وتبجيلهم وتوقيرهم من الأمور التي حرصت الأديان عليها، ونص الدستور المصري على أن الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وهي من أرفع وأطهر العلاقات البشرية، وأنها تحتاج إلى إعادة صياغة متجددة سليمة للمجتمع تتفق وصحيح حكم الدين والأخلاق والوطنية".

هناك أشياء… تُفهم لا تُوصم.
الخلاصة:
وصل النزاع لمرحلة خطيرة، حيث استصدرت الزوجة حكمًا على زوجها في جريمة تبديد منقولات الزوجية؛ وقضى الزوج العقوبة؛ ولم تكتفِ الزوجة بذلك، وإنما سارعت وقدمت شكوى للنيابة الإدارية عن نفس جريمة تبديد منقولات الزوجية، وتطور الأمر إلى أن أصدرت المحكمة التأديبية حكمًا بالخصم من الراتب، وذلك عن ذات الفعل، وهو تبديد منقولات الزوجية.

المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة