محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها – بمحكمة النقض – حكماً قضائياً فريداً من نوعه، يحسم النزاع حول "دوائر فحص الطعون" في قضايا العمال، ويضع حداً للتضارب في التفسير القانوني حول تطبيق المادة "186" من قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، ويعدل عن مبدأ ويُقر أخر بأن القواعد الإجرائية في قانون العمل الجديد "المادة 186" تُطبق فوراً على جميع الطعون القائمة التي لم يتم الفصل فيها بعد، ويجب أن تُعرض الطعون العمالية على دوائر فحص الطعون المشكلة من ثلاثة قضاة برئاسة نائب رئيس محكمة، لتقرر مدى جدية الطعن قبل إحالته للدائرة الموضوعية.
الخلاصة:
كان هناك اتجاهان داخل محكمة النقض حول الطعون العمالية المقامة قبل صدور القانون الجديد:
الاتجاه الأول: يرى استمرار نظر الطعون أمام "غرفة المشورة" بتشكيلها المعتاد (5 قضاة) لحين صدور أحكام في الدعاوى الجديدة.
الاتجاه الثاني: يرى التطبيق الفوري والمباشر للقانون الجديد، بحيث تُعرض الطعون فور ورودها من النيابة على "دوائر فحص طعون" متخصصة (مُشكلة من 3 قضاة).

قرار الهيئة العامة (المبدأ القضائي المستقر):
انتصرت الهيئة العامة للاتجاه الثاني، وقررت بالأغلبية الآتي:
التطبيق المباشر وبأثر فوري: القواعد الإجرائية في قانون العمل الجديد (المادة 186) تُطبق فوراً على جميع الطعون القائمة التي لم يتم الفصل فيها بعد.
دوائر فحص الطعون: يجب أن تُعرض الطعون العمالية على دوائر فحص الطعون المشكلة من ثلاثة قضاة برئاسة نائب رئيس محكمة، لتقرر مدى جدية الطعن قبل إحالته للدائرة الموضوعية.

لماذا هذا الحكم مهم؟
سرعة الفصل: يهدف المشرع من هذا الإجراء إلى سرعة تصفية الطعون العمالية وتحقيق العدالة الناجزة.
طبيعة القوانين الإجرائية: أكد الحكم أن القوانين المنظمة لطرق الطعن وتشكيل المحاكم هي قوانين "إجرائية" تسري بأثر فوري، ولا تُنشئ "حقاً مكتسباً" للخصوم في شكل إجراءات قديمة.
توحيد المبادئ: هذا الحكم يمنع التضارب بين الدوائر العمالية المختلفة ويضمن وحدة التطبيق القانوني في مصر.
صدر الحكم في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 19466 لسنة 88 القضائية، عاصم عبد اللطيف الغايش، وعضوية المستشارين فراج عباس عبد الغفار، وعطاء محمود سليم، وممدوح محمد القزازـ وأحمد علي عبد الرحمن داود، وحسام قرني غريب، وعلي عبد المنعم حامد، ومحمود أحمد عطا، وسمير عبد المنعم علي، ومحمد سمير عبد الظاهر، ومحمد فاروق عبد الحميد، وبحضور كل من المحامي العام لدى محكمة النقض محمد مصطفى كامل، وأمانة سر محمد نصر كامل.
الوقائع.. نزاع قضائى عمالى بسبب تضارب مبدأين حول القضايا العمالية
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن - تتحصل في أن المطعون ضدهم أولاً أقاموا على الشركة الطاعنة والمطعون ضدهما الثاني والثالث بصفتيهما وآخر غير مختصم في الدعوى رقم 1182 لسنة 2016 عمال محكمة الإسماعيلية الابتدائية بطلب الحكم بالزام الطاعنة والمطعون ضده ثانياً بصفته بالتضامن أن يؤدي لهم مبلغ ثلاثمائة ألف جنيه تعويضاً مادياً وأدبياً وموروثاً عن وفاة مورثهم، على سند من أن الأخير كان من العاملين التابعين لشركة مجدي غنيم لتوريد العمالة وكان يعمل بمقر الشركة الطاعنة وأثناء عمله حدثت إصابته التي أودت بحياته فأقاموا الدعوى حكمت المحكمة:
أولاً: بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للطاعنة وآخر غير مختصم.
ثانياً: بإلزام المطعون ضده ثانياً بصفته أن يؤدي لهم مبلغ مائة ألف جنيه تعويضاً مادياً وأدبياً وموروثاً.
وفى تلك الأثناء - استأنف المطعون ضدهم أولاً ذلك القضاء بالاستئناف رقم 291 لسنة 43 ق الإسماعيلية، كما استأنفه المطعون ضده ثانياً برقم 816 لسنة 43 ق الإسماعيلية، وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين قضت بتاريخ 19 أغسطس 2018 في الأول برفضه، وفي الثاني بإلغاء الحكم المستأنف في شقه الأول، وفي شقه الثاني بتعديله بالقضاء بإلزام المطعون ضده ثانياً بصفته والطاعنة والخصم الذي لم يتم اختصامه في الطعن على سبيل التضامم بأن يؤدوا للمطعون ضدهم أولاً مبلغ مائة ألف جنيه تعويضاً مادياً وأدبياً وموروثاً.
القضية تصل لمحطة محكمة النقض
ثم طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن عرض الطعن على دائرة فحص الطعون الأربعاء ( ج ) العمالية وبجلستها المنعقدة بتاريخ 22 أكتوبر 2025 قررت إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها عملاً بالمادة الرابعة من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون 46 لسنة 1972 المعدل لتباين القرارات الصادرة من الدوائر العمالية بالمحكمة حول مسألة تطبيق القاعدة الإجرائية الجديدة الواردة بالمادة 186 من قانون العمل الجديد الصادر بالقانون رقم 14 لسنة 2025 الخاصة بتشكيل دائرة أو أكثر لفحص الطعون الواردة من النيابة.
اتجاهين لمحكمة النقض
إذ ذهب الاتجاه الأول إلى المضي في نظر الطعون في غرفة مشورة بتشكيلها العادي - خمسة قضاة -وفقاً لنص المادة 263 من قانون المرافعات وأرجأ تطبيق المادة 186 سالفة البيان لحين صدور أحكام جديدة في الدعاوى المقامة بعد سريان القانون، ومن هذه القرارات على سبيل المثال الطعون أرقام 2232 لسنة 86 قضائية، جلسة 5 أكتوبر 2025، 6999 لسنة 86 قضائية، جلسة 7 أكتوبر 2025، 6037 لسنة 87 قضائية، الصادر بجلسة 8 أكتوبر 2025
بينما ذهب الاتجاه الثاني إلى تطبيق نص المادة 186 سالفة البيان بأثر فوري من تاريخ سريان القانون وذلك من خلال نظر الطعون الواردة من النيابة أمام دائرة فحص الطعون - المشكلة من ثلاثة قضاة بدرجة نائب رئيس، ثم إحالة ما ترى أنه جدير بالنظر لنظره أمام الدائرة بتشكيلها العادي للفصل فيها، ومن هذه القرارات على سبيل المثال الطعنان رقما 252 لسنة 86 ق جلسة 24 سبتمبر 2025، 2979 لسنة 88 قضائية، الصادر بجلسة 24 سبتمبر 2025.

المادة الأولى من قانون المرافعات
وحيث إن اختصاص الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها وفقاً لنص المادة الرابعة من القانون 46 لسنة 1972 بإصدار قانون السلطة القضائية ينحصر على ما يبين من إرادة المشرع والعلة من النص القانوني والمصلحة التي يرمي إليها إما في ترجيح أحد الاتجاهات التي اعتنقتها دوائر المحكمة عند اختلاف بعضها بعضا حسماً لهذا الخلاف أو العدول عن مبدأ أو مبادئ قانونية قررتها أحكام سابقة أو إقرار أخرى.
وحيث إن النص في المادة الأولى من قانون المرافعات على أن: "تسري قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها ....، وكانت هذه المادة تقرر القاعدة العامة في سريان القواعد القانونية الإجرائية من حيث الزمان وهي أنها شأنها في ذلك شأن سائر القوانين لها أثر فوري فهي تنطبق على الدعاوى المستقبلية التي ترفع بعد صدوره كما تنطبق على الدعاوى التي رفعت قبل صدوره ولم يتم الفصل فيها وما لم يكن قد تم من إجراءات قبل العمل به ما لم ينص على خلافها، وذلك سواء وردت تلك القواعد في قانون المرافعات أو في أي قانون إجرائي آخر أو في قانون موضوعي، وسواء كانت الإجراءات تتصل بخصومة أمام القضاء أو لا تتصل بذلك.
والمقصود بالقواعد الإجرائية هي تلك التي تتصل بالتنظيم القضائي فتبين أنواع المحاكم وكيفية ترتيبها وتشكيلها واختصاصها أو تتصل ببيان كيفية اللجوء إلى السلطة العامة لاقتضاء الحق فتبين المنازعات التي تعرض على القضاء والإجراءات التي يلزم اتباعها لطرح هذه المنازعات على القضاء والتي يجب على المحاكم مراعاتها عند نظرها والفصل فيها سواء من حيث الشكل الذي تقدم به الدعوى وطريقة الدفاع فيها وما يعترض سيرها من عراقيل وكيفية تذليلها وكيفية إصدار الحكم وإعداده وتسبيبه والنطق به وحفظه والطعن فيه وتنفيذه.
المادة 186 من القانون رقم 14 لسنة 2025 بإصدار قانون العمل
ولما كان ذلك - وكان النص في المادة 186 من القانون رقم 14 لسنة 2025 بإصدار قانون العمل على: "أن تشكل بمحكمة النقض دائرة أو أكثر تختص دون غيرها بالفصل في الطعون بالنقض في الأحكام الصادرة عن المحاكم العمالية. كما تنشأ بمحكمة النقض دائرة أو أكثر لفحص تلك الطعون، فإذا رأت أن الطعن غير جائز أو غير مقبول للأسباب الواردة في المادة (263) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968، أمرت بعدم قبوله بقرار مسبب، وإذا رأت أن الطعن جدير بالنظر أحالته إلى الدائرة المختصة.
وتشكل الدوائر الواردة في الفقرة الثانية من هذه المادة من ثلاثة من قضاة المحكمة بدرجة نائب رئيس على الأقل، ويعرض الطعن على تلك الدوائر فور إيداع نيابة النقض مذكرة برأيها. وفي جميع الأحوال لا يجوز الطعن في القرار الصادر عن دائرة فحص الطعون بأي طريق. واستثناء من أحكام الفقرة الثانية من المادة (269) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المشار إليه، وإذا قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه حكمت في موضوع الدعوى ولو كان الطعن لأول مرة .. وكانت القاعدة في سريان قوانين المرافعات بأثر فوري على الدعاوى القائمة هي من الأحوال المسلم بها، وأن القوانين المنظمة لأصول التداعي والترافع والحكم وطرق الطعن والتنفيذ والتحفظ هي في عمومها قوانين منظمة لمراكز قانونية خاضعة بطبيعتها للتعديل والتغيير من جانب المشرع فغاية قانون المرافعات تحقيق العدالة بتطوير مرفق القضاء وتنظيمه وحسن أدائه لوظيفته وأن تطبيقه لتلك القواعد الجديدة هو الواقع العملي لذلك دون أن يرمى عمله برجعية الأثر.
ومن ثم فإن القاعدة القانونية الإجرائية الجديدة والواردة في المادة 186 من القانون 14 لسنة 2025 بإصدار قانون العمل بإنشاء دوائر لفحص الطعون تكون هي الواجبة التطبيق بأثر فورى في هذا الخصوص لتعلقها بإجراءات نظر الطعن أمام المحكمة والتي لم يبدأ أو يكتمل أي منها كما أنه لا شأن للخصوم بها ولا تتعلق بحق مكتسب لهم، ومن ثم فلا محل للتحدي بأن الطعن قد رفع في ظل أحكام قانون المرافعات الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 المعدل الذي كانت تشكل فيه دوائر غرفة المشورة بالمحكمة من خمسة قضاة لما سبق بيانه، ولذلك فإن الهيئة تنتهي إلى إقرار الاتجاه الثاني وإعادة الطعن للدائرة التي أحالته للفصل فيه.
لذلك:
حكمت الهيئة بالأغلبية المنصوص عليها قانوناً: -
أولاً: إقرار الاتجاه الذي يقضي بتطبيق المادة 186 من القانون رقم 14 لسنة 2025 بإصدار قانون العمل بأثر فوري على الطعون العمالية الواردة من النيابة بعد تاريخ سريان القانون ونظرها أمام دوائر فحص الطعون المشكلة من ثلاثة قضاة بدرجة نائب رئيس ثم إحالة ما ترى أنه جدير بالنظر لنظره أمام الدوائر بتشكيلها العادي للفصل في موضوعها.
ثانياً: إعادة الطعن للدائرة التي أحالته للفصل فيه.





