الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 08:01 م

نرمين القماح تكتب: «نازا».. حين يصبح الموت رقمًا

نرمين القماح تكتب: «نازا».. حين يصبح الموت رقمًا
الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 05:49 م
منذ عنوانه، يضع الفيلم الإسرائيلي «نازا» (נז"א – NAZA) المشاهد أمام مفارقة صادمة؛ فـ«نازا» هو اختصار عسكري إسرائيلي يُستخدم لتقدير عدد الضحايا المدنيين المتوقع سقوطهم خلال عملية استهداف، أي أولئك الذين قد يُسجَّلون بوصفهم «أضرارًا جانبية». وهكذا لا يشير العنوان إلى الضحية نفسها، بل إلى الرقم الذي يسبق موتها؛ وهو ما يلخص، منذ البداية، السؤال الأخلاقي الذي يلاحق الفيلم: كيف يمكن أن تتحول حياة الإنسان إلى رقم محسوب داخل منظومة الحرب؟
 
الفيلم الوثائقي، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، تجاوز منذ عرضه في مهرجان البندقية السينمائي 2026 حدود العمل السينمائي ليصبح جزءًا من عاصفة سياسية داخل إسرائيل، خصوصًا بعد الهجوم على مخرجَيه واتهامهما بالخيانة على خلفية ما يكشفه من شهادات لعسكريين وعناصر سابقين في الجيش والاستخبارات حول الحرب في غزة.
لكن أهمية «نازا» لا تكمن في موضوعه السياسي وحده، وإنما في الطريقة التي يقترب بها من الحرب: من داخل المؤسسة لا من خارجها. فالشهادات التي يعتمد عليها صادرة عن أشخاص عرفوا المؤسسة العسكرية والاستخباراتية من الداخل، الأمر الذي ينقل الفيلم من مجرد تصوير نتائج الحرب إلى مساءلة الآليات التي تجعل العنف ممكنًا ومنظمًا وقابلًا للتكرار.
 
وهنا تكمن أقوى طبقات الفيلم النقدية. فالمشكلة، كما يصوغها «نازا»، ليست فقط في قرار القتل، وإنما في اللغة والمنظومة اللتين تسبقان القرار. حين يصبح المدني «رقمًا متوقعًا»، والموت «خسارة جانبية»، والهدف نتاجًا لعمليات بيانات وخوارزميات وتقديرات استخباراتية، فإن التكنولوجيا لا تلغي المسؤولية الأخلاقية، بل قد تجعلها أكثر غموضًا. تتوزع المسؤولية بين السياسي والعسكري والاستخبارات والتقنية والمنفذ، حتى يبدو أن الجميع مسؤول، وبالتالي لا أحد مسؤول بالكامل.
 
ومن هنا فإن العنوان ليس مجرد مصطلح عسكري، بل مفتاح لقراءة الفيلم كله: اللغة نفسها تصبح جزءًا من آلية العنف. فالتعبير التقني الذي يبدو محايدًا يخفي وراءه حياة بشرية كاملة؛ وحين يُختزل الإنسان إلى رقم، يصبح من الأسهل إدخاله في معادلة القبول والرفض والخسارة «المحتملة».
 
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول النقد الأخلاقي الذي يطرحه الفيلم إلى حصانة نقدية للفيلم نفسه. فاعتماده على شهادات مجهلة المصدر، وإن كان مفهومًا من الناحية الأمنية، يترك سؤالًا مشروعًا حول إمكانية التحقق منها، كما أن انتقائيته في بناء الرواية وضيق المساحة الممنوحة للرؤية الإسرائيلية المقابلة يجعلان منه أقرب إلى وثيقة اتهام سينمائية منه إلى تحقيق محايد. وهذه الملاحظة لا تُسقط الفيلم، لكنها تفرض على المتلقي أن يقرأه باعتباره خطابًا له زاوية نظر واضحة، لا باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.
 
وتزداد قوة هذه الزاوية حين يضع الفيلم الحياة اليومية في إسرائيل في مواجهة الدمار في غزة. فالمونتاج يحول التباين بين استمرار الحياة الطبيعية ومشهد الحرب إلى سؤال أخلاقي عن علاقة المجتمع بما يجري باسمه. غير أن هذا الخيار يظل قابلًا للمساءلة؛ إذ لا يمكن اختزال استمرار الحياة اليومية في التواطؤ، كما لا يمكن تحويل المجتمع بأكمله إلى طرف واحد في المسؤولية.
 
أما الضجة السياسية التي أحاطت بالفيلم، فقد منحته دلالة تتجاوز مضمونه المباشر. فعندما ينتقل النقاش من مساءلة ما يقوله الفيلم إلى التشكيك في ولاء مخرجيه، يصبح السؤال الأعمق متعلقًا بحدود الاختلاف داخل الدولة: متى يتحول نقد الدولة من ممارسة ديمقراطية إلى «خيانة»؟ ومن يملك حق تعريف الرواية الوطنية؟
 
لهذا لا يقدم «نازا» نفسه بوصفه حكمًا نهائيًا على حرب غزة، ولا ينبغي التعامل معه بوصفه وثيقة إثبات مكتملة. قيمته الأهم أنه يفتح ثغرة في الرواية الرسمية، وينقل الحرب من ساحة العمليات إلى ساحة اللغة والذاكرة والمسؤولية.
في النهاية، «نازا» ليس فيلمًا عن الضحايا فقط، بل عن الطريقة التي يصبح بها موتهم قابلًا للحساب قبل أن يصبح واقعًا. وهذه هي مفارقته الأكثر قسوة: أن المصطلح الذي يبدو تقنيًا ومحايدًا يخفي وراءه بشرًا، وأن الرقم الذي يظهر على شاشة القرار العسكري قد يكون، في العالم الحقيقي، حياة إنسان كاملة.
ومن هنا يمكن فهم المعركة التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل: فالمسألة لم تعد فقط ما إذا كانت الرواية التي يقدمها صحيحة أو ناقصة، وإنما من يملك حق رواية الحرب، ومن يملك حق مساءلة اللغة التي تجعل الموت قابلًا للإدارة؟

الأكثر قراءة



print