توريث الوظائف - أرشيفية
"توريث الوظائف.. والأمان الاجتماعي".. من الأمور التي تشغل بال الكثيرين ليس فقط في المجتمع المصرى بل في المجتمعات العربية والإسلامية برمتها، فلم يعد خافياً على أحد خلال العقود الأخيرة، انتشار آفة توريث الوظائف للأبناء والأقارب، وحجزها لهم حتى يتخرجوا فى كلياتهم لتكون الوظيفة فى انتظارهم، فأصبحت في بلادنا وظائف مسجلة باسم عائلات بأعينها، فى كل المجالات، من القضاة والأطباء وحتى هيئة النظافة والتجميل، فى كل مصلحة تجد سلالة العائلات متغلغلة فى المكان ومسيطرة عليه سيطرة تامة، فالأمر جد خطير، وأصبحت ظاهرة تحتاج إلى دراسة للقضاء عليها أو على الأقل للحد منها.
والأمر في الحقيقة لا يتوقف عند الوظائف والمهن فقد دخل فيه أيضاً عالم الفن "فهل تورث الموهبة؟" - بالقطع لا – ولكن لو ألقيت نظرة على شاشات التليفزيون تجد أبناء الفنانين هم المسيطرين على المجال الفنى، ونظرة على لافتات الأطباء تجد أسماء الأطباء وأبنائهم فى العيادة الواحدة، وأبناء أساتذة الجامعات، وبنظرة على صفحات الوفيات تلمح ذلك بسهولة، حتى صار توريث الوظائف عرفا وقانونا فى المجتمع، وهو الأمر الذى سبق وأن تصدت له محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية في عام 2015، بمنع قيام المسئولين في الحكومة والدولة بتوريث الوظائف الحكومية أو العامة لأبنائهم وحرمان أبناء الفقراء والبسطاء منها.
توريث الأمان الاجتماعي
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية توريث الأمان الاجتماعي، تلك الظاهرة التى منحت الأمان للبعض بينما أدت لانتحار البعض الآخر، ولو لم يكن انتحاراً مادياً فهو إنتحاراً نفسياً ومعنوياً، كما نقرأها كثيرا فى الصحف من انتحار بعض المتفوقين بسبب رفض قبولهم فى الوظائف وتعيين أبناء العاملين فى المكان بدلا منهم، وأشهرهم عبد الحميد شتا الباحث المتفوق الذى انتحر غرقا في نهر النيل احتجاجا علي خلو كشف المقبولين بالسلك الدبلوماسي من اسمه في مسابقة الخارجية وأنه غير لائق اجتماعيا ليحل بدلا منه أحد أبناء الدبلوماسيين – بحسب أستاذ القانون الجنائى، والمحاضر المعتمد بدائرة القضاء بأبوظبي الدكتور أشرف نجيب الدريني .
في البداية – هناك حزمة من الأسئلة لابد أن نُجيب عليها ونتطرق إليها أبرزها لماذا تتجدد فكرة التوريث في بعض الوظائف العامة رغم ما استقر من مبادئ تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون؟ ولِم يبدو المجتمع في لحظات بعينها وكأنه يعيد إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة لا لأن النصوص تأمر بذلك، بل لأن الوعي الجمعي يستبطنه باعتباره المسار الأكثر أمانا؟ أهو قصور في القواعد؟ أم ضعف في التطبيق؟ أم أن الإشكال أعمق قائم في بنية التفكير نفسها وفي الطريقة التي تعاد بها صياغة القيمة والمكانة والمستقبل في المجتمع؟ - وفقا لـ"الدرينى".

التوريث ظاهرة تتطلب الوقوف على الحقائق الاجتماعية قبل الإجراءات القانونية
دراسة هذه الظاهرة تتطلب الوقوف على الحقائق الاجتماعية قبل الإجراءات القانونية، فالتوريث لا يبدأ عند لجان التعيين، ولا يصنع داخل القرارات الإدارية بل يتشكل في "الوعي الجمعي" قبل أن يتجسد في نص أو وظيفة، حيث تحمل بعض المواقع بمعانٍ تتجاوز طبيعتها القانونية فتتحول إلى رمز للأمان ووعاء للطمأنينة وملاذ اجتماعي، لا مجرد وظيفة عامة، ولا سيما حين يختل ميزان التقدير داخل المجتمع فينظر إلى العمل ليس من حيث قيمته الموضوعية، وإنما من حيث قربه من السلطة أو درجته في السلم الوظيفي، وفي هذه الحالة يصبح الاختيار ليس تعبيرا عن القدرة والكفاءة، وإنما عن الرغبة في الامتثال لأمان اجتماعي، ويغدو السؤال الفعلي: أين يكون الفرد في مأمن لا ماذا يستطيع أن ينجز؟ - الكلام لـ"الدرينى".
ويتحول التوريث حينئذ من فعل مستنكر إلى ممارسة مفهومة اجتماعيا، حتى وإن بقيت مرفوضة أخلاقيا، فالآباء لا يورثون المناصب بقدر ما يورثون شعور الأمان ولا ينقلون الوظيفة ذاتها بل ينقلون "الرمزية الاجتماعية" المرتبطة بها والحماية التي يعتقدون أنها ضرورة لحياة الأبناء، وأخطر ما يترتب على ذلك ليس فقط تقييد العدالة الفردية بل خلق حالة من "الانغلاق المؤسسي" حيث تعيد المؤسسة إنتاج نفسها من داخلها وتفضل الألفة على التنوع والاستمرار على المراجعة والمألوف على المختلف، وفي هذا الانغلاق تتآكل الحيوية وتضعف القدرة على النقد الذاتي وتتحول القواعد من أدوات تنظيمية إلى أعراف موروثة لا تسائل ولا تراجع – طبقا لـ"الدرينى".
القانون وحده لا يغير سلوكا
والمؤسسة المنغلقة، مهما بدت قوية على الورق، تفقد تدريجيا قدرتها على التجدد والتفاعل مع المجتمع، فهي لا تعود ترى فيه مصدرا للشرعية، ولا يعود المجتمع يراها أداة عامة بل كيانا خاصا، له لغته وأبناؤه وقواعده، وهنا يقع الانفصال الأشد خطورة: انفصال "معنوي صامت" يضعف الثقة ويعوق التجدد، وقد يظن أن الحل يكمن في تشديد القواعد أو إحكام الرقابة أو فرض ضوابط إدارية أكثر صرامة غير أن هذه الوسائل مهما بلغت تبقى سطحية ما لم تتزامن مع إعادة بناء الوعي الجمعي، فالقانون وحده لا يغير سلوكا يستمد مبرره من "ثقافة اجتماعية" ترى بعض الوظائف أعلى قيمة من غيرها وبعض الأدوار أقل تأثيراً ولو كانت جميعها حيوية لقيام الدولة – هكذا يقول الخبير القانونى.
ومن هنا فإن المعالجة الحقيقية "للتوريث" تبدأ بإعادة تعريف القيمة الاجتماعية "للعمل" ذاته، فالمجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها قدست المناصب، بل لأنها أرست قناعة متجذرة: الإنسان يستمد قوته واعتباره من إتقانه لعمله أيا كان هذا العمل لا من اسمه الوظيفي أو درجته الإدارية، وفي تلك المجتمعات ينظر إلى العامل كما ينظر إلى الوزير لا من حيث الرتبة بل من حيث القيمة الاجتماعية والإنسانية لما يؤديه، فكلاهما يؤدي دورا مكملا داخل منظومة واحدة وكلاهما يقاس بإتقانه وكلاهما يحترم بقدر ما ينجز، ولا ينظر إلى البقاء في وظيفة ما، مهما بدت بسيطة بوصفه دونية بل بوصفه اختيارا مشروعا داخل فريق عمل متكامل – كما يرى "الدرينى".
الفهم يولد ثقافة العمل الجماعي الحقيقية
ويؤكد "الدرينى": وهذا الفهم يولد ثقافة العمل الجماعي الحقيقية (teamwork) حيث يعمل الجميع من أجل هدف واحد: خدمة الوطن وحماية المجتمع وبناء الدولة، لا درجات في الكرامة ولا تراتبية في القيمة، وإنما اختلاف في الأدوار داخل منظومة واحدة يكمل فيها كل عنصر الآخر. ولا يعني ذلك إنكار التفاوت الطبيعي بين البشر، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس درجات والقدرات متباينة، غير أن التفاوت المشروع هو تفاوت في المسؤوليات والأدوار، لا في الكرامة والقيمة الإنسانية، أما حين يحمل الموقع ما لا يحتمل، وتفرغ بعض الأعمال من معناها ننتقل من التنوع المشروع إلى التمييز الاجتماعي ومن التنظيم إلى خلل مؤسسي.
وفى الأخير يقول: وحين يستقر في الوعي الجمعي أن كل مهنة شريفة ضرورة اجتماعية، وأن كل من يؤدي عمله بإتقان هو شريك أصيل في بناء الوطن، وحين يشعر المواطن أن مكانته محفوظة بعمله لا بموقعه تسقط فكرة التوريث تلقائيا، لأنها تفقد المبرر النفسي والاجتماعي قبل أن تفقد الشرعي، وتلك هي الحقيقة التي لا مراء فيها: المجتمعات لا تتقدم بتقديس المواقع، بل بإعلاء قيمة العمل ولا تحصن مؤسساتها بالتوريث بل بالثقة والانفتاح والكفاءة ولا تبنى الدول بتراتبية الكرامة، بل بوحدة الهدف. فحين نرى أنفسنا فريقًا واحدًا، يعمل كل فرد فيه من موقعه بإتقان وإخلاص تصبح الدولة حقيقية، والتوريث بلا وظيفة، والوطن هو الضمان الحقيقي للجميع.
حكم قضائى يتصدى للتوريث عام 2015
محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية سبق لها في عام 2015 وأن أصدرت حكماً قضائياً بمنع قيام المسئولين في الحكومة والدولة بتوريث الوظائف الحكومية أو العامة لأبنائهم وحرمان أبناء الفقراء والبسطاء منها إلا بعد استشراء هذه الآفة، وقالت في حيثيات حكمها، إن المشرع المصري ألزم الحكومة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز، وأن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.
وأشارت المحكمة إلى أن المشرع ألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كل أشكال التمييز، ونص الدستور الحالي على ضرورة إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز والوساطة والمحسوبية غلقا لمنع أي فساد أو استبداد، ورفعا للظلم عن الشعب الذي عانى طويلا، مطالبة بسرعة إنشاء هذه المفوضية للقضاء على كل أشكال الوساطة والمحسوبية ومعاقبة مرتكبيها.
