شهد قطاع الصادرات الزراعية المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا، انتقل به من الاعتماد على تصدير الحاصلات التقليدية إلى بناء منظومة أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية، مدفوعة بالتوسع في الإنتاج، وتطوير منظومة الرقابة والجودة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
ولم تعد الزراعة المصرية تقتصر على توفير احتياجات السوق المحلية، بل أصبحت الصادرات الزراعية أحد روافد توفير النقد الأجنبي، مع تزايد الطلب على المنتجات المصرية في الأسواق العربية والأوروبية والآسيوية، وارتفاع حجم وكميات المنتجات التي تنجح في النفاذ إلى أسواق كانت تفرض اشتراطات صارمة على الواردات الزراعية.
من الإنتاج المحلي إلى حضور عالمي
وتعكس مؤشرات الصادرات الزراعية حجم التطور الذي شهده القطاع، إذ تجاوزت قيمة الصادرات الزراعية المصرية، الطازجة والمصنعة، 11.5 مليار دولار، بينما تخطى حجم الصادرات الزراعية الطازجة 9.2 مليون طن، مع وصول المنتجات المصرية إلى أكثر من 176 دولة حول العالم، وفق البيانات الواردة في المادة.
هذا التوسع لم يكن مجرد زيادة في الكميات المصدرة، وإنما ارتبط بتطور قدرة المنتج المصري على استيفاء المواصفات والاشتراطات التي تضعها الأسواق الخارجية، وهو ما جعل الجودة والرقابة والتتبع جزءًا أساسيًا من منظومة الإنتاج والتصدير.
البرتقال يتصدر.. والموالح في المقدمة
وتحتل الموالح موقعًا متقدمًا في قائمة الحاصلات التصديرية المصرية، وعلى رأسها البرتقال، الذي حافظت مصر على موقعها كأكبر مصدر عالمي له وفق البيانات الواردة، فيما تجاوزت صادرات الموالح 2 مليون طن.
ويمثل البرتقال نموذجًا واضحًا على التحول من الإنتاج إلى بناء ميزة تنافسية عالمية، بعدما أصبح المنتج المصري حاضرًا بقوة في عدد كبير من الأسواق، مستفيدًا من ملاءمة الظروف الزراعية المصرية للإنتاج، إلى جانب تطور عمليات الفرز والتعبئة والتداول والتصدير.
وتأتي البطاطس الطازجة في مقدمة الحاصلات التصديرية أيضًا، بصادرات تجاوزت 1.3 مليون طن، مع وجودها في أسواق الاتحاد الأوروبي وروسيا ودول الخليج.
ولم تتوقف قائمة الحاصلات ذات الحضور التصديري عند الموالح والبطاطس، إذ حققت محاصيل أخرى نموًا ملحوظًا، من بينها البطاطا الحلوة بنحو 328 ألف طن، والفاصوليا الطازجة والجافة بنحو 312 ألف طن، والبصل الطازج بنحو 282 ألف طن، إلى جانب العنب والرمان والمانجو والفراولة.
التكويد.. من المزرعة إلى الميناء
وراء هذه الأرقام منظومة متكاملة للرقابة على المنتج قبل وصوله إلى الأسواق الخارجية، يأتي في مقدمتها تكويد المزارع التصديرية، بما يسمح بتتبع المنتج ومعرفة مصدره ومراحل إنتاجه، إلى جانب متابعة استخدام المبيدات والمخصبات وفق الضوابط المعتمدة.
وأصبح التكويد أحد الأدوات الرئيسية لرفع جودة المنتجات المصرية وتعزيز ثقة الأسواق الخارجية، خاصة مع تزايد اشتراطات الدول المستوردة فيما يتعلق بسلامة الغذاء والحدود المسموح بها لمتبقيات المبيدات.
كما شهدت منظومة الفحص والتحليل تطورًا من خلال دعم المعامل المتخصصة في تحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة، بما يعزز قدرة المنتج المصري على الالتزام بالاشتراطات الفنية والصحية للأسواق المستوردة.
أسواق جديدة تفتح أبوابها أمام المنتج المصري
واستندت الطفرة التصديرية كذلك إلى جهود فتح أسواق جديدة أمام الحاصلات الزراعية المصرية، وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية.
وشملت الأسواق التي شهدت تحركات لفتحها أمام المنتجات المصرية دولًا ذات اشتراطات حجرية وفنية مشددة، من بينها اليابان والمكسيك وفنزويلا والفلبين والبرازيل، وهو ما يعكس اتساع نطاق المنافسة التي يخوضها المنتج المصري خارج الحدود.
ويمثل فتح الأسواق الجديدة عنصرًا مهمًا في تنويع الوجهات التصديرية وتقليل الاعتماد على سوق واحدة، بما يمنح المصدرين فرصًا أكبر للتعامل مع تغيرات الطلب والأسعار والاشتراطات في الأسواق الدولية.
مشروعات قومية تدعم القدرة التصديرية
وفي الداخل، ارتبط نمو الصادرات بالتوسع في مشروعات الاستصلاح الزراعي وزيادة الرقعة المزروعة، بما يتيح إنتاج كميات أكبر من المحاصيل ذات المواصفات المطلوبة للتصدير.
وتأتي مشروعات مثل الدلتا الجديدة وتوشكى الخير والتوسع في الصوب الزراعية ضمن منظومة تستهدف زيادة الإنتاجية واستغلال الموارد المتاحة، مع التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة ونظم الري والزراعة التي تساعد على رفع كفاءة استخدام الأرض والمياه.
وبذلك أصبح التوسع الزراعي لا يستهدف فقط زيادة المساحة والإنتاج، وإنما دعم القدرة على توفير منتجات ذات جودة ومواصفات تتناسب مع احتياجات الأسواق الخارجية.
من الحقل إلى الميناء.. اللوجستيات جزء من المنافسة
ولا تتوقف القدرة على التصدير عند جودة المحصول داخل المزرعة، إذ تمثل عمليات الفرز والتعبئة والتبريد والنقل عاملًا حاسمًا، خاصة بالنسبة للحاصلات سريعة التلف.