الضرب بالسيف - أرشيفية
محكمة النقض المصرية أرست، في الطعن رقم 737 لسنة 35 قضائية، الصادر بجلسة 4 أكتوبر 1965، قضاءً مستقراً، مؤداه أن السبق بالإصرار القائم على اتفاق الجناة على ضرب المجني عليه، كالسيف المشترك بين يدي الجناة، يحمل كل واحد منهم المسؤولية الجنائية الكاملة عن النتيجة التي آل إليها هذا الضرب، سواء أكان الفعل المباشر قد صدر عنه أم وقع من غيره من الشركاء في الاتفاق.
وقبل الخوض في تلك الإشكالية هناك عدد من المصطلحات والتعريفات يجب التطرق لها، أبرزها التوافق، والترصد، والمساهمة في الجريمة، فالأصل أن "التوافق" هو توارد خواطر الجناة على ارتكاب فعل معين واتجاه كل منهم بذاته إلى ما اتجهت إليه خواطر الباقين دون أن يكون هناك ثمت اتحاد بين إرادتهم، أما سبق الإصرار بين المساهمين في الجريمة يستلزم تقابلاً سابقاً بين إرادتهم يؤدي - بعد روية - إلى تفاهمهم على اقترافها، بينما الترصد هو تربص الجاني للمجني عليه فترة من الزمن طالت أو قصرت في مكان يتوقع قدومه إليه ليتوصل بذلك إلى مفاجأته بالاعتداء عليه دون أن يؤثر في ذلك أن يكون الترصد بغير استخفاء.
موقف القانون من ارتكاب جريمة القتل بـ"السيف المشترك بين يدي الجناة"؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على 6 مبادئ قضائية مستخلصة من حكم محكمة النقض سالف الذكر، وروح النص ومنطوق القضاء ومفهومه، جملة من المبادئ القانونية المتساندة، لا تنافر فيها ولا اضطراب، إذ الاتفاق هنا لا يكون فكرة عابرة، ولا تلاقياً عفوياً، بل رابطة إجرامية جامعة، تذيب الفعل الفردي في قصد جماعي، وتجعل النتيجة وليدة إرادة مشتركة لا تجزأ، كالنهر الواحد الذي يشق الصخور جميعًا، ولا يترك فرعًا منها إلا وقد مسّه تياره - بحسب الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي.
في البداية - لما كان الاتفاق السابق على الاعتداء، متى اقترن بسبق الإصرار والترصد، يخرج الفعل من دائرة التلقائية، ويدخله في نطاق التصميم الهادئ والتفكير المسبق، فإن يد كل متهم تعد ممتدة إلى كل ضربة، وعقله مشترك في كل أثر، فلا يسأل أحدهم عن فعله وحده، بل عن الفعل في مجموعه، والنتيجة في تمامها، أتراه يمكن فصل جزء من السهم عن القوس، أو جزء من النيران عن النا؟ كلا، فكل فعل مرتبط بالجماعة، وكل نتيجة معلقة بالإرادة الموحدة – وفقا لـ"الديب".
يحمل كل واحد منهم المسؤولية الجنائية الكاملة عن النتيجة التي آل إليها هذا الضرب
وقد وقفت المحكمة فلم تجزئ المسؤولية حيث استحال التجزئة، ولم تتش عن أثر ضربة بعينها، إذ استقر الاتفاق على إحداث الضرب أياً كانت وسيلته، وأياً كان فاعله، وأياً كانت يد التنفيذ؛ فالعبرة بالقصد، لا بتوزيع الأدوار، والمرء هنا مثل خيط العنكبوت، كل نابض فيه يرسخ الآخر، وكل خيط يحمل ثقل الشبكة بأجمعها، وقد استخلصت المحكمة من مدونات الحكم وروح النص ومنطوق القضاء ومفهومه، جملة من المبادئ القانونية المتساندة، لا تنافر فيها ولا اضطراب كالتالى: – الكلام لـ"الديب":
و6 مبادئ للنقض تتصدى للإشكالية
المبدأ الأول: لما كان سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني، قوامها التفكير الهادئ، والتصميم المسبق، وانتفاء ثورة الغضب، فإن ثبوته من خلال اتفاق الجناة على الضرب يكفي وحده لقيام المسؤولية الجماعية، دون توقف على تحديد نصيب كل متهم من الأفعال المادية، فكأن الإرادة هنا نار متقدة تتسرب في عروق الجماعة جميعها.
المبدأ الثاني: وحيث إن الاتفاق الجنائي يجعل الجناة وحدة واحدة في القصد، وشركاء في الإرادة، فإن كل فعل يقع تنفيذاً لهذا الاتفاق ينسب إليهم جميعاً، وتنعقد بهم المسؤولية عن الجريمة كاملة، ولو تجاوز التنفيذ ما كان يتصوره أحدهم على وجه الدقة، فكما لا يجزأ السيل المتدفق، لا يجزأ الإصرار الذي ران على القلوب – هكذا يقول "الديب".
المبدأ الثالث: ولما كانت جريمة الضرب المفضي إلى الموت تقوم على علاقة سببية بين الضرب والوفاة، فإن قيام الاتفاق وسبق الإصرار يغني عن بيان الصلة الفنية بين كل إصابة على حدة وبين الوفاة، متى ثبت أن مجموع الاعتداء هو الذي أفضى إليها، فالحادث كل لا جزء، والنتيجة كل لا ظل.
المبدأ الرابع: وحيث إن اشتراط تعيين الضربة القاتلة أو اليد التي أحدثت الإصابة المميتة يعد تحميلًا للقانون بما لا يحتمل، ومصادرة لمقصده، إذ تتحقق الجريمة هنا بالنتيجة التي أرادها الجناة وقبلوا المخاطرة بها، ولما كان القانون ميزانًا للعدل، وليس سببا للاجتهاد المفارق.

المبدأ الخامس: ولما كانت العدالة الجنائية لا تكافئ الجريمة المنظمة بتجزئة المسؤولية، ولا تفلت المتهم بدعوى غموض الدور، فإن مساءلة كل من اشترك في الاتفاق عن النتيجة النهائية تعد تطبيقًا صحيحًا للقانون، لا توسعًا في التجريم ولا افتراضًا للإدانة، فكما تتحد الشعلة في النار، تتحد الإرادات في الإثم، وتظل المحاسبة كاملة – طبقا للخبير القانونى.
المبدأ السادس: الاتفاق الجنائي هو إرادة مسبقة موحدة، تجمع بين أشخاص متعددين على ارتكاب فعل محظور، فتذوب الأفعال الفردية في قصد جماعي واحد، فيصبح كل طرف مسؤولًا عن النتيجة الكاملة، كالنهر الواحد يشق الصخور جميعها. أما التوافق، فهو تلاقي إرادات عرضي، محدود بالظرف، لا يذوب فيه الفعل الفردي، فتظل المسؤولية مقيدة بفعل كل طرف على حدة، كأمواج تلتقي على الشاطئ لكنها لا تشكل جسمًا صلبًا – كما يرى "الديب".
![hg]df hg]df](http://img.parlmany.com/ArticleImgs/2026/1/7/151129-hg]df.jpg)
خلاصة المبدأ:
وفى الأخير يؤكد: وحاصل الأمر، أن الاتفاق السابق على الضرب، المقترن بسبق الإصرار والترصد، ينشئ مسؤولية جنائية تضامنية عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، دون حاجة لتعيين الضربة القاتلة أو فاعلها، ويكون الحكم الذي دان المتهمين جميعاً على هذا الأساس قد أصاب صحيح القانون، واستقام على أصوله، إذ لا تجزأ الإرادة الإجرامية، ولا تفكك النتيجة التي ولدت من قصد واحد، وفعل مشترك، وعدوان متصل.