مع اقتراب هلال شهر رمضان المبارك، تفيض مشاعر الشوق في صدور الملايين من المصريين، وتتجه القلوب قبل الأبصار نحو بيت الله الحرام، رغبةً في نيل ثواب العمرة في أقدس شهور العام. ولكن، في ظلال هذا الشوق الإيماني، ينصب "شياطين الإنس" شباكهم المسمومة عبر الفضاء الأزرق، مستغلين "لهفة البسطاء" وحلم "زيارة المصطفى" ليحولوه إلى مادة خام للنصب والاحتيال.
إنها قصة شركات السياحة الوهمية، التي لا تملك من السياحة سوى "صفحة ممولة" وصور مسروقة من محركات البحث، لتبدأ رحلة استنزاف المواطنين وسلب مدخراتهم بدم بارد، تحت ستار عروض "عمرة رمضان" التي لا وجود لها إلا في خيال المحتالين.
الإغراء المفرط أون لاين
تعتمد هذه العصابات المنظمة على تكنيك "الإغراء المفرط"، حيث تبدأ العملية بنشر إعلانات جذابة تخاطب العاطفة الدينية، وتعد ببرامج خيالية بأسعار تكسر منطق السوق، وبمجرد أن يضغط الضحية على زر "إرسال رسالة"، يجد نفسه في قبضة محترف إقناع، يزوده بصور مزيفة لفنادق في "الصف الأول" وتأشيرات سفر وهمية، مطالباً إياه بسرعة تحويل المبالغ عبر "المحافظ الإلكترونية" أو حسابات بنكية لأفراد مجهولين، بدعوى ضيق الوقت ونفاد المقاعد.
وما إن تكتمل التحويلات، حتى يكتشف الضحية أنه أمام سراب، حيث تختفي الصفحة ويُغلق الهاتف، وتتبخر أحلام الصلاة في الروضة الشريفة، لتترك خلفها جرحاً نفسياً ومالياً لا يندمل بسهولة.
الداخلية تلاحق شركات السياحة الوهمية
في قلب هذه المواجهة، تقف وزارة الداخلية كحائط صد منيع أمام هذه التشكيلات العصابية، ولم تكن الضربات الأمنية الأخيرة مجرد إجراءات روتينية، بل كانت "عمليات جراحية" دقيقة استهدفت استئصال شأفة هؤلاء النصابين.
من خلال منظومة الرصد التكنولوجي المتطورة، تتبعت أجهزة الأمن "البصمة الرقمية" لهذه الصفحات الوهمية، ونجحت في تحديد مواقع القائمين عليها ومداهمة أوكارهم التي يتخذونها ستاراً لإدارة نشاطهم الإجرامي.
وأكدت الوزارة في بياناتها المتلاحقة أنها لن تسمح بتجارة "الأماني الدينية"، مهيبةً بالمواطنين ضرورة الحذر التام وعدم الانسياق وراء "فخاخ السوشيال ميديا"، والالتزام التام بالتعامل مع الشركات المرخصة المدرجة رسمياً على بوابة العمرة المصرية، لضمان حقوقهم وحمايتهم من الضياع.
إشادة بجهود الداخلية
وفي هذا السياق، أشاد الخبراء الأمنيون بالقفزة النوعية التي حققتها وزارة الداخلية في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية.
اللواء عمرو الشرقاوي، الخبير الأمني، أكد أن الدولة باتت تمتلك "أذرعاً تكنولوجية" قوية قادرة على فك شفرات أعقد العمليات التي تتم عبر الإنترنت.
وأوضح الشرقاوي في تصريحات خاصة، أن أجهزة الوزارة تستخدم حالياً "برمجيات تتبع" فائقة الدقة، تمكنها من ضبط الجناة حتى في حال استخدامهم لتقنيات إخفاء الهوية.
وأضاف أن التطور الكبير في ملاحقة الجرائم المنظمة عبر الفضاء الافتراضي جعل من الصعب على هؤلاء النصابين الإفلات من قبضة القانون، مشدداً على أن "الوعي الأمني" للمواطن هو الشريك الأول والأساسي في نجاح هذه الضربات الأمنية.
روشتة لتفادي النصب
وعلى الجانب الفني، قدم الخبير السياحي محمد الطارق "روشتة نجاة" حقيقية للمواطنين، محذراً من "عمى الأسعار" الذي قد يصيب البعض أمام العروض الوهمية، وشدد الطارق على أن المواطن هو خط الدفاع الأول عن نفسه؛ فقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو تحويل أي مبالغ، عليه أن يتأكد من كون الشركة تحمل ترخيصاً رسمياً من وزارة السياحة، وأن يكون لها مقر ملموس على أرض الواقع لا مجرد "رابط إلكتروني".
وأكد الطارق، أهمية "بوابة العمرة المصرية" كمرجعية وحيدة وقانونية، مشيراً إلى أن أي تعامل خارج هذا الإطار هو مغامرة غير محسوبة العواقب.
كما دعا المواطنين إلى عدم الوثوق في التحويلات المالية للأفراد، والحرص على الحصول على عقود موثقة تضمن برنامج الرحلة وتفاصيل السكن والانتقالات، تفادياً للوقوع في مخالب "سماسرة رمضان".
عقوبات رادعة
أما عن الجانب القانوني، فإن يد العدالة لا ترحم العابثين بمقدرات الناس؛ فالقانون وضع ترسانة من العقوبات الرادعة لمواجهة جرائم النصب الإلكتروني، فوفقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون العقوبات، يواجه هؤلاء المتهمون عقوبات تصل إلى السجن المشدد، خاصة في حالات النصب المنظم الذي يستهدف قطاعاً عريضاً من الجمهور.
وتتضاعف العقوبة إذا ما اقترنت بتزوير أوراق رسمية أو استخدام علامات تجارية لشركات كبرى، بالإضافة إلى غرامات مالية باهظة تُفرض على الكيانات غير المرخصة التي تمارس النشاط السياحي دون غطاء قانوني.
إن هذه العقوبات ليست مجرد نصوص، بل هي سيف مسلط على رقاب كل من تسول له نفسه استغلال الشهر الفضيل لتحويل عبادات الناس إلى تجارة محرمة قائمة على الغدر والبهتان.