قانون الأحوال الشخصية - أرشيفية
قانون الأحوال الشخصية جرى تعديله أكتر من مرة خلال السنوات الماضية، آخرها في مشروع قانون 2026 الذى سحبته الحكومة لاحقا، ومع ذلك القانون القائم أو حتى تعديلاته المقترحة يشوبها عوار كبير وعدم انصاف المرأة في بعض الجوانب، وعدم انصاف الرجل في جوانب أخرى، فالقانون موصوف بأنه "ظالم للطرفين"، ويحتاج تدخل فورى وسريع.
على سبيل المثال: بالنسبة للمرأة في مسألة ولاية دائمة للرجل على المرأة حتى ولو كان ظاهريا يمنحها حق تزويج نفسها على المذهب الحنفي، لكنه يسحبها منها عمليا بمنح أي فرد من عائلتها حق الطعن في عقد الزواج "ما لم يكن قد دخل بها"، وحرمان الأم من الولاية على أموال القاصر، هذا إلى جانب مشكلات تتعلق بمسألة تحديد مبلغ النفقة ووضع أعباء إثبات دخل الزوج، مع فقدان الأم الولاية القانونية والمالية على طفلها.

تعديلات قانون الأحوال الشخصية "ضرورة حتمية"
كما يقيد سفر الأم الحاضنة بينما لا يقيد سفر الأب بالطفل دون مساواة بين الطرفين، مع عدم وجود أي حلول ناجزة لحماية الأطفال من التشرد في الشوارع في حال طردهم من منزل الزوجية، هذا لجانب التغافل عن صياغة واضحة لتنظيم تعدد الزوجات والاكتفاء بإبلاغ إجرائي بدون أي قيود مالية وجسدية تحقق مبدأ العدل الديني، بجانب مشكلات أخرى تتعلق بحقوق المرأة بعيدا عن الزواج - مثلا منح أي فرد بالأسرة حق منع سفر المرأة أيا كان متطلبات السفر وأيا كان عملها أو منصبها.
أما من ناحية الأب فمشكلته الأهم التي يشكو منها كثير من الآباء هو فكرة رؤية الطفل لمرة واحدة أسبوعيا لساعة واحدة، مع إمكانية التلاعب من طرف الحاضنة لمنع الرؤية، وهذا طبعا يكون متعلق بمشكلات وخلافات أخرى مثل امتناع الزوج عن دفع النفقة وغيرها من أشكال التلاعب المتبادلة.

ضرورة تعديل منظومة الحضانة
وفى هذا الشأن – يقول الخبير القانوني والمحامى مصطفى محمود مقلد ـ في لحظة تتغير فيها ملامح الأسرة بشكل أسرع من قدرة النصوص على مواكبتها، يصبح السؤال القانوني أكبر من مجرد تنظيم علاقة بين طرفين، ويتحول إلى محاولة لحماية كيان كامل اسمه "الطفل"، وفي ضوء التغيرات الاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المجتمع المصري، لم يعد من المقبول أن تظل منظومة الحضانة محكومة بفلسفة تقليدية تقوم على الإقصاء لا التوازن وعلى فكرة الغالب والمغلوب لا الشراكة في المسؤولية.
ويضيف "مقلد" في تصريح لـ"برلماني": الواقع العملي داخل محاكم الأسرة يكشف بوضوح أن النموذج الحالي لم يحقق الاستقرار بعد الانفصال بل أسهم في إنتاج أزمات نفسية ممتدة يتحمل عبئها الطفل في المقام الأول، والقواعد المنظمة للحضانة في التشريع المصري تأسست تاريخيا على تصور اجتماعي قديم يفصل بين دور الأم باعتبارها مسؤولة عن الرعاية ودور الأب باعتباره ملزما بالإنفاق، لكن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع المعاصر حيث تغيرت الأدوار داخل الأسرة، وأصبح الأب شريكا فعليا في التربية لا مجرد مصدر للدعم المالي بل إن غياب هذا الدور لا يخلق فقط خللا اجتماعيا، بل ينتج ما يعرف في علم النفس بحالة الجوع الأبوي حيث يفقد الطفل أحد أعمدة التوازن النفسي في تكوينه.

وبحسب "مقلد": التطبيق العملي لنظام الرؤية بصورته الحالية لم يعد مجرد تنظيم قانوني بل تحول إلى مشكلة نفسية ممتدة، حيث يؤدي إلى إضعاف العلاقة بين الطفل وأحد والديه وتحويل الطرف غير الحاضن إلى "زائر مؤقت" في حياة ابنه، وهو ما خلق حالة من الاغتراب الوالدي لا تظهر آثارها فوراً لكنها تمتد لسنوات في صورة اضطرابات سلوكية وفقدان الإحساس بالأمان وهنا يثور السؤال الأهم .

هل هذا النظام يحقق فعلا المصلحة الفضلى للطفل أم يكتفي بإدارة النزاع بين الكبار؟
ويضيف الخبير القانوني: محاولات الإصلاح التشريعي الأخيرة وعلى رأسها إدخال نظام الاستضافة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها لا تزال محدودة، لأنها لم تتحول إلى أصل عام مستقر بل بقيت رهنا بتقدير قضائي واسع، ومع غياب آليات تنفيذ واضحة تصبح الاستضافة في كثير من الأحيان حقا نظريا أكثر منه واقعا مستقرا، كما أن الاعتماد على الجزاء الجنائي لضبط تنفيذ هذه الأحكام يطرح إشكالا عمليا واضحا، فالقانون الذي يحتاج إلى العقاب لضمان علاقة طبيعية بين الأب وابنه هو قانون يعالج النتيجة لا السبب بل وقد يؤدي ذلك إلى عزوف القضاء عن التوسع في منح هذا الحق خوفا من تعقيدات التنفيذ.
في المقابل – الكلام لـ"مقلد" - تكشف التجارب المقارنة أن العالم تجاوز فكرة الحضانة المنفردة واتجه نحو نموذج الرعاية المشتركة القائم على أن الطفل ليس محل نزاع بل مسؤولية مشتركة وأن المصلحة الفضلى له لا تتحقق بالرعاية المادية فقط بل بالتوازن النفسي الناتج عن وجود كلا الوالدين في حياته بشكل حقيقي، ويعد نظام خطط الوالدية من أهم الأدوات التي أثبتت نجاحها، حيث يتم إلزام الطرفين بوضع إطار تفصيلي ينظم حياة الطفل قبل وقوع النزاع بما يشمل الإقامة والتعليم والرعاية الصحية وآليات التواصل وهو ما يقلل بشكل كبير من النزاعات اللاحقة ويمنع تحول الطفل إلى ساحة صراع مفتوحة.

الحل ليس في تعديل جزئي بل في إعادة بناء الفلسفة بالكامل
ومن هنا لا يصبح الحل في تعديل جزئي بل في إعادة بناء الفلسفة بالكامل الانتقال من قانون يحسم النزاع إلى قانون يمنع نشأته من الأساس، والطرح الأكثر اتزانا يقوم على إقرار الرعاية الوالدية المشتركة كأصل عام بحيث يستمر دور كلا الوالدين في حياة الطفل ويكون الإقصاء استثناء مرتبطا بعدم الأهلية لا خلاف الإرادة مع ضرورة إقرار الولاية التعليمية المشتركة حتى لا يتحول تعليم الطفل إلى أداة ضغط بين الطرفين، كما يجب إلزام الطرفين بتقديم خطة والدية تفصيلية قبل الفصل في النزاع تكون بمثابة دستور ينظم حياة الطفل اليومية ويمنع تضارب القرارات مستقبلا مع تفعيل الوساطة الأسرية كمرحلة إلزامية سابقة على التقاضي بحيث يتم حل النزاع في إطاره الإنساني قبل أن يتحول إلى صراع قانوني – هكذا يقول "مقلد".
ومن الناحية العملية لا يمكن نجاح أي نظام دون وجود آليات تنفيذ حقيقية وهو ما يفرض ضرورة إنشاء وحدات متخصصة تضم كوادر نفسية واجتماعية لمتابعة تنفيذ الأحكام على أرض الواقع بدلا من ترك الأمر لإجراءات تقليدية لا تتناسب مع طبيعة النزاع الأسري، كما أن إدخال التكنولوجيا لم يعد رفاهية بل ضرورة حيث يمكن استخدام وسائل رقمية لتنظيم عمليات الاستلام والتسليم وتوثيق التنفيذ وتقليل الاحتكاك المباشر بين الأطراف بما يوفر بيئة أكثر استقرارا للطفل ويحد من فرص النزاع – طبقا لـ"مقلد".

فكرة الاستضافة المتدرجة وفق المراحل العمرية
وفى الأخير يقول "مقلد": ويمكن أيضا تبني فكرة الاستضافة المتدرجة وفق المراحل العمرية بحيث يتم بناء العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن بشكل تدريجي يراعي احتياجاته النفسية فلا يكون الانتقال مفاجئا بل عملية متوازنة تعزز شعوره بالأمان، حيث إن الانتقال من نظام الحضانة التقليدي إلى نموذج العدالة الوالدية ليس مجرد تطوير تشريعي بل إعادة تعريف لدور القانون نفسه، فالقانون لم يعد فقط أداة للفصل بين الخصوم بل أصبح أداة لحماية التوازن النفسي والاجتماعي للأجيال القادمة، في النهاية القضية ليست من يكسب الحضانة بل كيف لا يخسر الطفل والده أو والدته، لأن أخطر ما قد ينتجه أي نظام قانوني ليس الظلم المباشر بل الخلل الصامت الذي يتسلل إلى تكوين الإنسان منذ طفولته.
