حكم الدستورية الخاص بجداول المخدرات - صورة أرشيفية
ما زالت ردود الأفعال مستمرة حول الكتاب الدورى الجديد الذى أصدره النائب العام رقم 1 لسنة 2026 بتاريخ 18/2/2026 الخاص بحكم المحكمة الدستورية العليا، الذى ينظم فيه العمل بعد صدور الحكم وصدور قرار من وزير الصحة بتعديل جداول قانون المخدرات، حيث حدد النائب العام خلاله آثر حكم المحكمة الدستورية بشأن قضايا المخدرات، ومتضمنًا القواعد الواجب اتباعها لتطبيق حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار هيئة الدواء المصرية رقم "600" لسنة 2023، الخاص باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.
الكتاب الدوري أكد أن أثر الحكم يترتب عليه عدم جواز تطبيق القرار المقضي بعدم دستوريته، وسقوط ما ترتب عليه من قرارات، وذلك عملًا بنص المادة "49" من قانون المحكمة الدستورية العليا، وقسّم الكتاب الدوري القواعد واجبة التطبيق إلى حالتين:
أولًا: القضايا المتعلقة بمواد مخدرة لم تكن مدرجة سابقًا بقرارات وزير الصحة
1- إخلاء سبيل المتهمين المحبوسين احتياطيًا الذين لم تحال قضاياهم للمحاكمة مع صدور أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضدهم.
2- طلب الحكم بالبراءة في القضايا المنظورة أمام المحاكم.
3- بالنسبة للصادر ضدهم أحكام وقف تنفيذ العقوبات والإفراج الفوري عنهم، سواء كانت الأحكام باتة أو غير باتة، مع عدم الإخلال بحق الطعن.
ثانيًا: القضايا التي ترتب على حكم الدستورية تغيير موقع المادة المخدرة في الجداول تشديد العقوبة
1- يتم تعديل القيد والوصف وفقًا للجداول السارية قانونًا للقضايا اللي لسة فيها محاكمة ودرجات طعن.
2- الاستمرار في تنفيذ العقوبات إذا كانت في حدود العقوبات المقررة قانونًا، مع كفالة حق الطعن أو منازعة التنفيذ بحسب الأحوال.
الكتاب الدوري أكد استمرار العمل بالجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم "182" لسنة 1960 وتعديلاته الصادرة عن وزير الصحة والسكان، إلى حين صدور التعديل التشريعي المختص.
وفى هذا الشأن – يقول الخبير القانوني والمحامى صالح جمال عمار - المحكمة الدستورية العليا أسدلت الستار على الجدل بشأن اختصاصات هيئة الدواء المصرية في تعديل جداول مكافحة المخدرات — نهاية جدل وإثارة آخر، ففي تطور قضائي فارق، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا مهمًا بتاريخ 16/2/2026 قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، لما شابه من تجاوز حدود التفويض التشريعي المنعقد لوزير الصحة والسكان بموجب المادة "32" من هذا القانون.
وبحسب "عمار" في تصريح لـ"برلماني": الأمر الذي مؤداة سقوط جميع قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية السابقة واللاحقة، الصادرة في شأن تعديل تلك الجداول، كونها صادرة بطريق مخالف للطريق الصحيح الذي رسمه القانون، وبالإجمال إلى اعتبارها كأن لم تكن منذ تاريخ صدورها، ما لم يتم تعديلها أو استبدالها بأداة قانونية صحيحة، وبطبيعة الحال لا تسري التعديلات على الوقائع السابقة على صدورها تطبيقا لقاعدة الأثر المباشر للقانون.
أَوَّلًا: حيثيات الحكم وأسانيده القانونية
استندت المحكمة الدستورية العليا في قضائها إلى ما يلي:
التفويض التشريعي المحدود:
ويضيف "عمار": إن نص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960 يُخوّل وزير الصحة والسكان وحده أن يعدل الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف أو الإضافة أو تغيير النسب الواردة فيها، باعتبارها لائحة تنفيذية مؤثرة في الركن الشرعي للجرائم والعقوبات، ولا تُمكّن نصوص القانون رقم 151 لسنة 2019 بإنشاء هيئة الدواء المصرية، ولا المادة (15) منه، من توسيع هذا التفويض ليشمل هيئة الدواء المصرية في مجال تعديل جداول المخدرات، إذ إن اختصاصات الهيئة منصوص عليها في قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، وهي متعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية والمستلزمات ذات الصلة.
انفتاء على حدود التفويض التشريعي:
إن قيام رئيس هيئة الدواء المصرية بإصدار قرار بتعديل الجداول يُعد افتئاتًا على اختصاص وزير الصحة والسكان ومخالفًا للمادة الثانية من قانون إنشاء الهيئة، ومخالفًا للمبادئ الدستورية، خاصة مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، بما يخلّ بسلطة السلطة التشريعية التي وحدها من يبيح التجريم والعقاب ونطاقهما – الكلام لـ"عمار".
المواد الدستورية المخالفة:
رأت المحكمة أن القرار محل الطعن يُخالف نصوص المواد (5، 94، 95، 101) من دستور 2014، لما تمثله من ضمانات أساسية لشرعية التشريع وتقيد اختصاصات السلطة التنفيذية.
ثانيًا: أثر الحكم على قرارات هيئة الدواء بشأن جداول المواد المخدرة
قررت المحكمة أن: القرارات التي أصدرتها هيئة الدواء المصرية بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات موصومة بعيب دستوري، وتُعد ساقطة ولا ترتب أية آثار قانونية، ومؤدّى ذلك أن تُعتبر كأن لم تكن منذ وقت صدورها، ومن ثم فهي منعدمة وحابطة الأثر، وتبقى الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960، وتعديلاتها الصحيحة الصادرة بسلطة الوزير المختص، كاملة القوة والنفاذ، ويُعمل بها في القضايا الجنائية التي تكون وقائعها في نطاق التطبيق، ومن ثم تسري الأحكام الواردة بالجداول التي سبق صدورها من وزير الصحة على الوقائع السابقة وحتى صدور تعديل ساري من جهة مختصة ومخولة بذلك قانونا.
وفي المقابل - فإنه لا يمكن إعمال أثر أي جدول صدر بسلطة غير مختصة إلا إذا عُدّل أو استُبدل بأداة قانونية صحيحة. وكما تقدم فإن هذه التعديلات -حال حدوثها- لا تسري على الوقائع السابقة على صدورها تطبيقا لقاعدة الأثر المباشر للقانون. والتي يحكمها القانون التي نشأت وتكونت في ظله، وتكون المواد الواردة في هذه الجداول مؤثمة ومعاقبا عليها قانونا وفقا لأحكامه.
ثالثًا: أثر الحكم على القضايا الجنائية
الأحكام بعدم دستورية نص جنائي يكون لها أثر رجعي، وذلك وفقًا لما يلي:
حُجّية أحكام المحكمة الدستورية العليا
أحكام المحكمة كاشفة لحقائق قانونية وليست منشئة لها، وتُعد حجة على الكافة ولا تقتصر على أطراف الدعوى الدستورية وحدهم، بل تسري في مواجهة الجميع، بمن فيهم الدولة بمؤسساتها وأجهزتها، ويجب تنفيذها والإخضاع لها دون تمييز، كما أنها تعدم النص من تاريخ صدوره بحسبانه ولد ميتا مخالفا لأحكام الدستور منذ صدوره.
سريان الحكم
بموجب نصوص المادة "49" من قانون المحكمة الدستورية العليا، ينتج عن الحكم الصادر بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيق النص اعتبارًا من اليوم التالي لنشر الحكم في الجريدة الرسمية، كما إذا كان الحكم يتعلق بنص جنائي "أو أداة لائحية مؤثرة في التشريع الجنائي"، فإن الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادًا إليه تُعتبر كأن لم تكن، ويجب على رئيس هيئة المفوضين تبليغ النائب العام فور النطق بالحكم لاتخاذ ما يلزم.
الأثر الرجعي الكامل
طبقا لقانون المحكمة الدستورية العليا، وفي ضوء ما جرى عليه قضاء المحكمة، فإنه لا يمكن تقسيم النص غير الدستوري إلى مرحلتين زمنيتين "صحيح وباطل بالتعاقب الزمني"، ذلك أن النص الباطل لا يمكن أن يكون صحيحًا في فترة زمنية معينة ثم يصبح باطلًا في أخرى، حيث إن زوال أثر النص الباطل يقع منذ ميلاده، أي أنه لم يكن له وجود أصلاً من ناحية مشروعيته، ومن ثم يكون أثره الرجعي شاملاً لكل الأوضاع والعلائق التي لمسها، ما لم تكن الحقوق والمراكز قد استقرت بحكم قضائي بات قبل تاريخ الحكم. غير أن هذا الأثر لا يسري بشأن النصوص الجنائية والتي ينعدم النص المحكوم بعدم دستوريه وما ترتب عليه من علائق ولو صدرت بشأنها أحكام قضائية باتة صونا للشرعية والحريات الشخصية.
وفي بيان هذا الأثر وهذه التفرقة، فقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن:
وحيث إن قانون المحكمة الدستورية العليا - ضمانا لصون الحرية الشخصية التى كفلها الدستور واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى لايجوز الإخلال بها عدوانا - قد نص فى المادة 49 منه، على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائى، فإن أحكام الإدانة الصادرة استنادا إليه، تعتبر كأن لم تكن، وهو مايعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن فيها ممتنعا، لتفارقها قوة الأمر المقضى التى قارنتها، وتلك هى الرجعية الكاملة التى أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهى بعد رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفا لكل عائق على خلافها ولو كان حكما باتاً – طبقا للخبير القانونى.
فإذا كان قضاؤها مبطلا لنص غير جنائى، فإن أثره الرجعى يظل جاريا، ومنسحبا إلي الأوضاع والعلائق التى اتصل بها مؤثرا فيها، حتى ماكان منها سابقا على نشره فى الجريدة الرسمية، ما لم تكن الحقوق والمراكز التى ترتبط بها قد استقر أمرها بناء على حكم قضائى توافر فيه شرطان: أولهما: أن يكون باتاً وذلك باستنفاده لطرق الطعن جميعها: ثانيهما: أن يكون صادرا قبل قضاء المحكمة الدستورية العليا، ومحمولا على النصوص القانونية عينها التى قضى ببطلانها، طبقا للدعوى 22 لسنة 18 - دستورية - المحكمة الدستورية العليا - مرفوعة علنية رقم 22 لسنة 18 بتاريخ 30/11/1996.
آثار إلغائية على الأحكام الجنائية
بمقتضى أحكام المحكمة الدستورية العليا وقانونها، إذا كانت الإدانة قد قامت استنادًا إلى قرار باطل من الهيئة، فإن هذه الأحكام تُعد ساقطة، ويجب على النيابة العامة والطعن في تلك الأحكام لإلغاء أو تعديل ما تقتضيه قواعد القانون.
هل يعني ذلك براءة المتهمين؟
الجواب، قطعا لا، لأن المواد التي تضمنها الجداول الملحقة بقرار هيئة الدواء سبق وأن تضمنتها الحداول الصادرة بقرار وزير الصحة، غاية ما هنالك نقلها من جدول إلى جدول، وبسقوط قرار هيئة الدواء في حمئة عدم الدستورية يبقى أثر قرارات وزير الصحة منتجا لكافة آثاره في التجريم والعقاب، اللهم إلا بعض المواد المجرمة بموجب قرارات صادرة من هيئة الدواء ولم تكن مجرمة بالقرارات السابقة فهذه -فقط- هي التي لم تعد مجرمة، وبالتالي تعود لأصل الإباحة، ولا يؤثر على ذلك صدور قرارات لاحقة عن السلطة المختصة قانونا "وزير الصحة".
غني عن البيان أن هذا أثر هذا الحكم يترتب تلقائيا بقوة القانون، وعليه، فإن القضايا المثارة بشأن المواد المجرمة بموجب قرارات هيئة الدواء والتي لم تكن مؤثمة بموجب قرارات صادرة من السلطة المختصة بذلك قانونا سيقضى فيها بالبراءة إذا كانت في مرحلة المحاكمة، وسيتم الإفراج عن المحكومين إءا ما صدرت فيها أحكام فعلية.
رابعًا: الدلالات العملية للمحامين
التثبت من سند الجدول المطبق
- في أي دعوى جنائية تتعلق بالمواد المخدرة، يجب على المحامي التأكد بدقة أن المادة موضوع الاتهام مدرجة في جدول أصدره الوزير المختص بسلطة قانونية سليمة.
- اتخاذ إجراءات تصحيحية في الدعوى الجنائية
- إذا كانت الدعوى قد بنيت على قرار صادر من رئيس هيئة الدواء المصرية:
- يجوز الدفع ببطلان الإجراء لانتفاء الركن الشرعي للتجريم.
- ضرورة الطعن في الأحكام الجنائية التي أقيمت على هذا الأساس. ولو كانت باتة، سلوكا للطريق الذي رسمه القانون لهذا الشأن.
الحجية المطلقة لحكم الدستورية العليا
1- الحكم يُعد مرجعًا نهائيًا في تحديد حدود السلطات بين الأجهزة الإدارية والتشريعية.
2- يُشكل سابقة دستورية ملزمة أمام الهيئات القضائية والتنفيذية والتشريعية كافة.
خاتمة:
وفى الأخير يؤكد "عمار": يُعد هذا الحكم من المحكمة الدستورية العليا نقطة فاصلة في ترسيخ مبادئ الشرعية، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحرية الشخصية في منظومة القانون الجنائي المصري، كما يضع حدًّا نهائيًا للجدل القانوني الذي أثارته مسألة اختصاصات هيئة الدواء المصرية في تعديل جداول مكافحة المخدرات، حيث إن القضاء بعدم دستورية القرار وأثره الرجعي الكامل يؤكد أن الأداة القانونية التي ينشأ عنها تجريم أو عقاب لا يجوز لغير الجهة المخولة تشريعيًا أن تمارسها، وإلا كانت باطلة منذ بدايتها. ونناشد بسرعة التدخل التشريعي الحاسم لمواجهة هذا الخلل.



















