تجاوزت نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة مجرد توزيع المقاعد النيابية، لتعكس مأزقًا بنيويًا عميقًا يشهده النظام السياسي الإسرائيلي. لأول مرة منذ سنوات، أخفق معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تأمين الأغلبية وحصل على 53 مقعدًا، بينما يقف معسكر المعارضة بقيادة جادي آيزنكوت عند 48 مقعدًا، مع احتفاظ الأحزاب العربية بـ 19 مقعدًا تمثل الرقم الصعب في معادلة النصاب (61 مقعدًا).
أولاً: تصدع اليمين وانكشاف مشروع نتنياهو
يشير تراجع كتلة اليمين وحلفائها من أحزاب الحريديم والصهيونية الدينية إلى تآكل خطير في القاعدة الانتخابية التقليدية. ولا يقتصر هذا التراجع على الكاريزما الشخصية لنتنياهو، بل يرجع أساسًا إلى تداعيات الإخفاقات السياسية والأمنية المتراكمة، وانعكاسات الاستقطاب المجتمعي الحاد الذي خلفته ملفات الإصلاح القضائي وتعديلات قانون التجنيد.
ثانيًا: المعارضة وعقدة الائتلاف البديل
رغم الصعود التنافسي لحزب "يشار" بقيادة آيزنكوت كعنوان لرغبة قطاعات واسعة في استعادة الاستقرار المؤسساتي، إلا أن معسكر المعارضة يفتقر إلى الانسجام الأيديولوجي. إن التباين الشديد بين اليسار الصهيوني والأحزاب العسكرية والوسطية يجعل من استبدال نتنياهو عملية معقدة، حيث تبقى أي شبكة أمان ائتلافية معرضة للانهيار أمام أول اختبار استراتيجي.
ثالثاً: السيناريوهات المتاحة وشبح الانتخابات المبكرة
يضعنا هذا التأزم في المشهد الإسرائيلي أمام خيارات محدودة:
حكومة وحدة وطنية قسرية: تفرضها ضغوط خارجية وضوابط الأمن القومي، مع اشتراطات صارمة حول المداورة وتهميش التيارات المتطرفة.
حكومة ضيقة أو أقلية: تعتمد على مساومات مؤقتة وشبكات أمان خارجية، وتظل مهددة بالسقوط في أي لحظة.
الدوران في حلقة الفراغ: الذهاب إلى جولة انتخابية جديدة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال تمسك كل طرف بشروطه.
رابعاً: التداعيات الإقليمية وأزمة اتخاذ القرار
خارجيًا، تؤدي هذه النتائج إلى شللاً في عملية اتخاذ القرار السياسي والعسكري. فالمشكلات الداخلية وبقاء الائتلافات يتقدمان على أي استراتيجية طويلة الأمد في ملفات غزة ولبنان والإقليم. وسواء أفضت التطورات إلى حكومة هشّة أو انتخابات جديدة، ستظل السياسة الإسرائيلية محكومة بالنزعة الأمنية التحفظية والمناورات التكتيكية على حساب الرؤية الاستراتيجية الشاملة.
أما فلسطينيًا، فإن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة حدوث تحول إيجابي في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية. فالتباينات بين الأحزاب الإسرائيلية تتعلق في كثير من الأحيان بإدارة الصراع وتكلفته وأدواته أكثر مما تتعلق بقبول حقوق الفلسطينيين الوطنية. ولذلك تظل قضايا غزة والاستيطان والقدس والدولة الفلسطينية محكومة بموازين القوى الداخلية وبالضغوط الدولية والإقليمية.
وعربيًا، تفرض النتائج ضرورة إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، خصوصًا بالنسبة إلى مصر والأردن، ومسارات التطبيع، وأمن الحدود، ومستقبل الترتيبات الإقليمية. كما أن استمرار الجمود السياسي الإسرائيلي قد ينعكس على العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ولا سيما في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للحرب والسياسات الإسرائيلية.
الخلاصة الأساسية لهذه الانتخابات أن إسرائيل تقف أمام مفترق طرق يتجاوز مسألة تشكيل الحكومة. فهي تواجه تحديًا يتعلق بإعادة تعريف الأمن والهوية والقيادة وموقعها الإقليمي والدولي. وقد تنجح القوى السياسية في إنتاج ائتلاف حكومي جديد، لكنها لن تستطع بمجرد ذلك تجاوز التناقضات التي كشفتها الحرب والانتخابات معًا.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس من سيحكم إسرائيل في المرحلة المقبلة، بل أي إسرائيل ستخرج من هذه الأزمة: دولة أكثر تشددًا وانغلاقًا، أم دولة مضطرة إلى مراجعة خياراتها السياسية والأمنية، وإعادة النظر في علاقتها بالفلسطينيين ومحيطها العربي والعالم؟