لم تكن ليلة عادية تلك التي عاشها سكان منطقة "الزرايب" بحي منشأة ناصر، ففي اللحظة التي كانت فيها الحياة تمضي بإيقاعها المعتاد، انبعثت شرارة غادرة من قلب أحد العقارات، لتعلن عن اندلاع حريق هائل سرعان ما تحول إلى وحش كاسر يلتهم كل ما يقابله في طريقه.
في تلك المنطقة ذات الجغرافيا المعقدة والشوارع الضيقة، كان الوقت هو العدو الأول، والرهان كله انصب على سرعة الاستجابة وكفاءة المواجهة، لكن ما حدث في هذه الملحمة لم يكن مجرد استجابة تقليدية، بل كان إعلاناً رسمياً عن دخول "التكنولوجيا " إلى قلب المعركة الميدانية، حيث ظهرت طائرات "الدرون" لأول مرة كبطل قومي يراقب المشهد من علياء السماء، ويقود دفة الإنقاذ بدقة لم تعرفها المنطقة من قبل.
ظهور الطائرات الدرون في حريق الزرايب
بدأ المشهد بتصاعد أعمدة الدخان الكثيفة التي غطت سماء الحي، وسرعان ما امتدت النيران بفعل الرياح وتلاصق المباني لتطال ثلاثة عقارات مجاورة، مما أوجد حالة من الهلع بين المواطنين، وبدت الصورة للوهلة الأولى وكأنها تمهد لكارثة محققة، إلا أن وصول وحدات الحماية المدنية التابعة لوزارة الداخلية كان يحمل معه هذه المرة "سلاحاً سرياً" غير موازين القوى؛ فقد انطلقت طائرات "الدرون" المسيرة، تخترق كتل الدخان السوداء، لتعمل كـ "عين صقر" رقمية تنقل بثاً حياً ومباشراً لغرفة العمليات الميدانية.
هذه الطائرات، المزودة بكاميرات حرارية فائقة الحساسية، استطاعت تحديد بؤر الاشتعال الرئيسية الكامنة خلف الجدران، وهو ما منح رجال الإطفاء ميزة استراتيجية هائلة، حيث توقفت عمليات ضخ المياه العشوائية، وحل محلها توجيه دقيق لسيارات الإطفاء والسلالم الهيدروليكية نحو "قلب الجحيم" مباشرة، مما ساهم في تقليص زمن السيطرة على الحريق بشكل أذهل الجميع.
الداخلية تستخدم فلسفة أمنية جديدة في إطفاء الحرائق
إن المتأمل في تفاصيل هذه الواقعة يدرك أننا لسنا أمام مجرد "تطوير معدات"، بل نحن أمام فلسفة أمنية جديدة تتبناها وزارة الداخلية بتوجيهات مباشرة لتحديث قطاع الحماية المدنية، فمنطقة "الزرايب" بطبيعتها العمرانية تمثل تحدياً كبيراً لأي جهاز إطفاء في العالم، لكن "الدرون" استطاع أن يحل معضلة الرؤية والمناورة، حيث قام بمسح شامل لأسطح العقارات المحترقة للتأكد من خلوها من السكان، ورصد أي احتمالات لامتداد النيران عبر التوصيلات الكهربائية أو المواد القابلة للاشتعال، وهو ما سمح للقوات على الأرض بالتحرك بثقة ويقين.
هذا التناغم الفريد بين الإنسان والآلة أدى إلى نتيجة كانت تبدو مستحيلة في بداية الحادث، وهي إخماد النيران بالكامل في وقت قياسي، والبدء الفوري في عمليات التبريد، والأهم من ذلك كله هو خروج الجميع بسلام، دون تسجيل إصابة واحدة بين صفوف المواطنين أو رجال الإطفاء البواسل، ودون وقوع أي وفيات، لتظل الأرواح هي الرأسمال الأغلى الذي نجحت الدولة في الحفاظ عليه.
طفرة تكنولوجية في قوات الإطفاء بالداخلية
وعندما نتحدث عن خلفية هذا الإنجاز، فلا بد من الإشارة إلى الطفرة التكنولوجية التي يشهدها جهاز الشرطة في السنوات الأخيرة، حيث تحولت الحماية المدنية من مجرد "فرقة إطفاء" إلى "منظومة إنقاذ ذكية" تعتمد على البحث العلمي والتقنيات المتطورة.
إن تزويد القطاع بطائرات الدرون، والربط الإلكتروني بين مسرح الحادث وغرف العمليات، وتدريب الكوادر على التعامل مع برمجيات الذكاء الاصطناعي، كلها خطوات جعلت من الحماية المدنية نموذجاً يحتذى به إقليمياً ودولياً.
إن ما حدث في منشأة ناصر هو رسالة طمأنة لكل مواطن ، بأن هناك عيناً لا تنام، وعقلاً يخطط، ويداً قوية تضرب النيران قبل أن تلتهم الأحلام، لقد انتهت المعركة بانتصار الإرادة والتكنولوجيا، وبقيت جدران العقارات شاهدة على أن مصر دخلت عصر "الرقمنة الأمنية" من أوسع أبوابه، حيث يتم ترويض المخاطر بأحدث ما توصل إليه العقل البشري، لتبقى البيوت آمنة، والقلوب مطمئنة تحت حماية رجال نذروا أنفسهم لخدمة الوطن، متسلحين بالعلم والإيمان واليقظة الدائمة التي لا تعرف الغفلة.
ومع خمود آخر شرارة في "الزرايب"، كانت طائرات الدرون لا تزال تحلق، ليس لمراقبة النيران هذه المرة، بل لتوثيق قصة نجاح مصرية خالصة، حيث أثبتت التجربة أن التحديث ليس مجرد رفاهية، بل هو صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من ويلات الكوارث.
إن هذه الواقعة ستظل محفورة في ذاكرة العمل الشرطي كأول اختبار حقيقي وناجح لدمج الطائرات المسيرة في عمليات الإنقاذ الحضري، وهي الخطوة التي تفتح الباب أمام توسع أكبر في استخدام التقنيات الحديثة لحماية المنشآت الحيوية والمناطق السكنية ذات الكثافة العالية.
لقد أثبت رجال الحماية المدنية أنهم على قدر المسؤولية، وأن التطوير الذي شمل المعدات والآليات لم يزد الزي العسكري إلا هيبة، ولم يزد القلوب إلا إصراراً على مواصلة المسير نحو غدٍ أكثر أماناً، حيث تصبح التكنولوجيا هي الحارس الأمين الذي يمنحنا القدرة على استباق الخطر وحصار الأزمات قبل أن تولد، لتظل مصر دائماً واحة للأمن والأمان بفضل سواعد أبنائها وعقولهم المستنيرة.