الإثنين، 07 سبتمبر 2026 03:31 م

قمحة ردًا على حسن هيكل: الدولة ليست شركة قابضة وقناة السويس ليست أصلًا للمقايضة

قمحة ردًا على حسن هيكل: الدولة ليست شركة قابضة وقناة السويس ليست أصلًا للمقايضة أحمد ناجي قمحة - رئيس تحرير مجلة السياسية الدولية
الإثنين، 07 سبتمبر 2026 03:00 م
أحمد ناجى قمحة
عقب أحمد ناجي قمحة، رئيس تحرير مجلة السياسية الدولية، على مقترح حسن هيكل صاحب إدراج قناة السويس ضمن ما أعلنه بشأن وصفه بـ"المقايضة الكبرى".. قائلا: مجددًا عن حسن هيكل.. عندما يتحول منطق السوق إلى سؤال السيادة، لا يعود النقاش مجرد خلاف حول أداة اقتصادية أو اجتهاد مالي قابل للأخذ والرد، وإنما يصبح نقاشًا حول طبيعة الدولة نفسها، وحدود ما يمكن أن يخضع لمنطق الحسابات المالية، وما يجب أن تظل له معاملة مختلفة بحكم طبيعته الاستراتيجية والسيادية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الطرح الذي أعاد رجل الأعمال والمصرفي حسن محمد حسنين هيكل تقديمه أخيرًا تحت مسمى «المقايضة الكبرى»، والذي يقوم في جوهره على توسيع نموذج مقايضة الأصول بالديون ليشمل ملكيات الدولة في الشركات العامة، بل ويمتد، بحسب ما طرحه، إلى قناة السويس.
الفكرة في أساسها ليست جديدة تمامًا؛ إذ تقوم على تسوية جانب من المديونية من خلال نقل أصول من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى مقابل تسوية مالية. وقد استند هيكل إلى تجربة تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، والتي تضمنت نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل، معظمها أراضٍ ومبانٍ، بقيمة 18.06 مليار جنيه، إلى جانب إعفاءات مرتبطة بفوائد وغرامات تأخير، ثم انتقل من هذه الحالة المحددة إلى سؤال أوسع: إذا أمكن استخدام هذا النموذج في تسوية مديونية بين جهات حكومية، فلماذا لا يتم توسيعه على مستوى الدولة؟
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة؛ لأن الدولة ليست ماسبيرو، وقناة السويس ليست أرضًا غير مستغلة.
هذا الفارق ليس تفصيلًا محاسبيًا. الأصل غير المستغل يمكن -وفق القانون والضوابط الحاكمة- أن يكون محل إعادة هيكلة أو استثمار أو نقل ملكية بين مؤسسات الدولة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. أما قناة السويس فهي مرفق استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والاقتصاد والموقع الجيوسياسي لمصر، ولا يمكن اختزالها في قيمتها المالية أو في إيراداتها أو في قيمتها الدفترية.
والدستور المصري نفسه يضع لقناة السويس وضعًا خاصًا، إذ ينص في المادة 43 على التزام الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها. كما أن النقاشات السابقة بشأن صندوق قناة السويس أكدت طبيعتها كمال عام لا يجوز التعامل معه باعتباره أصلًا عاديًا قابلًا للتصرف.
ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: هل المقترح يعني بيع قناة السويس أم لا؟
فالطرح، وفق ما عرضه صاحبه، لا يقوم حرفيًا على بيع القناة لطرف أجنبي أو إخراجها من ملكية الدولة، ومن ثم فإن اختزال الفكرة في عبارة «بيع قناة السويس» ليس دقيقًا. لكن السؤال الأهم والأكثر جوهرية هو: لماذا دخلت قناة السويس أصلًا في معادلة مقايضة الدين؟
لأن القضية ليست فقط في الجهة التي ستسجل الملكية في دفاترها، وإنما في تحويل أصل استراتيجي إلى عنصر داخل معادلة مالية. والسيادة لا تُختزل في اسم الجهة التي تسجل الملكية، كما أن القيمة الحقيقية لقناة السويس لا تختزل في الإيراد الذي تحققه. القناة ممر ملاحي دولي، ومصدر مهم للنقد الأجنبي، وركيزة للاقتصاد المصري، وأحد عناصر القوة الجيوسياسية للدولة، وبالتالي فإن التعامل معها بمنطق الأصل المالي القابل للمقايضة يثير سؤالًا أكبر بكثير من مجرد انتقال الملكية بين مؤسسات عامة.
وقد ذهب هيكل في دفاعه عن الفكرة إلى أن الأمر لا يختلف من الناحية السيادية إذا كانت الملكية لوزارة المالية أو للبنك المركزي، ودعا إلى تطبيق النموذج بصورة مرحلية ومراقبة «المضاعفات».
وهنا تحديدًا اختلف مع منطق الطرح.
في عالم الشركات والاستثمار، يمكن أن يكون الأصل رقمًا في الميزانية، ويمكن إعادة هيكلته أو بيعه أو نقله لتوفير السيولة أو خفض المديونية أو إعادة بناء المركز المالي للشركة. لكن الدولة ليست شركة، والأصل المملوك للدولة ليس بالضرورة مجرد رقم في ميزانيتها. هناك أصول تحمل قيمة اقتصادية، وأخرى تحمل قيمة استراتيجية وسيادية، وأخرى تجمع القيمتين معًا، ويجب ألا تُعامل جميعها بالمنطق نفسه.
وهذا يقودنا إلى خلفية صاحب المقترح نفسه. حسن هيكل ليس مجرد متابع للشأن الاقتصادي من خارج المجال؛ فهو جاء من عالم الاستثمار والتمويل، وارتبط اسمه بقيادة المجموعة المالية هيرميس، ثم واصل نشاطه في عالم الأعمال، كما أصبح عضوًا في اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي التي شكلها رئيس مجلس الوزراء في يناير 2025 لتقديم الرأي والمشورة في الملفات الاقتصادية.
وهذه الخلفية تمنحه بلا شك خبرة واسعة في إدارة رأس المال وإعادة الهيكلة والتعامل مع الأصول والديون. لكنها تجعل من المشروع أيضًا أن نسأل: هل يمكن نقل منطق إدارة أصول الشركات إلى إدارة أصول الدولة من دون أن يتغير تعريف الأصل نفسه؟
الإجابة، في تقديري، يجب أن تكون بالنفي عندما يتعلق الأمر بالأصول الاستراتيجية.
ولا أقول ذلك من منطلق شخصي ضد حسن هيكل، ولا من حق أحد أن يفترض أجندة خفية لصاحب المقترح من دون دليل. كما أن الإنصاف يقتضي عند تناول سيرته العامة عدم تحويل أي اتهامات أو قضايا سابقة إلى أحكام ثابتة عليه. فقد ورد اسمه في التحقيقات المتعلقة بقضية البنك الوطني المصري، وكان من بين المتهمين، قبل أن تقضي المحكمة ببراءته في فبراير 2020، وبالتالي فالبراءة هي الحقيقة القانونية التي يجب احترامها، ولا يجوز تحويل الاتهام السابق إلى إدانة.
لكن هذه المرحلة من مسيرته تظل، من الناحية الموضوعية، جزءًا من السياق الذي يمكن من خلاله فهم انتقاله من عالم المال والاستثمار إلى مساحة أوسع من النقاش حول السياسات الاقتصادية. وهو انتقال يجعل أفكاره محل اهتمام عام أكبر، خصوصًا مع وجوده لاحقًا في إطار استشاري اقتصادي رسمي.
لكنني أرى أن القضية الحقيقية تتجاوز حسن هيكل نفسه.
ما هي الأصول التي يجوز استخدامها في معالجة الدين؟
ومن يحدد ذلك؟ وما معيار الاختيار؟ ومن يقدر قيمة الأصل؟ وهل القيمة التي تدخل في عملية المقايضة هي القيمة السوقية فقط، أم القيمة الاقتصادية طويلة الأجل، أم القيمة الاستراتيجية والسيادية؟ وهل يمكن أن تتحول الحالة الاستثنائية إلى نموذج عام؟ وإذا بدأنا بأصول غير مستغلة، فما الضمان ألا يتوسع نطاق المقايضة مستقبلًا ليشمل أصولًا أكثر أهمية؟
هذه ليست أسئلة ترفية، وإنما هي صلب مفهوم الأمن الاقتصادي للدولة.
فإذا كان الدين العام يمثل تحديًا حقيقيًا، فإن علاجه لا ينبغي أن يقوم أساسًا على البحث المستمر عن أصول جديدة يمكن استخدامها في المقايضة، وإنما على معالجة أسباب تراكم الدين، وإعادة هيكلة آجاله وتكلفته، وتعظيم الإيرادات المستدامة، وزيادة الإنتاج والصادرات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتقليل الاعتماد على الاقتراض، وتعظيم عوائد أصول الدولة من خلال الاستثمار والشراكة والإدارة الرشيدة.
وهنا تأتي أهمية بيان مجلس الوزراء الذي صدر ردًا على ما أثير حول مقترحات مقايضة بعض أصول الدولة بالمديونية المحلية.
فالبيان، في تقديري، يستحق قراءة أعمق من اعتباره مجرد نفي حكومي لمقترح طرحته «شخصية عامة» ثم جرى تدويره على منصات التواصل الاجتماعي حسب الهوى والرغبة في الشحن وإثارة الغضب.
البيان لم يقل إن فكرة مقايضة الأصول بالديون لم تخطر على بال الدولة. بل أشار إلى أن الفكرة سبق أن دُرست داخل أجهزة الدولة، وانتهت الدراسة إلى عدم ملاءمتها كسياسة عامة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الحكومة هنا لا تقول: «لم نفكر في الأمر»، وإنما تقول: الفكرة طُرحت، ودُرست، وتم تقييمها، ثم لم تعتمد كسياسة عامة.
وهذا يضع حدًا لمحاولة تحويل اجتهاد اقتصادي لشخصية عامة إلى اتجاه حكومي أو قرار وشيك.
والأهم أن الحكومة لم تنكر وجود تسويات مالية فعلية بين جهات الدولة، بل فصلت بينها وبين فكرة تحويل مقايضة الأصول بالديون إلى سياسة عامة لإدارة الدين العام.
وهنا يجب أن نفهم خلفية تسويات بنك الاستثمار القومي التي تزامنت مع الجدل. فقد شهدت الأيام الماضية تسويات لمديونيات تاريخية بين بنك الاستثمار القومي وعدد من الجهات المملوكة للدولة، وهي تسويات تضمنت في إحدى الحالات نقل ملكية أصول غير مستغلة من الهيئة الوطنية للإعلام. ومن الطبيعي أن يرى المواطن أمامه معادلة بسيطة: ديون + أصول دولة + نقل ملكية = مقايضة أصول بالديون.
وهنا تدخل بيان الحكومة ليقول بوضوح: لا تخلطوا بين الحالتين.
فالبيان يعتبر تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام حالة محددة لا يجوز التعامل معها باعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام. وهذا في الحقيقة مفتاح البيان كله.
نحن أمام معالجة لتشابكات مالية تاريخية بين جهات مملوكة للدولة، وليس أمام سياسة عامة تقوم على بيع أو رهن أو مقايضة أصول الدولة لتصفير الدين.
والأكثر أهمية أن البيان يضع المسألة في إطار أوسع: التسوية بين وحدات حكومية لا تعني تلقائيًا أن الدولة ككل تخلصت من مديونيتها. فقد تتغير مراكز الأصول والخصوم بين الوحدات الحكومية، لكن الدين على مستوى الدولة ككل لا يختفي بمجرد إعادة ترتيب الملكية بين جهاتها.
ومن هنا تأتي أهمية الرسالة الاقتصادية التي يحملها البيان: إدارة التشابكات المالية شيء، وخفض الدين العام للدولة شيء آخر.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن يفهمه الرأي العام.
ثم تأتي النقطة الأكثر وضوحًا في البيان: قناة السويس بالاسم.
لماذا كان من الضروري أن تذكر الحكومة القناة تحديدًا؟
لأنها أرادت إغلاق مساحة واسعة من التأويلات. كان يمكن أن تقول ببساطة إن الدولة لا تعتزم مقايضة أصولها بالديون، لكنها اختارت أن تؤكد بصورة صريحة أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، وأنها ليست للبيع أو الرهن أو نقل الملكية.
وهذه ليست مجرد صياغة لغوية.
إنها إعادة وضع قناة السويس في مكانها الصحيح داخل تصور الدولة للأصول الاستراتيجية. فهناك أصول يمكن إعادة هيكلتها أو استثمارها أو طرح شراكات بشأنها وفق القانون وسياسة ملكية الدولة، وهناك أصول ذات طبيعة استراتيجية وسيادية لا يجوز إدخالها في المنطق نفسه.
وهنا تحديدًا يجب أن نفهم الرسالة السياسية للبيان.
الدولة لا ترفض إدارة أصولها، وإنما ترفض تحويل الأصول الاستراتيجية إلى أدوات لسداد الالتزامات.
وهذا لا يعني تجميد أصول الدولة أو رفض الاستثمار فيها. على العكس، البيان يؤكد استمرار سياسة ملكية الدولة، وبرامج الطروحات، والشراكة مع القطاع الخاص، وتعظيم العائد من الأصول.
إذن المسألة ليست «أصول الدولة لا تمس»، وليست «الدولة تحتفظ بكل شيء إلى الأبد». وإنما المسألة هي وضع حدود واضحة بين الأصل الذي يمكن استثماره أو إعادة هيكلته، والأصل الذي ترتبط ملكيته ووظيفته مباشرة بالأمن القومي والسيادة.
وهذا التمييز ضروري اقتصاديًا وسياسيًا.
كذلك فإن للبيان بعدًا يتعلق بالأسواق والمستثمرين. فانتشار فكرة أن الدولة قد تلجأ إلى تسييل أصول استراتيجية تحت ضغط الدين يمكن أن ينتج عنه انطباعات تتجاوز الداخل المصري، وقد يُقرأ خارجيًا باعتباره مؤشرًا على ضغوط مالية شديدة أو تغيير في فلسفة إدارة أصول الدولة.
ومن ثم فإن الرسالة الرسمية جاءت لتعيد تثبيت إطار مختلف لإدارة الدين: إصلاح هيكل الدين، إطالة آجاله، خفض تكلفة خدمته، زيادة الموارد، تحسين الفوائض الأولية، وضبط الإنفاق، مع إدارة أكثر كفاءة للأصول، بدلًا من تحويل الأصول الاستراتيجية إلى أدوات مالية.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبنك المركزي.
فكرة نقل أصول حكومية إلى البنك المركزي مقابل تسوية مديونية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد عملية محاسبية من نوع «أصل مقابل دين». فهي تمس العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، والسيولة المحلية، والميزانية العمومية للقطاع العام، وطريقة إدارة الالتزامات والأصول بين مؤسسات الدولة.
ولذلك فإن الإشارة في بيان الحكومة إلى تأثيرات هذه العمليات على السياسة النقدية والمالية ليست تفصيلًا عابرًا؛ وإنما تعكس إدراكًا بأن إدارة الدين ليست ملفًا منفصلًا عن بقية منظومة الاقتصاد الكلي.
والبيان في نهايته يضع حدًا آخر بالغ الأهمية: هناك مساحة مفتوحة للخبراء والشخصيات العامة لطرح الرؤى والاجتهادات، لكن الرأي لصاحبه، والسياسة الرسمية مصدرها المؤسسات الرسمية.
وهذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الاختلاف الاقتصادي.
لا حاجة إلى تحويل حسن هيكل إلى خصم سياسي، ولا إلى تخوينه، ولا إلى افتراض نوايا لا نملك عليها دليلًا، وفي المقابل لا يجوز تحويل طرحه إلى حقيقة حكومية أو قرار رسمي لمجرد أنه صدر عن شخصية لها وزنها وخبرتها.
المشكلة ليست في أن يناقش خبراء الاقتصاد أفكارًا غير تقليدية. بالعكس، الدولة تحتاج إلى التفكير في كل البدائل الممكنة. لكن هناك فرقًا بين أن تدرس الدولة فكرة ثم ترفضها، وبين أن تتحول الفكرة إلى سياسة عامة.
وهنا تكمن أهمية بيان مجلس الوزراء.
لقد قال بوضوح إن الدولة تدرس، وتقارن، وتقيّم، ثم تختار ما تراه مناسبًا للمصلحة العامة.
وهذا في حد ذاته أمر إيجابي في إدارة السياسة الاقتصادية.
أما ما ينبغي أن ننتبه إليه كمجتمع، فهو ألا تتحول كل تسوية مالية أو كل حديث اقتصادي إلى مادة جاهزة للشحن في #المزاج_العام، وألا تُقتطع جملة من سياقها ثم تُبنى عليها رواية كاملة عن بيع أصول الدولة أو التفريط في السيادة.
فهناك بالفعل ضغوط وتحديات مرتبطة بالدين العام، ولا ينبغي إنكارها أو تجميلها. لكن مواجهة هذه التحديات لا تكون بإدارة الانفعال الشعبي، ولا بإطلاق الاتهامات، وإنما بنقاش اقتصادي جاد حول مصادر الدين وتكلفة خدمته، وهيكل الإنفاق والإيرادات، والإنتاج والصادرات والاستثمار، وكيفية تعظيم عوائد أصول الدولة من دون المساس بقيمتها الاستراتيجية.
ومن هنا أرى أن العنوان الحقيقي لهذا النقاش ليس: «هل ستبيع الدولة قناة السويس؟».
لأن هذه الصياغة في حد ذاتها غير دقيقة.
العنوان الأصح هو: هل ينبغي أن تدخل الأصول الاستراتيجية للدولة أصلًا في دائرة التفكير المالي القابل للمقايضة؟
وهنا تكون الإجابة واضحة بالنسبة لي: هناك فارق جوهري بين إدارة الأصل وتعظيم عائده وبين استخدامه كأداة لمعالجة الدين.
قناة السويس ليست مجرد مصدر للإيرادات حتى نقارن عائدها بحجم المديونية. وليست شركة عادية يمكن التعامل مع ملكيتها بمنطق نقل الأسهم بين المؤسسات. إنها أحد أعمدة القوة المصرية، وموقعها الجغرافي والاستراتيجي يجعل قيمتها بالنسبة للدولة أكبر بكثير من أي تقييم مالي مباشر.
ولهذا فإن الاعتراض على «المقايضة الكبرى» ليس اعتراضًا على معالجة الدين، ولا رفضًا للابتكار المالي، ولا دفاعًا عن الجمود الاقتصادي. إنه اعتراض على تسطيح الفارق بين الأصل الاقتصادي والأصل السيادي.
وإذا كان علينا أن نستخلص رسالة واحدة من بيان مجلس الوزراء، فهي أن الدولة لا تنكر الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة لأصولها، لكنها ترفض أن تصبح هذه الأصول، وبالأخص الأصول الاستراتيجية، بديلًا عن إصلاح هيكل الدين العام.
فالديون يمكن إعادة هيكلتها، والسياسات يمكن تغييرها، والحكومات تتغير، والظروف الاقتصادية تتبدل؛ أما القرارات التي تمس جوهر الأصول الاستراتيجية للدولة فلا ينبغي أن تخضع لمنطق «نبدأ ونرى المضاعفات».
لأن هناك قرارات يمكن تجربتها ثم تعديلها، وهناك قرارات تكون تكلفة الخطأ فيها أكبر من قدرة الدولة على التراجع عنه.
وهنا تحديدًا يجب أن نكون واضحين: ليست كل أصول الدولة سواء.
هناك أصول يمكن إعادة هيكلتها، وأصول يمكن استثمارها، وأصول يمكن طرح شراكات بشأنها، وأصول يمكن التصرف فيها وفق القانون والمصلحة العامة، لكن هناك أصولًا تتجاوز قيمتها المالية إلى قيمة استراتيجية وسيادية، ويجب أن تكون لها معاملة مختلفة تمامًا.
ومن هذه الزاوية، فإن طرح «المقايضة الكبرى» يحتاج إلى نقاش أكثر صرامة حول فلسفة إدارة أصول الدولة، وليس إلى معركة شخصية مع حسن هيكل.
فقد يستطيع رجل المال أن يرى في الأصل قيمة قابلة للتقييم والمبادلة، لكن رجل الدولة مطالب بأن يرى فيه أيضًا ما لا يظهر في الميزانية.
مصر ليست شركة قابضة، وقناة السويس ليست بندًا في ميزانية أحد.
مصر دولة، وللدولة أصول لها قيمة اقتصادية، وأصول لها قيمة استراتيجية، وأصول تجمع بين القيمتين. والذكاء الحقيقي في إدارة الاقتصاد الوطني ليس في بيع كل ما يمكن بيعه أو مقايضة كل ما يمكن تقييمه، وإنما في معرفة ما الذي يمكن استثماره، وما الذي يمكن إعادة هيكلته، وما الذي يجب أن تظل قيمته فوق الحسابات المالية قصيرة الأجل.
وهنا تحديدًا أقول مجددًا: شكرًا دولة رئيس الوزراء دكتور م. #مصطفى_مدبولي على البيان الذي وضع النقاش في إطاره المؤسسي الصحيح، وأغلق الباب أمام خلط التسويات المالية المحددة بسياسة عامة لمقايضة أصول الدولة بالديون.
أما الجدل، فليستمر.
لكن ليكن جدلًا اقتصاديًا جادًا، بعيدًا عن الشحن، وبعيدًا عن اقتطاع التصريحات من سياقها، وبعيدًا عن تحويل كل اختلاف في الرأي إلى معركة وطنية.
لأن إدارة الاقتصاد تحتاج إلى النقد، نعم، لكنها تحتاج قبل النقد إلى الفهم.
وتحتاج الدولة إلى الاستثمار في أصولها، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن تعرف أي الأصول يمكن أن يصبح أداة مالية، وأي الأصول هو في حد ذاته جزء من قوة الدولة.
هذه هي المسألة.

 


الأكثر قراءة



print