نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء سلسلة من الفيديوهات عبر منصاته الرقمية، تناولت التطورات العالمية نحو التحول الرقمي غير المسبوق، خاصة في ظل اعتماد الأنظمة المصرفية العالمية على التكنولوجيا الحديثة، لتمكن البنوك المركزية على مستوى العالم من لعب ادوارًا محورية في حماية النظام المصرفي العالمي، ليس فقط من خلال التدخل عند وقوع الأزمات، وإنما عبر تبني سياسات استباقية تقوم على التشريع والرقابة والتنسيق المحلي والدولي، إلى جانب توظيف أحدث التقنيات في مجال الأمن السيبراني.
ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في ظل التطور اللحظي للتكنولوجيا الرقمية وتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات وكذلك في تنفيذ اختراقات أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.
ومن خلال رؤية تحليلية تستند إلى الخبرات الدولية والتجارب السابقة، شملت الفيديوهات لقاء مع الدكتور أسامة مصطفى، خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، حيث سلط الضوء على آليات عمل البنوك المركزية في مواجهة التهديدات السيبرانية، وأهمية التنسيق المؤسسي وبناء منظومات حماية متكاملة لضمان استقرار القطاع المصرفي وحماية الاقتصاد الوطني.
أكد الدكتور أسامة مصطفى، خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، أن البنوك المركزية تلعب دورًا محوريًا في حماية استقرار النظام المصرفي العالمي، لا سيما في ظل تصاعد وتطور الهجمات السيبرانية التي باتت تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه القطاع المالي على مستوى العالم.
وأوضح أن أي اختراق مالي، حتى وإن وقع في دولة لا ترتبط بشكل مباشر بالنظام المصرفي المحلي، ينعكس سلبًا على سمعة القطاع المصرفي عالميًا ويؤثر على مستويات الثقة فيه، وهو ما دفع الدول إلى التحرك الاستباقي وعدم انتظار وقوع الأزمات. وأضاف أن هذا التوجه ترجمته الدول بإنشاء إدارات متخصصة للأمن السيبراني وتطوير منظومات حماية متقدمة، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي أنشأ وحدة متخصصة لتأمين البنوك على مستوى القارة والتنسيق بينها، كما أنشأت الولايات المتحدة وحدة وطنية مماثلة عقب أزمات سابقة لتأمين المعلومات وتعزيز التنسيق بين البنوك.
وأشار الدكتور أسامة مصطفى إلى أن الاستفادة من التجارب السابقة تمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير بيئة العمل المصرفي، مستشهدًا بحادثة اختراق وقعت في بنجلاديش عام 2016 وأسفرت عن سرقة بيانات وأموال تُقدر بنحو 81 مليون دولار، وهو ما دفع البنوك عالميًا إلى تعزيز أنظمة التأمين ومواكبة التطورات المتسارعة في مجال الهجمات السيبرانية.
وأوضح أن الهجمات السيبرانية تنقسم إلى عدة أنواع، من بينها هجمات تخريبية تستهدف إحداث انهيار اقتصادي لدولة ما، وهو ما يندرج ضمن الحروب الاقتصادية، فضلًا عن هجمات الاحتيال المالي التي تستهدف سرقة أموال المودعين، رغم أن نسبتها محدودة، إلا أن بعض الحالات سجلت خسائر ضخمة نتيجة سرقة أجزاء صغيرة من عدد كبير من الحسابات. كما تشمل هذه الهجمات طلب الفدية مقابل إعادة تشغيل الأنظمة المتضررة.
وأكد أن محاولات الاختراق لا تتوقف، حيث يسعى المخترقون أحيانًا لاختراق البنوك مباشرة، أو من خلال موظفيها، أو عبر مزودي الخدمات المتعاملين معها، إلا أن أسهل وأوسع طرق الاختراق حاليًا تتمثل في استهداف العملاء أنفسهم، وهو ما يفسر تزايد عمليات الاحتيال المرتبطة بالحسابات الشخصية.
وأشار إلى أن تطور الهجمات السيبرانية لم يعد تطورًا سنويًا، بل أصبح تطورًا يوميًا ولحظيًا، في ظل محاولات مستمرة لاختراق الأنظمة المصرفية والمالية حول العالم. وأضاف أن أخطر ما شهده هذا المجال خلال السنوات الأخيرة هو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت قادرة على محاكاة السلوك البشري وتنفيذ هجمات واسعة النطاق في وقت قصير، ما يجعلها التهديد الأبرز حاليًا.
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور أسامة مصطفى أن الدول لم تعد تكتفي برد الفعل، بل اتجهت إلى نهج استباقي يقوم على محاكاة الهجمات السيبرانية لاكتشاف الثغرات داخل الأنظمة قبل استغلالها فعليًا، وهو نهج مطبق حاليًا في العديد من الدول. كما شدد على أهمية التنسيق اللحظي بين البنوك من خلال وحدات وطنية وإقليمية، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، بما يضمن تبادل المعلومات فور وقوع أي هجوم وتحذير باقي البنوك لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
وأضاف أن هذه الوحدات تسهم أيضًا في مشاركة نتائج محاكاة الهجمات، والإبلاغ عن الثغرات، والتطوير المستمر لأدوات الكشف المبكر، فضلًا عن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في رصد الهجمات السيبرانية والتصدي لها.
وأكد خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات أن البنوك المركزية تضطلع بدور رئيسي في تنظيم الأسواق المصرفية داخل الدول، إلى جانب التنسيق مع البنوك المركزية على المستوى الدولي، من خلال سن التشريعات ووضع الإجراءات الوقائية التي تلتزم بها البنوك لمواجهة الهجمات السيبرانية. وأوضح أن هذا الدور يشمل وضع السياسات العامة والإشراف على تنفيذها، بما يتيح الاستفادة من الخبرات الدولية ونقل أحدث التطورات التكنولوجية إلى الداخل.
وأكد الدكتور أسامة مصطفى على أن قوة البنوك المركزية تكمن في قدرتها على متابعة التطورات التكنولوجية عالميًا وتطويعها لحماية الأنظمة المصرفية الوطنية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين البنوك المحلية والعالمية، بما يضمن استقرار القطاع المصرفي ورفع قدرته على مواجهة التهديدات السيبرانية المتزايدة.