محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "و" – بمحكمة النقض – يضع ضوابط تفتيش المدنيين فى وجود أشخاص عسكريين، رسخت خلاله حماية الحرية الشخصية وضوابط القبض والتفتيش، ببراءة شخص من حيازة المخدرات، لبطلان إجراءات القبض والتفتيش لصدورها من ضابط عسكري في مكان مدني لا يخضع لإدارة القوات المسلحة، مما يجعل الضابط غير مختص قانوناً بمباشرة هذه الإجراءات تجاه المدنيين في ذلك المكان.
ملحوظة:
المستفاد قانوناً من الحكم أن القانون المصري يحمي حرمة الأشخاص، والقبض أو التفتيش لا يصح إلا من جهة مختصة قانوناً وفي النطاق المكاني المحدد لها، أي تجاوز لهذه الاختصاصات يجعل الإجراء باطلاً ويؤدي بالتبعية لبراءة المتهم مهما كانت المضبوطات.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 21507 لسنة 89 القضائية، برئاسة المستشار نبيه زهران، وعضوية المستشارين أحمد الخولي، ووائل أنـــور، ومحمد عبد السلام، وأسامة النجار، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض محمد هاني، وأمانة سر محمد مبروك.
الوقائع.. ضابط عسكرى يلقى القبض على شخص بحيازة المخدرات
تتحصل الوقائع في ضبط مواطن من قبل ضابط "رتبة مقدم أركان حرب" أثناء قيامه بمهام استطلاعية، حيث عثر معه على مواد مخدرة "أفيون"، وبناءً عليه، حكمت محكمة الجنايات أول درجة بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، وتغريمه مبلغ خمسين ألف جنية عما أسند إليه ومصادرة المخدر المضبوط، وذلك باعتبار أن أحراز المخدر بغير قصد من القصود المسماة قانوناً.
محور الطعن بالنقض:
فقرر المحكوم عليه الطعن في هذا الحكم بطريق النقض، دفع المحامي ببطلان إجراءات القبض والتفتيش لصدورها من ضابط عسكري في مكان مدني لا يخضع لإدارة القوات المسلحة، مما يجعل الضابط غير مختص قانوناً بمباشرة هذه الإجراءات تجاه المدنيين في ذلك المكان، وقال نصاً في مذكرة طعنه: إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة إحراز جوهر الأفيون المخدر بغير قصد الإتجار أو التعاطى أو الاستعمال الشخصي وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً قد شابه القصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون، ذلك أنه أغفل الرد على دفعه ببطلان القبض والتفتيش لعدم اختصاص الضابط القائم به لكون مكان الضبط مدنى وليس عسكري، مما يعيبه ويستوجب نقضه.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما مفاده من أنه وحال مباشرة المقدم أركان حرب "ل. م" جنوب شرق مدينة قائد الكتيبة استطلاع لمهام عمله في منطقة أبصر المتهم مستقلاً دراجة بخارية بدون لوحات معدنية، فقام باستيقافه وبسؤاله عن التراخيص أفاد سلباً فقام بضبطه وبتفتيشه عثر بحوزته على عدد لفافتين بداخلها جوهر الأفيون المخدر ومبلغ نقدياً قدره 3635 جنيه وعدد اثنين هاتف محمول، وبمواجهته بما أسفر عنه الضبط والتفتيش أقر بملكيته للمضبوطات.
بطلان القبض والتفتيش
وبحسب "المحكمة": واستند الحكم في ثبوت الواقعة لديه على هذا النحو إلى أدلة استقاها مما شهد به المقدم سالف الذكر وما ثبت من تقرير المعمل الكيميائي وأورد مؤدى تلك الأدلة بما لا يخرج عما أورده في بيانه لواقعة الدعوى، ثم عرض الحكم لدفع الطاعن بانتفاء حالة التلبس واطرحه استناداً إلى توافرها، ولم يعرض لدفع الطاعن ببطلان القبض والتفتيش لعدم اختصاص القائم بالضبط طبقاً لقانون الحكام العسكرية.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: لما كان ذلك، وكانت المادة الخامسة من القانون رقم 25 لسنة 1966 بإصدار قانون الأحكام العسكرية قد جرى نصها على أنه تسرى أحكام هذا القانون على كل من يرتكب إحدى الجرائم الآتية:
(أ) الجرائم التي تقع في المعسكرات أو الثكنات أو المؤسسات أو المصانع أو السفن أو الطائرات أو المركبات أو الأماكن أو المحلات التي يشغلها العسكريون لصالح القوات المسلحة أينما وجدت.
(ب) الجرائم التي تقع على معدات أو مهمات وأسلحة وذخائر ووثائق وأسرار القوات المسلحة وكافة متعلقاتها.
.jpg)
وبحسب "المحكمة": وهو ما يبين منه أن نطاق إعمال أحكام هذا القانون بالنسبة للأماكن يقتصر على ما جرى النص عليه تحديداً من أماكن لها الطابع العسكرى أو يشغلها عسكريون وكذا المعدات أو المهمات والأسلحة والذخائر التابعة للقوات المسلحة نظراً لما لها من طابع عسكرى أناط بالمشرع أن يضع لها حماية خاصة.
الأماكن التي يجوز للعسكريين التفتيش والقبض فيها
وتضيف "المحكمة": لما كان ذلك، وكان الثابت لهذه المحكمة من المفردات المضمومة والتي حوت صورة من خطاب "........" تتضمن أن مكان الضبط يقع خارج أراضى القوات المسلحة المملوكة والموثقة لها وغير محظور تواجد المدنيين بها، وكان من المقرر أن الأماكن العسكرية فقط التي يسمح للقائمين على إدارتها من العسكريين حق إجراء تفتيش الداخلين إليها والخارجين منها سواء كانوا مدنيين أو عسكريين دون التقيد بضوابط القبض والتفتيش المنصوص عليها بقانون الإجراءات الجنائية.
وتؤكد "المحكمة": وكان الحكم المطعون قد انتهى إلى صحة ما قام به ضابط الواقعة دون الوقوف عما إذا كان ما قام به يقع داخل نطاق الأماكن العسكرية المسموح له فيها بإجراء القبض والتفتيش وهو أمر جوهرى يبنى عليه الفصل في مدى صحة ما اتخذ من إجراءات القبض والتفتيش بالنسبة للطاعن، ومتى كان الثابت أن مكان ضبط الطاعن غير خاضع للأماكن العسكرية وفقاً للخطاب المار ذكره فإن الحكم المطعون فيه ينطوى على خطأ في تطبيق القانون؛ لأن هذا التفتيش باطل ولا يعتد به على السياق المتقدم.
لما كان ذلك، وكان لازم بطلان التفتيش عدم التعويل على أي دليل مستمد منه ومنها شهادة من قام بهذا الإجراء الباطل، وكانت الدعوى حسبما حصلها الحكم المطعون فيه، وعلى ما يبين من المفردات المضمومة - لا يوجد فيها دليل سوى هذا الضبط الباطل، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن مما نُسب إليه عملاً بالفقرة الأولى من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ومصادرة المخدر المضبوط عملاً بنص المادة 42 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989.
فلهذه الأسباب حكمت المحكمة:
بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن مما أسند إليه ومصادرة المخدر المضبوط.
حيثيات حكم النقض القاطع:
أوضحت المحكمة في حيثياتها نقاطاً في غاية الأهمية:
النطاق المكاني: أحكام قانون الأحكام العسكرية (المادة 5 من القانون 25 لسنة1966) تمنح الضباط العسكريين سلطة الضبط القضائي في أماكن محددة حصراً (المعسكرات، الثكنات، المؤسسات العسكرية، أو الأماكن التي يشغلها العسكريون لصالح القوات المسلحة).
عدم الاختصاص: ثبت للمحكمة (من خلال خطاب وزارة الدفاع) أن مكان الضبط يقع خارج أراضي القوات المسلحة، وبالتالي لا يجوز للضابط العسكري تفتيش المدنيين فيه.
بطلان الدليل: بما أن التفتيش وقع باطلاً، فإن كل دليل مستمد منه (شهادة الضابط أو المواد المخدرة المضبوطة) هو دليل باطل لا يعتد به.



