مؤسسة ملاذ لدعم المرأة تدعو إلى مراجعة الإطار التشريعي لمواجهة العنف ضد النساء وتعزيز الرقابة البرلمانية على تنفيذ سياسات الحماية
أطلقت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة تقريرها الحقوقي حول العنف ضد المرأة في مصر خلال الربع الثالث من عام 2026، متضمناً نتائج الرصد والتحليل الذي أجرته المؤسسة خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، في محاولة لقراءة أنماط العنف ضد النساء ومستويات شدته وعلاقات الأشخاص المنسوب إليهم ارتكاب العنف بالضحايا، إلى جانب تحديد فجوات الحماية والاستجابة التي تتطلب معالجة على مستوى السياسات والتشريعات.
وسجلت قاعدة الرصد التابعة للمؤسسة خلال فترة التقرير 154 واقعة عنف أمكن الوصول إلى عناصرها الأساسية والتحقق منها في حدود مصادر الرصد المتاحة.
وتؤكد المؤسسة أن هذه الأرقام لا تمثل مسحاً وطنياً لمعدلات انتشار العنف ضد النساء في مصر، ولا تمثل حصراً لجميع الوقائع التي حدثت فعلياً خلال الفترة، وإنما تعكس الوقائع التي أمكن الوصول إليها ورصدها وتحليل عناصرها الأساسية.
وأظهر التقرير أن الاعتداءات جاءت في المرتبة الأولى بواقع 59 واقعة بنسبة 38.3%، تلتها وقائع التحرش بـ57 واقعة بنسبة 37.0%، ثم وقائع القتل بـ38 واقعة بنسبة 24.7%، بما يعني أن الاعتداءات والتحرش شكلا معاً 75.3% من إجمالي الوقائع المرصودة.
لكن أهمية النتائج، وفق المؤسسة، لا تتوقف عند حجم الأرقام، وإنما فيما تكشفه عن طبيعة المخاطر والفجوات التي قد لا يكون التعامل معها ممكناً من خلال الاستجابة الفردية للوقائع وحدها، وإنما يتطلب تطويراً مستمراً في التشريعات والسياسات وآليات الحماية والرقابة على تنفيذها.
ارتفاع الاعتداءات والقتل يطرح سؤال التدخل قبل وقوع الجريمة
وأظهر التقرير أن 51 واقعة، بنسبة 33.1%، صُنفت ضمن المستوى الشديد من العنف، مقابل 49 واقعة بنسبة 31.8% ضمن المستوى المتوسط، و54 واقعة بنسبة 35.1% ضمن المستوى المنخفض.
كما وقعت 97 واقعة، بنسبة 63.0%، ضمن المستويين الثاني والثالث من التصعيد، مقابل 57 واقعة بنسبة 37.0% ضمن المستوى الأول.
وتعتبر مؤسسة ملاذ أن هذه النتائج تفرض إعادة النظر في كيفية التعامل مع العنف ضد النساء، بحيث لا تقتصر الاستجابة على العقاب بعد وقوع الجريمة، وإنما تشمل آليات قانونية ومؤسسية لاكتشاف مؤشرات الخطر والتدخل المبكر والمتابعة الفعالة للحالات التي يظهر فيها احتمال استمرار العنف أو تصعيده.
36.4% من الوقائع داخل المنزل.. والخطر يمتد إلى الشارع والعمل ووسائل النقل
كشف التقرير أن المنزل جاء في مقدمة أماكن وقوع الوقائع المرصودة بـ56 واقعة، بنسبة 36.4%، يليه الشارع والطرق العامة بـ42 واقعة بنسبة 27.3%، ثم وسائل النقل بـ20 واقعة بنسبة 13.0%، وأماكن العمل بـ15 واقعة بنسبة 9.7%.
وترى المؤسسة أن هذه النتائج تفرض على المشرّع وصانع السياسة النظر إلى حماية النساء باعتبارها منظومة تتجاوز المجال الأسري، لتشمل أيضاً سلامتهن في المجال العام ووسائل النقل وأماكن العمل وغيرها من البيئات التي قد تتشكل فيها مخاطر العنف.
كما امتد الرصد إلى 18 محافظة، بما يؤكد الحاجة إلى عدم التعامل مع حماية النساء باعتبارها قضية مركزية مرتبطة بالمناطق الحضرية فقط، وإنما تطوير آليات إنفاذ وحماية قادرة على الوصول إلى النساء في المحافظات والمناطق المختلفة، بما فيها النساء الأكثر تعرضاً لعوائق الإبلاغ والوصول إلى الخدمات.
العلاقات القريبة في قلب المشكلة
وأظهر تحليل بنية الأشخاص المنسوب إليهم ارتكاب العنف أن الزوج جاء في مقدمة الفئات المحددة بواقع 28 واقعة بنسبة 18.2%، بينما بلغت الوقائع التي لم تتحدد فيها هوية الشخص المنسوب إليه الفعل 47 واقعة بنسبة 30.5%.
كما شملت الوقائع سائقين وأصحاب أعمال وعاملين وجيراناً وأفراداً من الأسرة وغيرهم.
وتشير المؤسسة إلى أن وجود نسبة مهمة من الوقائع داخل دوائر القرب يطرح تحدياً تشريعياً ومؤسسياً خاصاً، لأن المرأة قد تواجه الشخص المنسوب إليه ارتكاب العنف بصورة متكررة، أو تكون مرتبطة به بعلاقة أسرية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهو ما يجعل مجرد وجود نص عقابي غير كافٍ ما لم تتوافر إلى جانبه آليات فعالة للوقاية والحماية والمتابعة والوصول إلى العدالة.
مقارنة الربع الثاني: تغير في طبيعة الخطر وليس فقط في عدد الوقائع
وبالمقارنة مع الربع الثاني من عام 2026، ارتفع عدد الوقائع المرصودة من 128 إلى 154 واقعة، بزيادة قدرها 20.3%.
وتؤكد المؤسسة أن هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها باعتبارها ارتفاعاً وطنياً مؤكداً في معدلات العنف، لأن قاعدة الرصد لا تمثل مسحاً وطنياً للانتشار الفعلي.
إلا أن المقارنة تكشف تغيراً في بنية الوقائع المرصودة؛ فقد انخفضت نسبة التحرش من 46.9% إلى 37.0%، في حين ارتفعت نسبة الاعتداءات من 32.0% إلى 38.3%، وارتفعت نسبة وقائع القتل من 21.1% إلى 24.7%.
وبذلك ارتفعت نسبة الاعتداءات والقتل معاً من 53.1% في الربع الثاني إلى 63.0% في الربع الثالث.
وترى المؤسسة أن هذا التحول يستحق قراءة تشريعية ومؤسسية تتجاوز التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، نحو بناء أدوات أكثر فاعلية للوقاية والتدخل المبكر وتقييم المخاطر.
رضوى الخولي: المطلوب ألا ننتظر وقوع العنف حتى تتحرك
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة:
«إن نتائج الربع الثالث تؤكد أن التعامل مع العنف ضد النساء لا يمكن أن يظل محصوراً في الاستجابة للواقعة بعد وقوعها. عندما تكشف البيانات أن 63% من الوقائع المرصودة وقعت ضمن المستويين الثاني والثالث من التصعيد، فإن السؤال التشريعي والمؤسسي يصبح: هل لدينا أدوات كافية لاكتشاف الخطر والتدخل قبل أن يصل إلى هذه المرحلة؟»
وأضافت الخولي:
«نحن لا نتحدث فقط عن تشديد العقوبات، وإنما عن منظومة متكاملة تبدأ من تعريف واضح لأشكال العنف، وتمر بآليات فعالة للشكوى والحماية وتقييم المخاطر والمتابعة، وتصل إلى ضمان المساءلة والإنصاف. التشريع مهم، لكن فعاليته تقاس بقدرته على حماية المرأة في الواقع، وليس بمجرد وجود النص القانوني».
وأكدت المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ أن البرلمان يمتلك دوراً أساسياً في مراجعة الإطار التشريعي المرتبط بالعنف ضد النساء، ومتابعة مدى كفاية التشريعات القائمة، وسد الثغرات التي تكشف عنها البيانات والممارسات الفعلية، إلى جانب ممارسة دوره الرقابي على تنفيذ السياسات والاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة.
«ملاذ» تضع توصيات تشريعية ومؤسسية أمام البرلمان
وخلص التقرير إلى عدد من التوصيات التي ترى المؤسسة أنها تستحق أن تكون محل نقاش تشريعي ورقابي، من بينها:
* مراجعة الإطار التشريعي لمواجهة العنف ضد النساء، بما يضمن معالجة مختلف أشكال العنف والفجوات القانونية المرتبطة بها.
* تطوير التشريعات بما يضمن وجود آليات فعالة لتقييم المخاطر والتدخل المبكر والمتابعة في الحالات التي تشير إلى استمرار التهديد أو احتمالات التصعيد.
* تعزيز الحماية القانونية للنساء داخل دوائر الأسرة والعلاقات القريبة، مع مراعاة طبيعة الاعتماد الأسري والاقتصادي والاجتماعي.
* مراجعة مدى كفاية الحماية القانونية للنساء في أماكن العمل ووسائل النقل والمجال العام.
* دعم التشريعات والإجراءات التي تضمن سرية بيانات الضحايا وحمايتهن من إعادة التعرض للخطر.
* تطوير آليات قانونية ومؤسسية تضمن سهولة الوصول إلى الشكوى والإحالة والحماية والإنصاف.
* تعزيز الرقابة البرلمانية على تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات الوطنية المتعلقة بمناهضة العنف ضد النساء، وقياس نتائجها بصورة دورية.
* ضمان أن تتضمن السياسات العامة بيانات قابلة للقياس ومؤشرات واضحة للمتابعة والتقييم.
توصيات موجهة إلى المجلس القومي للمرأة
وتضمن التقرير توصيات موجهة إلى المجلس القومي للمرأة باعتباره الآلية الوطنية المعنية بقضايا المرأة، من بينها تطوير الرصد الدوري لوقائع العنف على مستوى المحافظات، وتعزيز المتابعة الميدانية من خلال فروع المجلس، وربط نتائج الرصد بآليات الحماية والإحالة.
كما دعت المؤسسة إلى إجراء متابعة دورية لمدى وصول النساء فعلياً إلى خدمات الحماية والشكوى، وعدم الاكتفاء بعدد الشكاوى أو الخدمات المقدمة باعتبارها مؤشرات منفردة على فعالية الحماية.
وتأتي هذه التوصيات في سياق الدور الذي يضطلع به المجلس القومي للمرأة في ملفات التشريعات المتعلقة بحماية المرأة من مختلف أشكال العنف، والتي تشمل وفق ما يورده المجلس ضمن أعماله التشريعية ملف الحماية من العنف ووحدات حماية واستقبال ضحايا العنف.
توصيات إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان
كما وجه التقرير توصيات إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، من بينها تعزيز الرصد الحقوقي لوقائع العنف ضد النساء، وإدماج مؤشرات العنف ضد النساء وفجوات الحماية ضمن عمليات تقييم حالة حقوق الإنسان، وتطوير آليات استقبال الشكاوى وتحليلها، وتعزيز المتابعة الميدانية بالمحافظات.
ودعت المؤسسة المجلس إلى تعزيز الحوار المؤسسي مع السلطة التشريعية بشأن الثغرات التشريعية التي تكشفها وقائع الرصد، وتحويل الملاحظات والتوصيات الحقوقية إلى مقترحات قابلة للنقاش في المجال التشريعي والسياسات العامة.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ضوء تأكيد المجلس القومي لحقوق الإنسان خلال عام 2026 على أهمية الانتقال من الحوار والتوصيات إلى تحويل المخرجات إلى تشريعات وسياسات ملموسة، وتعزيز آليات التشاور المؤسسي مع السلطة التشريعية.
البرلمان أمام اختبار تحويل البيانات إلى تشريع وسياسة عامة
وترى مؤسسة ملاذ أن نتائج الرصد لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها أرقاماً منفصلة عن منظومة التشريع والسياسة العامة، وإنما باعتبارها مؤشرات يمكن أن تساعد البرلمان والجهات الوطنية المعنية على تحديد مواطن الخلل والفجوات التي تحتاج إلى تدخل.
ويأتي ذلك في ظل وجود نقاشات ومقترحات تشريعية مرتبطة بمواجهة العنف ضد النساء، إلى جانب التزامات دولية لمصر تضمنت توصيات بتسريع النظر في مشروع قانون لمكافحة جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، والنظر في سن تشريع يجرّم جميع أشكال العنف ضد النساء.
وبحسب المؤسسة، فإن المطلوب ليس إنتاج تشريع جديد بمعزل عن التشريعات القائمة، وإنما مراجعة مدى اتساق المنظومة التشريعية ككل، وتحديد الثغرات، وضمان قابلية النصوص للتطبيق، وربطها بآليات حماية واستجابة فعالة
من التقرير إلى المساءلة التشريعية
وأكدت مؤسسة ملاذ أن دور البرلمان لا يتوقف عند سن القوانين، وإنما يمتد إلى الرقابة على تنفيذها ومتابعة أثرها الفعلي على حياة النساء، بما في ذلك مساءلة الجهات التنفيذية عن مدى كفاية آليات الحماية، وتوافر الخدمات، وانتشارها جغرافياً، وقدرتها على الوصول إلى النساء الأكثر تعرضاً للعنف.
وتؤكد المؤسسة أن وجود استراتيجية أو آلية أو خدمة لا يعني بالضرورة تحقق الحماية في الواقع، وأن قياس فعالية السياسات يجب أن ينطلق من سؤال أكثر مباشرة: هل استطاعت المرأة الوصول إلى الحماية المناسبة في الوقت الذي احتاجت إليها فيه؟
ومن هذا المنطلق، يدعو تقرير الربع الثالث إلى التعامل مع بيانات العنف ضد النساء باعتبارها جزءاً من البنية المعلوماتية اللازمة لصنع القرار التشريعي والرقابي، وليس مجرد إحصاءات دورية عن عدد الوقائع.
وتختتم مؤسسة ملاذ تقريرها بالتأكيد على أن مواجهة العنف ضد النساء تحتاج إلى تكامل بين التشريع والرقابة والتنفيذ والرصد الحقوقي والحماية الفعلية، وأن نجاح أي إطار قانوني لا يقاس فقط بما يتضمنه من نصوص، وإنما بقدرته على منع العنف، واكتشاف الخطر مبكراً، وحماية النساء، وضمان المساءلة والإنصاف.